هائلٌ هو الاستنفار الوجودي الذي يسبق ليلة الخامس عشر من رمضان الخير والعبادة والعطاء… حيث الإستعداد الكوني لاستقبال ذلك الطفل السماوي المبارك والمحاط بالهالات القدسية ، والذي سينمو ويكبر على أنفاسِ جده العظيم ويتنقل كفراشة فردوسية بين الأنوار الطاهرة المطهرة ناهلاً منها صفات من اختارهم الله خلفاء في الأرض وشفعاء في السماء وبهم يفرق الحق من الباطل.

مبرر -بطبيعة الحال- هذا الاستنفار، فالقادم هو الحسن بن علي بن أبي طالب، هذا الذي سيستحوذ على محبة المُخْلَصين من العباد الذين سيقدمون نبضهم الأبيض قربان ولاء ومحبة ليس فيها زبدٌ يذهب جفاء حيث انهم مؤمنون وموقنون بأنَّ حبه وحب أبيه وأمه وأخيه وذرية أخيه هو الماكث الخالد الذي ستنتمي له - بالفطرة السليمة - هواجسهم وقصائدهم وأمانيّهم.

ولاشك أن من يحمل هذه الصفات العظيمة لابد أن تبغضه عصبةٌ ملعونة تحاول أن تحرف الحق عن مساره ووجهته، وليس بخاف على المتتبعين لشؤون التأريخ الإسلامي والمدونات التي أرخت للأحداث وترجمت لسير الرموز الإسلامية العظيمة أن الكثير من حالات الدس والتزييف للحقائق مورست على نطاق واسع بإشراف السلطات السياسية الجائرة من أجل طمسها وحجبها؛ لغايات تتعلق بإبعاد الحق عن أهله الشرعيين والحفاظ على مكاسب سلطوية وإبقاء جوهر الفكر المحمدي بحالة من التعتيم الممنهج.

ولعل إمامنا الحسن المجتبى صلوات الله عليه من أكثر هذه الرموز التي تعرضت للتشويه والطعن بسيرته العطرة المباركة عبر عمليات التدليس وتشويه مواقفه الأصيلة والكبيرة والتي كانت امتداداً للخط العام الذي رسمه جده رسول الله وأبوه أمير المؤمنين صلوات الله عليهما، إلا ان الإرادات الشريرة أبت الا أن تمارس التضليل والإنتقاص من قيمة هذه الشخصية الفذة الجليلة القدر والشرف، وأنّى لهم إطفاء هذا الوهج المقدس وهو بإجماع المسلمين سيد شباب أهل الجنة.

لمحات مضيئة

زخرت المراحل الحياتية التي عاشها الإمام الحسن عليه السلام بالكثير من اللمحات المضيئة تركت آثارها وبصماتها واضحة جلية على صفحات التأريخ الناصع، لمحات تلقفتها الأجيال بفخر واعتزاز بهذا الإرث المحمدي الذي مثل على الدوام مدرسة أخلاقية متكاملة تركزت اهتماماتها في المحافظة على المناخ العقائدي القائم على ضرورة إبقاء القيادة الإسلامية قيادة إلهية ؛ لضمان عدم انحراف الخط الإسلامي عن مساره الصحيح والمحدد.

وكانت الفترة التي عاشها عاصر فيها الإمام الحسن (ع) حياة جده المصطفى (ص) كفيلة بصقل شخصيته حتى صارت انموذجاً مصغراً من شخصية الرسول الذي قال لولده الحسن: "أشبهت خَلقي وخُلقي"1.

وكانت صفة السخاء والكرم ملازمة لهذا الإمام العظيم فهو باذل الخير والإحسان من أجل الخير والإحسان حتى لُقِّب بكريم أهل البيت عليهم السلام، وقد زخرت الكثير من الروايات والأحاديث بكثير من الأحداث التي دلت على خصلة الكرم عند إمامنا المجتبى عليه السلام.

الإمامة

ولأن أمر الإمامة قائم على أركان أساسية يقف العلم في بداياتها ، فقد سار الإمام الحسن (ع) على نهج أبيه في إثبات الصفة العلمية لأئمة أهل البيت عليهم صلوات الله، كما أن أمير المؤمنين (ع) حاول لفت نظر الأمة إلى صفة العلم التي يتمتع بها ولداه حتى مع صغرهما، ولعل رواية عبادة بن الصامت أبلغ دليل على هذا المسعى حيث روى : إن أعرابياً سأل أبا بكر فقل : إني أصبت بيضَ نعام فشويته وأكلته وأنا محرم فمايجب عليّ؟ فقال له: ياأعرابي، أشكلت عليّ في قضيّتك فدلّه على عمر، ودلّه عمر على عبد الرحمن بن عوف، فلما عجزوا قالوا: عليك بالأصلع، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: سل أيَّ الغلامين شئت، فقال الإمام الحسن عليه السلام: يا أعرابي، ألك إبل؟ قال: نعم، قال: فاعمد إلى ما أكلت من البيض نوقاً فاضربهن بالفحول ، فما فصل منها فاهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت إليه، فقال أمير المؤمنين: إن من النوق السلوب ومنها ما يزلق فقال الحسن: إن يكن من النوق السلوب وما يزلق فإنَّ من البيض ما يمرق، فقال: فسمع صوت :" أيها الناس ، إنَّ الذي فَهَّمَ هذا الغلام هو الذي فَهَّمها سليمان بن داوود "2.

أكذوبة الهوى العثماني

ولعل أكثر ادعاءات التحريف تلك الروايات البائسة والمختلقة التي أشارت إلى أن الإمام الحسن كان عثمانيَّ الهوى وانه كان موافقاً لسياسات عثمان، والغايات التي تقف خلف هذه الإدعاءات الساذجة والمضحكة واضحة والقصد منها دق اسفين الفرقة واحداث الشك في نفوس المؤمنين ..حيث جاء في أنساب الأشراف للبلاذري إن أحد الرواة روى: إنَّ علياً مر بابنه الحسن وهو يتوضّأ فقال له: أسبغ الوضوء يا حسن فأجابه الحسن: لقد قتلتم بالأمس رجلاً كان يسبغ الوضوء، وفي نص آخر للبلاذري انه قال: لقد قتلت بالأمس رجلاً يسبغ الوضوء.

لقد وقع هؤلاء الأغبياء في تناقض صريح وفاضح عند وضعهم هذه الرواية، فأينهم من قولهم أن علياً كان من أشد الحريصين على حياة عثمان وأنه أرسل ولديه للدفاع عنه ، فكيف إذن يخاطبه الحسن - حسب زعمهم - بأنه قاتل عثمان؟.

وكيف لعاقل أن يصدق بهذه الأكاذيب والإفتراءات المكشوفة والكثير من النصوص تدل على أن الإمام الحسن عليه السلام كان يؤكد على ضرورة الطاعة لأولياء الأمر المنصوص على عصمتهم ومنها قوله:

"إنَّ أبا بكر وعمر عمدا إلى هذا الأمر وهو لنا كله فأخذاه دوننا ، وجعلا لنا فيه سهماً كسهم الجدة ، أما والله لتهمنهما أنفسهما يوم يطلب الناس فيه شفاعتنا "3.

وكيف لذي لب أن يصدق بعثمانية الحسن وهو الذي قاتل مع أبيه في صفين والجمل ضد الجماعة التي تدعي بأنها خرجت لمحاربة علي ثأراً لعثمان ؟ أليس الأولى به إن كان عثمانياً أن يقف مع الجماعة المطالبة بثأره؟ لعل بيت أبي فراس الحمداني لهو أبلغ الرد على افتراءات هؤلاء الباطلة إذ يقول:

وَرُبَّ كلامٍ مَرَّ فَوْقَ مسامعي

كما طَنَّ في لَوْحِ الهجيرِ ذُبابُ

المعاهدة مع معاوية حقائق وأبعاد

ولعل حادثة المعاهدة مع معاوية أو ما يُصطلح عليه في المدونات التأريخية بـ ( الصلح ) من أهم الحوادث التي مرت على الإمام الحسن وأشدها حساسية؛ وذلك بسبب التعامل الظاهري القشري لأكثر الذين حللوا أبعاد هذه الخطوة دون أن يجهدوا أنفسهم في الخوض عميقاً بأبعادها وما أنتجته فيما بعد من فضح لنهج الأمويين في غدرهم ونكثهم للوعود.

من الواضح أن الإمام استنفد كل الجهود والخيارات من أجل إقناع المنافقين المحيطين ومنهم قادة جيشه الذين خانوا إمامهم، كما أنه -سلام الله عليه - حذّر أصحابه المخدوعين بالزيف الأموي من مخطط معاوية حيث خطب فيهم محذراً لكنّ القلوبَ والأبصارَ أُصيبت بالعمى، تماماً كما أُصيبت حين علّق ابن العاص المصاحف على رؤوسِ الرماح حيث وقف القوم عند خيمة أبيه مرددين: (لاحكمَ إلاّ لله).

ومع ذلك، عندما يُتأمّل بشكل فاحص في فقرات هذه المعاهدة لايجد امتيازاً منحه المعصوم عليه السلام لمعاوية، بل ولم يعترفْ به خليفةً شرعياً للمسلمين؛ لذلك نجد الكثير من النصوص والمدونات التأريخية عزفت عن ذكر الحقائق التي تضمنتها هذه المعاهدة.

يذكر سليم بن قيس الهلالي إنَّ معاوية عندما جاء إلى الكوفة ، صعد الإمام الحسن المنبر، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال : " أيها الناس ، إنَّ معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلاً، ولم أرَ نفسي لها أهلاً ، وكذب معاوية ، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبي الله، فأقسم بالله لو أنَّ الناسَ بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماءُ قطرها والأرض بركتها، ولما طمعت فيها يا معاوية ".

والملاحظ في هذا المقطع من حديث الإمام عليه السلام أنه وجه الخطاب مباشرة إلى معاوية بقوله (ولما طمعت فيها يا معاوية)؛ ليبين للناس أن معاوية لاهم له سوى المنصب والجاه وإن كان على حساب الدين والرسالة المحمدية، كل هذا أمام الأمة التي خذلت إمامها المنصوص على إمامته بنص الكتاب وحديث الرسول (ص)، والتي تبين لها فيما بعد صدق ما نبّه إليه وحذر منه.

ومع كل ذلك نقول : إنَّ خطوة المعاهدة كانت بمثابة مفتاح الثورة على الطغيان الأموي بعد أن كشف معاوية عن وجهه الحقيقي بنقضه كل العهود وتمزيق وثيقة المعاهدة قائلاً : ( أضعها تحت قدمي ) ، حيث جعل الخلافة من بعده لولده الفاجر يزيد ، فكانت شرارة لقيام ثورة الإمام الحسين عليه السلام الخالدة والتي كشفت الوجه الأموي القبيح بعد إزالتها قناع الزيف والإنحراف.

..........................
1/ سيرة الأئمة الإثني عشر للحسني ج1ص513
2/ المناقب لابن شهر آشوب ج4ص10
3/ أمالي المفيد :49

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3