تثير الأوضاع السياسية والاقتصادية في العراق العديد من التساؤلات حول الأسباب الفعلية التي أعاقت بناء الدولة، ومن الأسئلة الملحّة، أنه لم يخطر في بال النخب العراقية، ولا حتى عامة الناس، أن العراق سيبقى - بعد مرور خمسة عشر سنة من الانتقال إلى الديمقراطية- دولة ريعية تستمد وجودها وبقاءَها من مورد وحيد هو النفط، ولم يكن يتوقع العراقيون أن التغيير السياسي المرتجى يستعصي على التحقّق بعد زوال الأنساق الدكتاتورية في إدارة الدولة، ولا ريب أن هناك أسبابا كبيرة وعميقة تقف وراء هذا الاستعصاء في التغيير، وعدم القدرة على التخلص من العوامل التي قادت الدولة العراقية إلى الفشل والضمور!.

إن الإجابة عن التساؤل الأول الخاص بريعية الدولة، سوف يتم حصرها بدائرة الخلل في التفكير والتخطيط الاقتصادي، وتلقى اللائمة على خبراء الاقتصاد في العراق، فهؤلاء هم المعنيون بتطوير البنية الاقتصادية ونقل الدولة من الطابع الريعي الأحادي المورد إلى الطابع الاقتصادي المتنوع والمتعدد الموارد، وكل من يقرأ هذه الكلمات سيجد داعماً منطقيا لهاً، ولكن الأمر لا يمكن تفسيره وتحديد أسبابه بهذه الشاكلة، وحين الانتقال إلى الفشل السياسي في تغيير الدولة سوف تُلقى اللائمة على الطبقة السياسية كما تم إلقاءها على خبراء الاقتصاد.

فالسياسيون في العراق فشلوا حتى الآن في بناء نظام سياسي متطور ومستقر، قائم على التعددية واللامركزية وفي نقس الوقت قادر على حماية الحقوق والحريات، وحسب العقلية العراقية فإن التقصير وأسباب الفشل سوف تُلقى بشكل مباشر على الطبقة السياسية، من دون البحث عمّا وراء السطور، أو عن العوامل الخفية وغير المباشرة التي أدت إلى الفشل السياسي الراهن.

البنية الاجتماعية والقيم الدكتاتورية

إن الخبير الاقتصادي والمسؤول السياسي لم يأتِ من فراغ، إنه ابن (البنية) الاجتماعية في العراق وصناعة العادات والتقاليد والثقافة التي انبثقت في بيئة عراقية هي المسؤولة عن فشل ونجاح أي فرد (اقتصادي أو سياسي) أو غيرهما، لأن القيم والطباع والعادات الاجتماعية تحكم الجميع، وتترك بصمتها على العقول الكبيرة والأدنى، وتتحكم بالموهوبين والخاملين على حد سواء، لأن الإنسان ابن بيئته، والبنية الاجتماعية المبنية على قيم دكتاتورية لا يمكن أن تنتج سياسي ديمقراطي متنور، كما أنها سوف تعجز عن صناعة اقتصادي متفرد.

واليوم وبعد مرور 15 سنة على السياسي في العراق، لا يزال المجتمع مطبوع بالقيم التي أكل عليها الدهر وشرب، تلك القيم التي أنتجتها حقبة الأنظمة الدكتاتورية، وبكلمة دقيقة، إن المجتمع الذي لا يزال يفكر بعقلية الحقبة الدكتاتورية، ويدير شؤونه المختلفة ونشاطاته وفقا لتلك القيم لا يمكن أن يساعد أو يبعث على إنتاج سياسي معاصر واقتصادي متميز، ولأن الطبقية القيادية سواء في السياسة أو الاقتصاد تتمخض عن البنية الاجتماعية بعاداتها وثقافتها وقيمها، فإن فشل المجتمع وعدم قدرته على الانتقال من القيم القديمة إلى الجديدة سوف سينعكس بالنتيجة على القادة السياسيين والاقتصاديين.

بالطبع هذا التحليل الذي يقوم على المنطق في العلاقات السياسية/ الاقتصادية الاجتماعية/ وترابطها وتأثيرها في بعضها البعض، لا يهدف إلى تبرير فشل الساسة وخبراء الاقتصاد، ولا يعني أنهم خارج دائرة المسؤولية أو المساءلة، فمن يتصدى لمهمة ما طوعياً من دون أن يجبره أحد أو جهة على ذلك، عليه أن يتحمل كامل النتائج التي تمخّض عن اختياره، بيد أننا لسنا في معرض المقاضاة أو إلقاء اللوم على هذا الطرف أو ذاك، لكننا نبحث عن مخرج من أزمات الفشل المتلاحقة في إدارة الدولة العراقية.

المعنيون بالتغيير السياسي والاقتصادي؟

أي أننا نبغي من وراء هذه التحليلات والآراء أن نضع إصبعنا على الجرح العراقي كي تسهل مهمة مداواته، لذلك نطالب المجتمع (النخب والمنظمات وكل الجهات المعنية) أن ينحو صوب التغيير هو قبل سواه، لأنّ المجتمع العاجز عن ترك ونسيان القيم والعادات الدكتاتورية البالية وإبدالها بقيم وعقليات جديدة، لا يمكنه صناعة قادة ناجحين في السياسية والاقتصاد أو في أي مجال آخر، وكيف لمجتمع لا تزال نسبة من مكوناته وشرائحه الاجتماعية تفضّل النظام المركزي على التعددي، والحاكم الفرد على المؤسسات الدستورية، أن تبني نظاما سياسيا معاصرا.

وكيف لأناس لا يزالون يفكرون بعقلية الحقبة الدكتاتورية أن يتمكنوا من صناعة قادة سياسيين بارعين، وخبراء اقتصاد حاذقين، أو إنتاج نظام قادر على دمج الدولة بالركب العالمي المتقدم، ومن الظواهر التي تُعاب على البنية الاجتماعية في العراق، أنها – بنسبة معينة منها- لا تزال تشتهي العبودية، ويحلم بعضها بحكم الفرد، ولا تزال مغرمة بجلد الذات، وبعضهم يطالب بالعودة إلى الحكم الرئاسي، بحجة أو تحت تبرير حالة الانفلات الإداري وانتشار الفساد، لكن هذه الإخفاقات لا يمكن أن تسمح بإعادة الحكومات المركزية، أو نظام الحزب الواحد، أو الدعوة - علنا- للقبول بالأحادية، لأن مثل هذه الدعوات تكرس العبودية والخضوع للفرد الحاكم، وتعني تكريسا للأمراض الاجتماعية القامعة للحريات.

بالنتيجة ليس أمام العراقيين إذا ما أرادوا بناء الدولة التي تضاهي الدول المتقدمة، إلا طريق التغيير الاجتماعي، وفق قيم جديدة لا تماثل أو تشابه من بعيد أو قريب القيم الدكتاتورية البالية، وفي حال تم التغيير الناجع في البنية الاجتماعية، وهي من مهمات جهات عديدة لا يسع المجال لذكرها وتفصيلها، فإن ضمان البناء السياسي والاقتصادي سوف يكون مؤكَّدا، فالسعي في هذه المرحلة إلى تحسين البنية الاجتماعية وطمر القيم والعادات القديمة البالية، وإنعاش القيم الجديدة التي تتواءم مع الأجواء الديمقراطية، هي السبيل الأدق والأسرع لبناء دولة عراقية محصّنة من الزلل، ليس على الصعيد السياسي وحده.

فالانتقال من الدولة الريعية إلى دولة متعددة الموارد، هي ليست حكرا على خبراء الاقتصاد، ولا يمكن لهؤلاء أن ينهضوا بهذه المهمة الثقيلة وحدهم، ما لم يكن هناك استعداد لتحديث البنية الاجتماعية وتحويلها من قيمها وعاداتها وعقليتها القديمة، إلى القيم التي تستجيب وتتواءم مع ما ينسجم وروح العصر، والانتقال التام من عبودية الفرد الحاكم إلى منهج التعددية اللامركزية المضبوط بالمؤسسات الدستورية المستقلة القادرة على حماية الحريات والانقضاض على الفساد وأربابه في قوت واحد.

انقر لاضافة تعليق
د. عباس عبد الأمير
العراق
مقال في منتهي الأهمية.. والسؤال الموجَّه للجميع اليوم.. كيف نصحح بناء المجتمع حتى نخلص إلى سلامة الاقتصاد والسياسة والتعليم والصحة والحياة كلها؟؟2018-10-06

مواضيع ذات صلة

0