تحدثنا في سطور سابقة عن (العقد الثقافي)، والسؤال عن إمكانية تحقيقه كثيمة للتصالح الحضاري، والآراء التي تباينت بين مثالية من يؤمن بإمكانية فرض وجوده، وبين التفاؤل والقول بواقعيته في حال تعددت الثقافات وتكاملت في عقد يضمن احترام خصوصية كل هوية ثقافية، ويلغي منطق تفوق ثقافة (سين) على ثقافة (صاد). وطالما نحن في طور الحديث عن التعددية وأهميتها في بلورة مجتمعات متعايشة تدخل الثقافة في صلب تعايشها؛ لابد أن ننظر لزاوية تمثل في حال غيابها أشد حالات الحرج التي ستواجه التعددية، وتصيبها بالتشوه، والقصد هنا طبعاً الزاوية الأخلاقية، إذ لا يمكن لأي فكرة أن تعلن عن تكامليتها ونجاحها في الوقت الذي تتجرد من القضية الأخلاقية، حتى وإن بدا هذا التجرد مُقَنَّعاً بالمعاصرة والتجدد.

وأكثر شيء يجعل التعددية ناقصة؛ هو ذلك الهوس بالقفز على المسلمات الأخلاقية من خلال تبني شعارات وسلوكيات ليست بالضرورة تكون منسجمة في كل الأزمنة والأمكنة، وهذا القفز سيؤدي إلى فقدان الحس بالإنسانية. والتعددية من منظار علم الاجتماع مساحة تتفاعل فيها المكونات وتعد مفتاحاً أساسياً لباب التعايش الحضاري والتسامح الأخلاقي البعيد كل البعد عن أشكال التعصب والكراهية. وقد تقود التعددية الثقافية إلى حالة إيجابية من تداخل الثقافات فيما بينها وتخطي النظرة السلبية القاتمة للقبول بالآخر كما يرى (جيرالد ديلانتي) الذي يعتقد بأن التعددية الثقافية يمكن أن تتفاعل في إطار هذا التداخل.

وقد انتبهت المنظمات الدولية إلى أهمية هذا الموضوع، فقامت منظمة اليونسكو في عام 2005 بإقرار اتفاقية تنص على ضرورة حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، والتي تدعم بوضوح قضية التداخل بين الثقافات، وتشجع الممارسات الإنسانية التي تعزز هذا الاندماج في إطار أخلاقي وشفاف.

الأنسنة اليوم لاتحتاج تعصباً هوياتياً، ولا قفزاً على أخلاقيات بقدر ماتحتاج إلى آلية تضمن الوقوف في منطقة وسطية بين التعصب للثقافة الموروثة والحداثة الداعية لنبذها وتجاهلها؛ لأن كلاهما يقود لفقدان الشعور بالأمان ولذات خاوية من أي تصور، فيكون التعويض عن هذا الفقدان يمر بطريقين متناقضيين طريق التعصب وطريق ضرب الأخلاق بعرض الجدارعبر حداثة متوحشة.

فالمنطقة الوسطية التي ننشد الوقوف عليها تؤمن لنا ثقافة القبول بالآخر التي تؤسس للتبادل المعرفي والحضاري بين بني البشر، والتعددية في هذه المنطقة الوسطية صريحة متصالحة مع ذاتها بحيث لاتُبَرِّىء الثقافة وترفعها لمصاف الملائكية، ولاتدينها لدرجة الشيطنة ، بل أن صراحتها الأخلاقية تتيح لها مناقشة السلوكيات التي لاتنسجم والتقدم كالسلوكيات العنفية مثلاً، وأساليب قمع الحريات، واعتبار بعض القناعات الشخصية على أنها قوانين يجب أن يُلتزم بها.

ومثل هذه الرؤية؛ يجب أن تنطلق مجتمعات متمدنة ، فالمجتمع المدني يعد الأساس الذي يقوم عليه بناء أنواع التعددية سياسياً واجتماعياً وثقافياً تكون فيه العقائد والأفكار والإيديولوجيات متساوية، ولايتم رجحان كفة طرف على كفة طرف آخر إلا بمقدار ماينتجه للإنسانية من خدمات وفق أطر المحبة والتسامح ونبذ الأحادية. لابد أن نغادر المنطق الذي صرح به المتنبي بقوله : (أنا الطائرُ المحكيُّ والآخرُ الصدى)، لابد من اجتياز حواجز العزلة بين الثقافات، وهي في الحقيقة حواجز يمكن إثبات وهمها الكبير بمزيد من الجدية.

تجاوز المسارات التعقيدية

تدخل التعددية الثقافية في صلب حديثنا عن مسار العلاقة بين مفهوم التعددية والأخلاق، وهي العلاقة التي قد تتقاطع في مفترق طريقين، يقود أحدهما الانقياد لاجتياح العولمة، بينما يذهب الثاني باتجاه التجذر في الأطر العرقية والهوياتية ما يعني خللاً بُنيوياً تصعب معه عملية بناء التعددية الثقافية المتكئة على جدار أخلاقي صلب. لكن هذه الصعوبة لاتعني بأية حال من الأحوال استحالة هذه العملية إجرائياً، وذلك من خلال الاجتهاد وتكثيف الجهود من أجل صنع هوية ثقافية ترسم الملامح العالمية الجديدة وفق رؤية تمتزج بها القيم الأخلاقية بالقيم الكونية الحداثية ، متخلصة من الرواسب السلبية التي يمثلها تاريخ متشدد من الخصوصيات المأزومة والمنحرفة عن مسارها الأخلاقي الأصلي. الهوية الثقافية الجديدة والمؤمنة بالتعدد لايضيرها إنكار كل مايسيء للأخلاق وللفطرة البشرية، هوية متصالحة مع نفسها، غير خاضعة لمعايير العقل الجامد والمتفرد، وهو الخضوع الذي جعل نمو ثقافة التعددية فقير الفكر واهن الوجدان زاد من مساحة الشرخ المجتمعي.وللحداثة أيضاً حضورها البارز في تشكيل التعددية الأخلاقية المنشودة شريطة عدم القفز منها إلى مابعدها من دون تأصيل مفاهيمها ومشروعها بما ينسجم مع الواقع لا بتجاوزه بحالة من العشوائية المضرة.

إن مشروع التعددية الأخلاقية؛ لابد أن يتخطى كل المسارات التعقيدية، وينأى بنفسه عن هيمنة تجعل الإنسان منشطراً، ويُفعِّل العقلانية الوسطية وفق رؤية حداثية جديدة متجاوزة.

وتلازمية العلاقة بين التعددية والأخلاق يمكن أن تنتعش على عكس الكثير من التصورات المتشائمة، في حال استطعنا أن نحلل بتجرد وإنصاف تداعيات العنف في القرن العشرين الماضي، ووضعنا أصابع الصراحة على الجرح الإنساني، فيكون القرن الحادي والعشرين الحالي شاهداً على الزواج الكاثوليكي بين مفاهيم الحداثة والأخلاق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0