اعلنت اللجنة الانتخابية الروسية أنّ فلاديمير بوتين حصد قرابة 75 في المئة من الأصوات "بعد فرز نصف بطاقات الاقتراع"، ليفتح الرئيس الروسي بذلك صفحة ولايته الرئاسية الرابعة التي تنتهي بعد ستة أعوام.

سيمدد فوز بوتين سلطته السياسية على روسيا إلى نحو ربع قرن حتى عام 2024 وحينها سيكون في الحادية والسبعين من العمر ليصبح ثاني أطول زعماء الكرملين بقاء في الحكم بعد جوزيف ستالين. وتعهد بوتين بأن يعمل خلال فترته الرئاسية الجديدة على تعزيز دفاعات روسيا في مواجهة الغرب ورفع مستوى المعيشة.

وفي خطاب النصر الذي ألقاه قرب الميدان الأحمر قال بوتين لحشد كبير إنه يعتبر الفوز تصويتا بالثقة على ما حققه من انجازات في ظروف صعبة.

وقال بوتين "من المهم جدا أن نحافظ على هذه الوحدة. سنفكر في مستقبل وطننا العظيم" وبعدها ردد الجماهير خلفه هتاف "روسيا!". وأبلغ اجتماعا لأنصاره بعد ذلك أنه يتوقع أوقات صعبة لكن روسيا لديها فرصة لتحقيق "انفراجة". ولم يكن هناك شك في فوز بوتين الذي حظي بتأييد تلفزيون الدولة والحزب الحاكم وحصل أقرب منافسيه مرشح الحزب الشيوعي بافل جرودينين على نحو 13 في المئة من الأصوات وفقا للنتائج الجزئية بينما حصل مرشح الحزب الديمقراطي الحر فلاديمير جيرينوفسكي على نحو ستة في المئة.

قوة عظمى

وقدم بوتين نفسه مدافعاً عن روسيا المحاطة بأعداء وزعيماً أعاد بلاده إلى مكانها "قوة عظمى" في العالم. وتجاوزت نسبة التأييد الشعبي له الـ 80 في المئة ولم تنخفض مذ ذاك.

وشنت الصحافة الغربية هجوما كبيرا على بوتين محاولة التقليل من منجزاته والتاكيد بانه حاكم ديكتاتوري اذ تقول مجلة "إيكونوميست" ان وقبيل الانتخابات، لم يشارك بوتين حتى في مناظرات تلفزيونية، وهو بالكاد أطلق حملات انتخابية، وحتى أنه لم يعلن ترشحه رسمياً.

وأضافت أن أساس النظام الذي بناه يقوم على فكرة أن لا بدائل من حكمه. وقال نائب رئيس فريق موظفيه:"دون بوتين، لا توجد روسيا".

ولاحظ علماء اجتماع أن نسبة التأييد له، لا تعكس إقراراً بسياساته بقدر ما تعكس التأكيد على حضور بوتين. وقد تم إما استبعاد شخصيات من المعارضة ذات صدقية، مثل الناشط في مكافحة الفساد أليكسي نافالني، وإما تم التخلص منهم مثل بوريس نيمتسوف نائب رئيس الوزراء السابق، الذي قتل قرب الكرملين قبل ثلاثة أعوام. كما تقول ايكونومست.

وتواصل المجلة البريطانية هجومها على بوتين بالقول: "للحفاظ على نوع من الشرعية، سمح الكرملين لمجموعة من الأشخاص بالترشح ممن لا أمل لهم بالفوز. وبين هؤلاء فلاديمير جيرينوفسكي، القومي المعروف بمواقفه الإنفعالية، فضلاً عن بافيل غرودنين ذي النزعة الستالينية الذي يتزعم الحزب الشيوعي، والصحافية كسنيا سوتشاك التي تحاول ارتداء عباءة المعارضة الليبرالية".

رمز عودة روسيا للساحة الدولية

وبعد اكثر من 18 عاما في الحكم، اصبح فلاديمير بوتين رمزا لعودة روسيا بقوة الى الساحة الدولية مقابل توتر غير مسبوق افتعلته الدول الغربية. وصل هذا الضابط السابق في جهاز الاستخبارات السوفياتي (كي جي بي) الى الرئاسة في العام 2000 في بلد لا سلطة مستقرة فيه واقتصاده منهار. ويرى فيه كثيرون رجل الاستقرار والرخاء الجديد بفضل العائدات النفطية الوفيرة، بينما ينتقده معارضوه مشيرين الى تراجع واضح في حقوق الانسان والحريات.

على الساحة الدولية، عمل الرجل الذي وصف تفكك الاتحاد السوفياتي بأنه "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين"، على اعادة نفوذ روسيا في العالم بعدما تدهور مع سقوط الاتحاد السوفياتي وسنوات الفوضى في عهد بوريس يلتسين.

ولتحقيق ذلك، يتبع الرئيس الذي يمارس رياضة الجودو، اسلوبا يعتمد على كفاح دؤوب وثابت بحثا عن مؤشرات ضعف لدى خصمه، كما قال بنفسه في 2013 ردا على مواطن روسي طلب منه بذل كل ما بوسعه من أجل "اللحاق" بالولايات المتحدة و"تخطيها"، في شعار قديم من الحقبة السوفياتية.

هذا الاسلوب طبقه بنجاح في سوريا حيث ادى التدخل العسكري الروسي منذ 2015 لدعم نظام دمشق الى تغيير مسار الحرب وسمح للرئيس بشار الاسد بالبقاء في السلطة، مثيرا غضب الغربيين الذين تخطتهم الأحداث الى حد ما.

وفي السنة السابقة، قدم بوتين نفسه على أنه الزعيم الذي سيرمم "روسيا العظمى" بضمه شبه جزيرة القرم الأوكرانية بعد تدخل القوات الروسية. وقد نظم فيها استفتاء نددت به الأسرة الدولية وكييف، معتبرة أنه غير شرعي.

أجواء الحرب الباردة مع الغرب

هذه العملية عززت نفوذه ومكانته في الداخل، لكنها أثارت أسوأ أزمة منذ نهاية الحرب الباردة بين روسيا والغرب الذي يتهم موسكو أيضا بتقديم دعم عسكري لحركة التمرد الانفصالي في شرق أوكرانيا، وهو ما ينفيه الكرملين.

والى جانب التوتر المرتبط بسوريا واوكرانيا، اضيفت منذ انتخاب الرئيس الاميركي دونالد ترامب اتهامات بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الاميركية، ومؤخرا جاءت ازمة غير مسبوقة مع لندن بعد تسميم عميل مزدوج روسي سابق وابنته في انكلترا.

وسعى الرئيس الروسي المولع بالرياضة، لفرض بلاده التي تستضيف هذه السنة نهائيات كأس العالم لكرة القدم، كقوة رياضية. وكانت روسيا نظمت في 2014 دورة الألعاب الأولمبية الأكثر كلفة في التاريخ في منتجع سوتشي الساحلي. غير أن أحلام الكرملين في هذا المجال تصطدم باتهامات موجهة إليه بالاستخدام الممنهج للمنشطات منذ صدور تقرير ماكلارن بهذا الصدد عام 2016.

انفعال اوربي

واتهم مانفريد فيبر زعيم الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الأوروبي في البرلمان الأوروبي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشن "حرب حديثة" ضد الغرب. وقال فيبر، وهو سياسي ألماني ينتمي للحزب المسيحي الاجتماعي بولاية بافاريا، الاثنين للبوابة الإلكترونية "بيلد .دي إيه" الخاصة بصحيفة "بيلد" الألمانية إنه يتعين على الاتحاد الأوروبي إصدار رد واحد على ذلك.

وأضاف أنه يتوقع أن ترسل القمة الأوروبية المنتظرة يوم الخميس القادم "إشارة مشتركة واضحة بأنه لا يتم قبول نهج روسيا"، مؤكدا ضرورة عدم استبعاد فرض عقوبات جديدة خلال ذلك.

وتابع قائلا: "تم تجاوز الحد. يتعين علينا نحن الأوروبيون اليقظة (…) علينا الدفاع عن أنفسنا الآن". واتهم فيبر الرئيس الروسي"بزعزعة سيادة دول أخرى من خلال إجراءات واسعة النطاق"، لافتا إلى أن هناك "أدلة واضحة" على أن هناك أوجه تدخل في سياسة دول أخرى "في الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي الانتخابات الأمريكية، وفي محاولة زعزعة الاستقرار في البلطيق والبلقان".

وأضاف أن روسيا تقوم أيضا بحرب في شرقي أوكرانيا وسورية من أجل تحقيق أهداف سياسية، وقال: "فضلا عن ذلك هناك أيضا مواقع صواريخ في القرم، وفي كالينينجراد".

ولكن فيبر دعا بشكل أساسي لإبقاء جميع قنوات الحوار مفتوحة، وقال: "يتعين علينا مواصلة عرض اليد الممدودة. ولكن لن ينجح ذلك إلا انطلاق من موقف قوة".

حلفاء الغرب في احضان بوتين

كتب الباحث في مجلس العلاقات الخارجية "ستيفن كوك" مقالا في مجلة "فورين بوليسي" حول التنافس الأمريكي الروسي في المنطقة الشرق الأوسط، وعزا في مقاله النفوذ الذي اكتسبته موسكو في المنطقة إلى فقدان ثقة حلفاء الولايات المتحدة في قدرتها على حمايتهم ما يدفعهم للبحث عن أصدقاء جدد.

ودعا الكاتب الولايات المتحدة إلى زيادة التزامها تجاه حلفائها حتى لو تطلب ذلك التغاضي عن جرائمهم مثل تعزيز دعمها العسكري لنظام "عبدالفتاح السيسي" في مصر، كما دعا واشنطن لتفهم مخاوف تركيا من الأكراد المتحالفين مع حزب العمال الكردستاني.

وطرح الكاتب فكرته بالقول: "عندما تدخلت روسيا في سوريا في سبتمبر/أيلول عام 2015، كانت مفاجأة للجميع تقريبا، وامتنعت موسكو عن استعراض القوة خارج حدودها أو حدود البلدان القريبة منها لمدة 25 عاما تقريبا، لكن جاء قرار الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" بإنقاذ الرئيس السوري "بشار الأسد" ليغير كل ذلك".

ومنذ ذلك الحين، ظهر مفهومان مختلفان اختلافا جذريا عن القوة الروسية، وأصبح العديد من المحللين يفهمون التظاهر الروسي بالسلطة والنفوذ في الشرق الأوسط كمؤشر على أن التنافس العالمي بين واشنطن وموسكو في الماضي هو نفسه في الحاضر والمستقبل.

ومع ذلك، لا تزال هناك مجموعة صغيرة من المعارضين للنظام الروسي، منهم أخصائيون روس، ومسؤولون أمريكيون سابقون، وصحفيون، ضد هذا الرأي، وهم يعتقدون أن الروس في الواقع ضعفاء جدا، ويعانون ماليا، وأنهم تورطوا في المستنقع السوري.

وقد تكون هذه الادعاءات غير منطقية، كونها غير دقيقة، فالروس لديهم استراتيجية وقوة للبقاء؛ والسؤال هو ماذا تفعل الولايات المتحدة حيال ذلك؟

قوة البقاء

بعد أن أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للبترول في العالم، من المحتمل أن يكون هناك المزيد من التعاون بين الروس ودول الخليج العربية في محاولة لضمان استقرار أسعار النفط العالمية فيما يخدم مصالحهم.

وحتى الإسرائيليين سلكوا طريقا إلى موسكو على مدى الأعوام القليلة الماضية، على أمل إقناع "بوتين" بالاعتناء بمصالحهم في سوريا.

ويعد هذا سجلا قويا من الإنجاز في المنطقة، وفي غضون أقل من عقد من الزمان، انتقل الشرق الأوسط من منطقة كانت فيها الولايات المتحدة مهيمنة بشكل كبير، إلى منطقة تتنافس فيها واشنطن وموسكو.

وفي سوريا، أظهر الروس الإرادة السياسية وقوة البقاء، وهذا الأمر أكثر أهمية من حجم اقتصاد روسيا مثلا، الذي تم استخدامه كمؤشر على ضعف موسكو، ويولد الاعتقاد في ضعف موسكو والتقليل من مخاطرها رضا واسترخاء، وواشنطن بحاجة إلى العكس تماما.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0