شهدت المعرفة الجغرافية لاسيما التطبيقية منها تطوراً ملحوظاً في مجالات مختلفة، مع بزوغ تقنية نظم المعلومات الجغرافية (GIS) على الساحة الجغرافية بشكل خاص، وإمكاناتها العالية في التحليل المكاني (Spatial Analysis) دعا كثير من الباحثين إلى الولوج بعمق أكثر إلى هذه التقنية والغوص في مفاصلها، ومن هنا جاءت الأهمية في توظيف هذه التقنية بتحليل كفاءة التوزيع المكاني للخدمات في المدن، وذلك من خلال استخدام حقل التوزيعات المكانية (Measuring Geographic Distribution ) في حزمة برنامج (Arcgis).

تعكس أهمية الخدمات لأي مُجتمع مدى التطور الاقتصادي والاجتماعي للبلد، باعتبارها من المستلزمات الأساسية للسكان، وقد حظيّ هذا الجانب بمكانة كبيرة في كثير من الدول، كون تطور الخدمات (الصحية، والتعليمية، والترفيهية، وغيرها) دليلاً لقدرة البلد على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولكي يؤدي المجتمع وظائفه بكفاءة عالية.

ويتطلب هذا الأمر توزيعاً مكانياً عادلاً لها بشكل يتلاءم وكثافة السكان في قطاعات المدينة، وتأتي اهمية دراسة تلك الخدمات لارتباطها بحياة السكان بفعل ما تقدمه من تماس مباشر مع حاجات السكان. وتشكل تلك الخدمات الحضرية ضرورة ينبغي توافرها للمجتمع، كونها من الخدمات الاساسية لتقدم وتطور المجتمعات، مما استوجب دراستها ضمن موضوعات الجغرافيا على مستوى الاقليم او الدولة او المحافظة او حتى داخل المدينة على مستوى الاحياء السكنية.

وما ان دخلت الجغرافيا المعلوماتية في سياقات البحث العلمي حتى اكتسب تخطيط الخدمات الحضرية اهمية كبيرة في البحث الجغرافي نتيجة لما توصلت اليه من نتائج دقيقة وتحليلات مكانية واحصائية عن مشكلات توزيعها المكاني وكفاءتها الوظيفية، وكان لتقنية نظم المعلومات الجغرافية (GIS) اهم الوسائل الفعالة التي ساعدت الباحثين في معالجة المشكلات التي تواجه المجتمع.

ُيقصد بكفاءة التوزيع المكاني (للخدمات) ان تكون عملية الوصول إليها تمتاز بالسهولة أي بأقل جهد وزمن وكلفة وهذا يتم من خلال استخدام المعايير الخاصة بتوقيع كل خدمة - حيث ان معايير سهولة الوصول تختلف من خدمة إلى أخرى - قبل ان تبدأ الجهات المختصة بعملية توزيع وبناء المؤسسات التابعة لها، وهذه المعايير تدور حول ثلاثة أمور مهمة وهي (المسافة، الزمن، الأمان " نوع الشوارع التي يتم عبورها")، ويمكن ان نطلق على هذه الأمور (سهولة الوصول) والتي تعد المؤشر الرئيسي المستخدم في عملية تحديد مواقع مختلف الخدمات.

ومن خلال استخدام خريطة الأحياء السكنية لمدينة ما على سبيل المثال موزعة عليها (خدمات تعليمية) ثم تحدد مناطق الاستفادة (التأثير) بتقدير مسافة السير مشياً بشكل معتدل وعليه فإن المناطق التي تقع خارج المناطق المستفيدة فسينظر اليها على إنها تعاني من قلة توفر تلك الخدمات او ما يسمى نطاق الخدمة. اذ ممكن وضع أسئلة تتعلق بطول المسافة التي يقطعها مستخدم الخدمة من المنزل إلى المكان مشياً وكذلك الزمن المستغرق للوصول ونوعية الشوارع التي يعبرها وهذا الشيء يوفر عنصر الأمان.

إن دراسة التباين بين المناطق المختلفة والعلاقات المكانية التي تربط بين الظواهر الجغرافية (الطبيعية والبشرية) كانت من أبرز اهتمامات الجغرافي، إذ اهتم بدراسة المدينة وتحليل التباين الوظيفي بين مناطقها المختلفة باعتبارها من الظواهر البشرية. وتستعمل قرينة (صلة الجوار) لقياس الكفاءة المكانية في الدراسات الجغرافية لمدى تشتت مواقع النقاط حول بعضها، وتحديد نمط انتشارها في التوزيعات المكانية، إذ يمكن أن تكون عشوائية أو منظمة أو مركزة (شحادة 1995).

وتُعد من الأساليب الإحصائية الشائعة لدى الجغرافيين، لما توفره من قياس دقيق لعلاقة ظاهرة مع الظواهر الأخرى، ولكونها وسيلة لقياس مدى تركز أو تشتت المعالم الجغرافية((J.Charly,1976، وتستعمل قرينة صلة الجوار، لقياس التوزيع المكاني، فيما إذا كان متجمعاً بشكل عشوائي أو منتظم، وأقرب جار هي صيغة تكون نتيجتها بين (صفرو2.15) حيث أنماط توزيعها، والذي يحدد فيما إذا كان التوزيع متجمعاً أو غير منتظم هو مستوى الثقة لقيمة (Z)، فإذا كانت قيمة (Z) دون مستوى دلالة لا تقل عن (0.95%) فان توزيع النقاط يتخذ نمطاً غير عشوائي ويكون نمطاً متجمعاً بمستوى ثقة (0.5%) فاحتمال أن يكون عشوائياً بمستوى ثقة (0.5%)، والنمط العشوائي يقع بين كلا التوزيعين. وترتبط قيمة (Z) بمقدار انحراف معياري عن المتوسط.

* أ.م.د احمد الكبيسي، باحث اكاديمي-وزارة التربية العراق

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1