يمكن أن تقود تعددية التوجهات السياسية والمتبنيات الفكرية إلى عشوائية وفراغ، بل وقد تكون مرضاً في الجسد الفكري يصعب علاجه، ويمنع من الانطلاق إلى الأمام، قبل الإعلان عن نتيجة التمزق والانحدار، في حال لم تُقرأ وفق مساراتها وسياقاتها الواقعية.

وأحد أهم أسباب هذا الانحدار هو الرؤية الضبابية والمجانية التي نتعامل بها مع المفاهيم، خصوصاً تلك التي تفد علينا من الغرب الليبرالي وانبهارنا القشري بليبراليته التي أعلن كثير ممن يتبناها عن تناقضاتها، فضلاً عن تباين تلك المتبنيات على مستوى الزمن، فبعض النخب الفكرية والثقافية تعتمد المنابع التي تعود لأزمنة استهلكت مضامينها وأطروحاتها، أما النمط الفكري الآخر فإنه يعتمد آخر ماصدر عن الغرب، محدثاً بذلك قفزة زمنية غير محسوبة تجعلهم مغتربين خارج الزمن والواقع الذي ينتمون إليه، وبالتالي فإن الاغتراب والتقافز الفكري على المستوى الزمني يمثلان حاجزين أمام تحقيق بصمة فكرية متميزة لازالت للآن تبحث في اللاجدوى عن زمنها المرتقب.

اللاجدوى في البحث عن الزمن الفكري الخاص تحيلنا إلى قضية انعدام المعايير وعدم القدرة على استحضار الأقيسة التي تحدد ثوابت خطابنا الثقافي الحديث، فيستمر المكوث في دائرتين : دائرة الماضي الذي تراكمت عليه أتربة المفاهيم فيصنع منها إجابات هجينة لأسئلة المرحلة الراهنة المتسارعة. أما الثانية فهي دائرة الاقتباس العشوائي من الغرب؛ بهدف التصدي للمرحلة العولمية وإشكالياتها، ما يعني أشد حالات الاستلاب حضوراً ووضوحاً، وفي الدائرتين تتجلى سكونية الفكر مع الزمن المتحرك بعشوائية وتخبط، حيث يحل الكسل المعرفي والاتكاء محل الطاقة الابداعية التي تريد تحريك الساكن.

واقعنا اليوم يشي بأننا إزاء ثقافة متدنّية رائدها فقدان المعايير وسوء الذوق وانعدام الإحساس بالحياة، وكأن الإنسان يعيش هذا الفقدان المعياري وظيفياً وميكانيكياً بشكل ممل، ويغيب في داخله هاجس احترامه لذاته ولقيمته الوجودية الكبرى، فيصير السوء شائعاً وطبيعياً، والصحيح الجمالي بدعة واغتراباً، وهنا تكمن أشد حالات النكوص الحضاري؛ لأن الذي يهدد الثقافة اليوم هو ذلك التعاطي الغريب مع الزمن بآليات المعايير المفقودة التي تنتج لنا السيء من الآداب والفنون والنظريات الفلسفية. والأخطر من ذلك هو أن يتحول فقدان المعايير إلى صناعة ممنهجة تصدر بضاعتها..فتنتشر في الأوساط المجتمعية انتشار النار في الهشيم حسب منطق (الموضة)، خصوصاً مع توفر السلطة الداعمة لهذه الصناعة بدراية أو بدونها لتكون تحصيلاً حاصلاً يرسخ القبول بـ (نظرية المؤامرة) التي كثيرا ما نسمع بعدم الاعتراف بوجودها وهي - أمام هذه المعطيات - تبدو واقعية بنسبة كبيرة ومخيفة.

وفي بحثنا عن زمننا الفكري الخاص؛ لابد أن نعي أهمية الإيمان بتقدم العلوم والتكنلوجيا اللذين يسابقان الفكر اليوم، ولايجب أن نشيح بوجهنا أو نغض النظر عن هذا التقدم المذهل، وإذا فعلنا فإننا سنكون بمثابة العاجز عن فهم دوره الحقيقي، إذ سيجعل من الفكر والثقافة قيماً للهبوط وليس الارتقاء.

وحتى لانكون متشائمين في طرح قضية تأخرنا الفكري، نعتقد أن المشكلة الفكرية هي مشكلة عالمية بالدرجة الأساس؛ لأن الإيديولوجيا والأفكار المرتبطة بها والمنتشرة في كل العالم تكابر بغرور، وتعتقد أنها الأنسب لتحديد المستقبل وصياغة ملامحه، متجاهلة قيمة الابتكار العلمي والتقدم التكنلوجي والاتصالي، وفاعلية هذين العنصرين في إنتاج طرائق التفكير الجديدة.

لذلك يلزم مراجعة صريحة وجادة لكل الإيديولوجيات والأنماط الفكرية السابقة، حتى وإن أحدثت هذه المراجعة اهتزازاً أو انهياراً لها، وهو ما يجعل الأنظمة الحاكمة بها في حالة استنفار ومواجهة مع كل جهد حقيقي لتجديد الأفكار.

تداخل الثقافات في ظل الوسطية والاعتدال

التعددية من منظار علم الاجتماع مساحة تتفاعل فيها المكونات وتعد مفتاحاً أساسياً لباب التعايش الحضاري والتسامح الأخلاقي البعيد كل البعد عن أشكال التعصب والكراهية. وقد تقود التعددية الثقافية إلى حالة إيجابية من تداخل الثقافات فيما بينها وتخطي النظرة السلبية القاتمة للقبول بالآخر كما يرى (جيرالد ديلانتي) الذي يعتقد بأن التعددية الثقافية يمكن أن تتفاعل في إطار هذا التداخل.

فالإنسانية اليوم لاتحتاج تعصباً هوياتياً ضيقاً، ولا قفزاً غير مأمون العواقب، بقدر ماتحتاج إلى آلية تضمن الوقوف في منطقة وسطية بين التعصب للثقافة الموروثة والحداثة الداعية لنبذها وتجاهلها؛ لأن كلاهما يقود لفقدان الشعور بالأمان ولذات خاوية من أي تصور، فيكون التعويض عن هذا الفقدان يمر بطريقين متناقضيين طريق التعصب وطريق ضرب الأخلاق بعرض الجدارعبر حداثة متوحشة.

فالمنطقة الوسطية التي ننشد الوقوف عليها تؤمن لنا ثقافة القبول بالآخر التي تؤسس للتبادل المعرفي والحضاري بين بني البشر، والتعددية في هذه المنطقة الوسطية صريحة متصالحة مع ذاتها بحيث لاتُبَرِّىء الثقافة وترفعها لمصاف الملائكية، ولاتدينها لدرجة الشيطنة، بل أن صراحتها الأخلاقية تتيح لها مناقشة السلوكيات التي لاتنسجم والتقدم كالسلوكيات العنفية مثلاً، وأساليب قمع الحريات، واعتبار بعض القناعات الشخصية على أنها قوانين يجب أن يُلتزم بها.

ومثل هذه الرؤية؛ يجب أن تنطلق من نخب فكرية واعية، تجيد قراءة المراحل في سياقها الزمني، وتعي ضرورة التجديد الذي يصاحبه الوعي، نخب تحدد مسار العلاقة بين التعددية والأخلاق، وتتخطى كل المسارات التي تعقد العلاقة بين الطرفين، فالفكر يعد الأساس الذي يقوم عليه بناء أنواع التعددية سياسياً واجتماعياً وثقافياً تكون فيه العقائد والأفكار والإيديولوجيات متساوية، ولايتم رجحان كفة طرف على كفة طرف آخر إلا بمقدار ماينتجه للإنسانية من خدمات وفق أطر المحبة والتسامح ونبذ الأحادية. لابد من اجتياز حواجز العزلة بين الثقافات، وهي في الحقيقة حواجز يمكن إثبات وهمها الكبير بمزيد من الجدية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2