عن اي شيء يتحدث الفكر الاخلاقي؟ ماذا يمكن ان تقدم له الفلسفة؟ برنارد وليم يتناول هذه الاسئلة بطريقة راديكالية جديدة، مدّعيا ان العالم الحديث خلق حاجات متزايدة غير مسبوقة للفكر الاخلاقي، حاجات لا يمكن للفلسفة بمواردها الحالية مواجهتها.

الكاتب يوضح النظريات التي تعرضها الفلسفة الاخلاقية، يسأل ما هدف هذه النظريات، ويرى انها تعاني من التصور الاخلاقي للعقلانية، والذي هو مجرد انعكاس للعالم الحديث، بدلا من ان يكون شيء ما يمكن ان يساعدنا لنعيش في هذا العالم. المؤلف يعيد بصرامة ترتيب العديد من القضايا الجوهرية في الاخلاق، مثل النسبية، الموضوعية، وامكانية المعرفة الاخلاقية. هو يرى اننا لكي نواجه الحداثة، سنحتاج الى بعض الافكار القديمة كأفكار الاغريق ذات العلاقة بالحرية والعدالة الاجتماعية الحديثة، واننا يجب ان نرفض ذلك النوع من الفكر الاخلاقي الذي يتمحور حول فكرة الالتزام لأنه لم يعد نافعا.

النظرية الحديثة تفترض تصورا للأخلاق يعتبرهُ وليم نوعا خاصا للفكر الاخلاقي. احدى اهم الاخطاء التي انطوى عليها ذلك التصور هو الافتراض بان جميع انواع الاعتبارات الاخلاقية تُختزل الى التزام اساسي واحد تُشتق منه كل الالتزامات الاخرى، الامر الذي يتطلب من البشرية الذهاب الى ما وراء الولاءات المحلية. مقابل هذا الافتراض، يرى وليم، ان الالتزام لا يضع اصنافا فرعية للاعتبارات الاخلاقية التي تحدد سمات الافعال من حيث القبول او الرفض. ذلك ان الفعل الجبان او الجاحد او البغيض يشكل سببا لرفض القيام به، ومثل هذا السب لا يحتاج للركون الى الالتزام. ان وجود سبب هام، مثلا، يأخذ اسبقية على موعد زيارة صديق.

الكتاب جاء في عشرة فصول بالاضافة الى تعليق على النص وملاحظات وفهرست. الفصول هي:

1- سؤال سقراط

2- رؤية ارخميدية

3- الاسس: الخير

4- الاسس: العقل العملي

5- اساليب النظرية الاخلاقية

6- النظرية والحكم المسبق

7- الفلسفة من منظور علاقتها باللغة

8- المعرفة، العلوم، الالتقاء

9- النسبية والتفكير

10- الاخلاق، المؤسسة الغريبة

اذا كانت الحياة المختبرة هي وحدها التي تستحق ان تُعاش لدى سقراط، فان فعالية الاختبار الفكري لحياة الفرد يجب ان تكون مظهرا غير منفصل عن ممارسة تلك الحياة بطريقة اخلاقية عالية. وبما ان الفلسفة بدت لسقراط الميدان الفكري الوحيد بامتياز، فان الفكرة السائدة كانت هي ان الفلسفة يجب ان تصبح وسيلة لسلوك الحياة – ليست حقلا خاصا يُمارسه الخبراء، وانما شيء ما يجب كل واحد منا التمكن منه بحيث نجد به وجودا مستعاد اخلاقيا.

الفلسفة، وبالذات ذلك الفرع الذي يمكن تطبيقه على هذه الغايات الحميدة، اي التحقيق الاخلاقي، كانت دائما مخيبة لتلك الآمال القديمة. انها كانت قادرة على تطبيق ذاتها على الحياة ولكن فقط على حساب تشويه مفهومنا عن الحياة ذاتها عبر اختزالها الى بعد واحد.

كانط، مثلا، بعد ان افترض بشكل واضح ان الكائنات الرشيدة هي وحدها قادرة على التصرف الاخلاقي، انتقل الى تطوير اخلاق تتناسب مع الكائنات الرشيدة فحسب، كما لو ان جوهر الحياة الجيدة مقتصر على التفكير وحده. لكن افتراض كانط لم يكن الاّ حالة متطرفة لتجريد بعيد الاحتمال في الميدان الذي علّق عليه سقراط آمالا مفعمة ومباشرة. وان السؤال الذي لا يمكن تجنبه هو هل ان هذه الآمال هي غير ملائمة، وان مهمة الفلسفة تكمن في مكان آخر، ام ان الفلسفة ضُربت في الصميم بفشلها في تلبية تلك الآمال.

كتاب برنارد وليم، هو مناقشة نقدية قاسية للنظرية الاخلاقية من منظور سقراطي، ويبدو كان منقسما بين هاتين الرؤيتين. فمن جهة، هو يسعى لإثارة السؤال "الى اي مدى تستطيع اية فلسفة مساعدتنا في اعادة بناء حياة اخلاقية". "كيف يمكن لذلك الموضوع – شيء ما يُدرّس في الجامعة - ان يوفر ما يراه المرء جوابا للأسئلة الاساسية في الحياة؟ ومن جهة اخرى، هو لا يعتقد ان الاشياء في الفلسفة الاخلاقية الحالية، "هي كما ينبغي ان تكون" وجزء من شكواه هو انها فعلا تبدو منفصلة داخليا عن اي اهتمام بممارسة الحياة بكامل زخمها الانساني الصلب.

ان هيكل الكتاب عبارة عن سلسلة من انتقادات ذكية للنزعات المهيمنة على النظرية النقدية الحديثة والمعاصرة، مع التأكيد المتكرر بان اي منها لم يأخذ على محمل الجد سؤال سقراط عن كيفية ممارسة الحياة. "انه من العيب ان يُفرض على الحياة الاخلاقية نموذجا مبسطا للغاية". سؤال سقراط، بالمقابل، "لايزال يضغط في استدعاء التفكير بحياة المرء ككل، في كل مظهر وعلى طول الطريق". يعود وليم مرة بعد اخرى وبإصرار تأملي، لفكرة ان "المغامرة الجادة هي وحدها جديرة بالحياة". واذا كان من الواضح اننا نستطيع التفكير بمشاكلنا الاخلاقية فان، "الفلسفة لا تستطيع فعل الكثير في تقرير كيف يجب ان نقوم بهذا". من الواضح ان طموحه كان قابلا للمناورة: هو وجد في التمدد نحو النظرية الاخلاقية القديمة حلا في ايجاد فلسفة اخلاقية معاصرة في مواجهة واقع الحياة الحديثة.

وبلا شك، كانت نسبة النقد المدمر للفضائل الاخلاقية الايجابية كبيرة. هذا ليس بسبب ان الانتقاد أسهل من الخلق. بل، ان مستوى البراعة النقدية كان قويا جدا لدرجة لم يعد بإمكان وليم ولضرورات الانسجام ان يكون اقل تشددا باي شيء يرغب اقتراحه. التوصيات الايجابية طبقا لذلك تجسدت فقط في خمس صفحات لا غير كمعلومات اضافية. هنا هو يعبّر عن ايمان متفائل بثلاثة اشياء:

في الحقيقة والمصداقية وفي معنى الحياة الفردية. هذه الاقطاب الفكرية لنظام غير مكتوب للأخلاق ترسم معنى محددا للنقاشات النقدية الموسعة التي تبنّاها الكاتب بشكل رئيسي. الايمان في الحقيقة، مثلا، يرتبط برفضه التقليدية المفرطة والنسبية بشأن العلم. الايمان بالمصداقية يعتمد على ثقة تامة بقدرتنا على التفكير وبنوع من الموضوعية المرنة في قبول النقد الاخلاقي. الايمان بمعنى حرية الفرد يقف في تعارض دراماتيكي مع الاختزالية الراديكالية التي لا تستطيع الفلسفة الاخلاقية مقاومتها، والتي عادة تفرضها الانظمة السياسية الطوباوية بوحشية مفرطة.

انه يهاجم ادّعاءات الطريقة الاصولية والعقلانية في الفلسفة العقلانية، الطريقة التي لم تكن مرتبطة خصيصا بكانط. وعموما، يعرض البروفيسور وليم غرضه كنزعة مهيمنة كليا في فلسفة التنوير وما بعد التنوير. في الفصول الثلاثة الاولى هو يقارن عمله مع بعض عناصر الفكر الاخلاقي الكلاسيكي، الذي يراه أقرب لتوفير وصفا جذابا، حتى وان كانت محاولته فاشلة في بناء الاخلاق كليا على اعتبارات تتعلق بطبيعة الانسان. ومع ان بعض بقايا الحطام الكلاسيكي ربما يمكن انقاذها، لكن وليم ليس لديه شك بان الفلسفة يمكنها تهيئة مرشد اخلاقي فقط عن طريق الصدفة: هو يختتم كتابه بالتأكيد على الفردية الاخلاقية الهامة، اي الايمان في "الامكانية الدائمة لحياة فردية هادفة لا ترفض المجتمع... الفلسفة يمكن ان تساعد بجعل المجتمع مكانا يعيش فيه معظم الناس حياتهم، حتى وان كانت الفلسفة لا تزال بحاجة لتتعلم كيفية انجاز ذلك بأحسن طريقة ممكنة. بعض الناس ربما يحصلون على مساعدة من الفلسفة بممارسة حياة كهذه – ولكن ليس، كما افترض سقراط، كل فرد مفكر.

الكتاب ذاته يبدأ بما يعنيه سقراط في سؤاله، اما الطريقة التي صيغ بها السؤال فهي تتضمن، اولا، انه لم يُوجّه لأي فرد معين، "لأن شيء ما مفيد وملائم يمكن قوله بشكل عام لأي شخص". ثانيا، انه ليس حول ماذا يجب ان يعمل المرء الآن او في المستقبل. انه حول اسلوب الحياة... دعوة للتفكير بحياة المرء ككل، حتى لو لم نضع وزنا كبيرا كما فعل الاغريق للكيفية التي يجب ان تنتهي بها. انه سؤال بلا زمن، طالما انه يدعوني للتفكير بحياتي ليس من نقطة محددة.

ثالثا، هو لم يكن متحمسا لموقف، وهو كان بنّاءاً جدا، حول انواع الاعتبارات التي يجب تطبيقها على السؤال. "هناك نقاش مطول عن مختلف انواع الاعتبارات، مجادلا بانه ليس كل الاجوبة لسؤال سقراط تحتاج لتكون اجوبة مبنية على اساس اخلاقي، ومقاوما نزعة العديد من المنظرّين في اختزال جميع الاعتبارات الاخلاقية، مهما كانت، الى نوع مشترك واحد. بالنسبة لوليم، تتميز الاعتبارات الاخلاقية بكونها تربطنا نحن وافعالنا بحاجات وادّعاءات ورغبات الناس الاخرين وكل ما يتصل بحياتهم. النقاش ذو قيمة عالية، ووقوفه ضد الاختزالية يعتبر امرا جذابا، لكن مهمة دحض الاختزاليين لم تكن بالمهمة السهلة حتى وان بدت كذلك.

....................................
المصادر:
1- London Review of books, 5 September 1985
2- Los Angeles Times, Dec 29, 1985
الهوامش
برنارد وليم Bernard Williams) 1929- 2003) اشهر فيلسوف بريطاني اخلاقي في زمنه. عمل كأستاذ في جامعة كامبردج وجامعة اكسفورد واصبح معروف عالميا في محاولته اعادة توجيه الفلسفة الاخلاقية نحو دراسة التاريخ والثقافة والسياسة وعلم النفس، والى الاغريق بشكل خاص. هو وصف نفسه كفيلسوف تحليلي بروح انسانية، رفض العلموية scientism والاختزالية العلمية او التطورية معرباً عن كراهته لذلك النوع من الناس الاختزاليين الذين لا يمكن تصورهم اخلاقيا. هو يرى ان التعقيدية لا يمكن اختزالها، فهي جميلة وهادفة. من مؤلفاته: كتاب مشاكل الذات عام 1973، وكتاب الحظ الاخلاقي 1981، وكتاب الصدق والمصداقية عام 2002.اما الكتاب الحالي ( الاخلاق وحدود الفلسفة) صدر عام 1986 عن مطبوعات جامعة هارفرد ثم عام 2006 عن دار روتلج في 272 صفحة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0