هل يمكن تحديد المسافة بين مفاهيم الديموقراطية والثقافة وحقوق الإنسان والحريات من جهة، والتكنلوجيا والميديا من جهة أخرى، بين تقارب أو تباعد؟

ولو افترضنا أن ثمة تقارباً بين هذه المفاهيم، فماهي ملامح هذا التقارب؟ وماهي مكوناته وعناصره؟ النمط الأول يمثل الكونية التي تنتمي لها الموجودات الكلية، بينما ينتمي النمط الثاني وبوضوح إلى العولمة المتسيّدة بقوة، وفرضت نفسها كمهيمن أحادي على منطق الحداثة، وكأننا في زمن (انتصار الفكر الأوحد على الفكر الكلي) على حد تعبير (جان بوديار) الذي يرى في العولمة ــ ثقافياً ــ "اختلاط كل الرموز وكل القيم، أي الخلاعية. ذاك أن الخلاعية هي التعاقب، والبث العالمي لكل شيء ولأي شيء كان على الشبكات، لم يعد هناك فرق بين العالمية والكلية، لأن الكلية نفسها قد تعولمت، والديموقراطية وحقوق الإنسان تنتقل تماماً مثل أي نتاج عالمي كالنفط أو كرؤوس الأموال، والذي يحصل في التحول من الكلية إلى العالمية هو في الوقت ذاته هذا التجانس وهذا التشرذم اللامحدود للنظام"1.

في هذا المقطع من كلام (جان بوديار) سنتوقف عند أولاً عند مفردة (الخلاعية)، والتي ألحقها بعبارة "الخلاعية هي التعاقب"، وهو ما يجعلنا نُخضع عبارته (الرمزية) لتعدد التأويلات، والتي قد تلتقي عند نقطة خلع القيم ثم التعاقب في الاندماج بالوضع المُعولم والمؤدي إلى التفكك المفاهيمي والتشرذم القيمي، تمهيداً للتداخل اللامنطقي بين العنف والعالمية، فيكون العالم إزاء عنف عولمي متعدد الأبعاد والأشكال والصور، ولعل أخطر هذه الصور تلك التي تتقنع بأضداد العنف مخادعة الآخر، وهو ماسيحيلنا غلى النقطة الثانية التي سنتوقف عندها من كلام (بوديار)، والتي أشار فيها إلى تعولم الكلية، لتصبح المسميات التي تندرج تحتها ذائبة في المنطق العولمي المتوحش، فالديموقراطية عولمية، والثقافة عولمية، والحريات عولمية، وحقوق الانسان عولمية، وقد تتعدى أذرع العولمة الأخطبوطية لتضم العقائد ــ إلا مارحم ربي ــ إلى سلطتها، الأمر الذي يمكنها كلياً من بسط هيمنتها وتعزيز نفوذها، وبذلك تتعزز التهديدات وتتضاعف نتيجة أزمة الخطاب الإنساني في ظل هذه المعطيات المنحرفة عن قيمها، حيث يسود الخطاب العائد للوراء متفوقاً على حوار الثقافات المختلفة.

وقد تكون الثقافة نفسها سبباً رئيساً من أسباب أزمة الخطاب؛ بسبب وضعها فوق المرتبة الانسانية، بحيث تعتبر ثقافة سين هي الأعلى والأرقى وما ثقافة صاد وعين و ..... الخ إلا توابع أو كما يعبر المتنبي بقوله : (أنا الصادحُ المحكيُّ والآخرُ الصدى).

هنا سيتمظهر الوهم بأعلى تجلياته حيث تكون الثقافة سجينة أصولها العرقية والدينية، فتتحول من قيمة للارتقاء إلى قيمة للهبوط، فينتج عن هذه الصورة القاتمة ظهور جديد لصراع القديم والجديد، صراع المتيبس على رواسب القديم مع الذي يفرض نفسه إلهاً تنصبه العولمة، وحاكماً على آراء الآخرين عبر ترسيخه لمبدأ اللافهم ويجعل من الانسان كائناً انفعالياً بعيداً عن إنسانيته الفطرية، ولكل ذلك زادت التحديات التي فصّلتها (هالة الباجي) بأنها بدأت من اوروبا حين منحت لنفسها ــ حضارياً ــ حق استعمار الشعوب، ثم توحش المتحررين من الاستعمار بسبب عقدهم منه، وصولاً لعودة المستعمر بهيئة المُخَلِّص فتقول2 : "يبدو إذ ذاك إن اللاإنساني لا يتلخص بالعنف وحده، وإنما بالخطاب الحضاري أو الثقافي للحقد، حين يتعين عليه أن يبرر فكرياً أو ثقافياً قساوته بإلباسها لبوساً ثقافياً يرفعها إلى درجة الحق. لقد بالغنا في التهليل لمفهوم العرق باسم تنوع الثقافات، حتى إننا نسينا المفهوم الوحيد الذي يستحق اهتمامنا: الجنس البشري. لقد أصبح (الإنساني) إذا جاز القول، مادة حقد عرقي ....، لم يعد الإنسان يهتم كثيراً لطبيعته، وهو يرتضي بثقافة لاإنسانية من أجل التأكيد على اختلافه".

ولايخفى إن عولمة الاتصالات والتكنلوجيا أصبحت من المحرضات الرئيسة لتبرير العنف والكراهية بعد طلائهما بألوان ثقافية براقة وجذابة، وقد بتسع الحديث هنا للاستشهاد بعشرات الصور الثقافية والفكرية المعاصرة، والتي تؤكد هذا النمط المُقنّع من العلاقات بين المفاهيم، فالإنسان الحاضر في هذه الصور إنسان هيكلي تُحركه محددات مبرمجة عولمياً محدثة شيئاً من التجريدية العشوائية لشكل الإنسان وصورته المتلاشية في الثقافة، في ظل سيادة العرقي على الأخلاقي عبر تحركه في عتمة عقلية هائلة.

لن يحدث التقارب بين المفاهيم عموماً، وبين الثقافة والعولمة على وجه الخصوص؛ مالم نميز الإنساني من نقيضه اللاإنساني، وذلك لن يتم إلا بنبذ الاختلاف المؤدي إلى التشرذم بعد تشخيص جذوره ومسبباته التي قادت البشرية لكوارثها طيلة الفترات الزمنية السابقة، لا بتركه وفق منطق إهمال الماضي الذي للآن يزيد من مساحات الخدر على الخريطة الفكرية اليوم. لابد من اعتماد المقاييس الناضجة والعقلانية في إبراز صورة الإنسان في شكل ثقافي واضح متحرر من العقد والأزمات التي تحيط به من خلال العودة إلى الفطرة السليمة التي تحرره من الوحش الذي دخله من نافذة العولمة، وجعلته أسيراً لها ولإشكالياتها التعقيدية بحيث ضرب بعرض الجدار كل المكونات التي تشركه مع الآخر حضارياً وإنسانياً.

----------------------------------
1:جان بوديار، من الكوني إلى المفرد: عنف العالمية، مقال في كتاب القيم إلى أين: ص52
2:هالة الباجي، ثقافة اللاإنساني، مقال في كتاب القيم إلى أين: ص68و69

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0