قضية موافقة مجلس النواب المصري على اتفاقية إعادة تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والاقرار بسيادة المملكة على جزيرتي تيران وصنافير، ما تزال محط اهتمام واسع حيث اثارت هذه القضية غضب الشارع المصري من جديد، وهو ما قد يدخل مصر التي تعاني من مشكلات داخلية متفاقمة في ازمة كبيرة، خصوصا وان بعض الجهات المعارضة لهذا القرار، قد سعت الى تكثيف جهودها في سبيل ابطال والغاء هذا الاتفاق. وتنص الاتفاقية التي وقعت في نيسان/أبريل عام 2016 على نقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير الواقعتين شمال البحر الأحمر من مصر إلى السعودية. وكانت المحكمة الإدارية العليا قد قضت نهائيا ببطلان الاتفاقية في كانون الثاني/يناير، قبل أن تقضي محكمة الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ قرار الإدارية العليا في نيسان/أبريل الماضي. وتقول الحكومة إن توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية إنجاز هام، من شأنه أن يمكن الدولتين من الاستفادة من المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل منهما في خليج العقبة.

ويرى بعض المراقبين ان الحكومة المصرية التي تواجه تحديات كبيرة، تحاول من خلال تسليم وتسليم تيران وصنافير والتحركات الجديدة الاخرى استرضاء المملكة العربية السعودية، خصوصا وان العلاقات بين البلدين قد شهدت في الفترة السابقة بعض الاضطرابات، بسبب بعض الملفات ومنها الملف السوري وموقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المؤيد لروسيا في بقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد وبعض الملفات الاخرى، التي دفع المملكة الى اتخاذ خطوات جديدة من اجل الضغط على مصر التي تحتاج بشكل كبير للمال والدعم السعودي. وعلّقت السعودية في وقت سابق ايضا إمداداتها البترولية المتعاقد عليها لمصر، وعزت مصادر سعودية ذلك القرار إلى توجيهات سياسية عليا، مما اضطر مصر للتباحث مع دول أخرى لتوفير احتياجاتها البترولية.

البرلمان يقرر

وفي هذا الشأن أقر البرلمان المصري اتفاقية تعيين الحدود البحرية التي أبرمتها مصر والسعودية العام الماضي وتتضمن نقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير بالبحر الأحمر إلى المملكة، وذلك رغم الاعتراضات على الاتفاقية وصدور حكم قضائي نهائي ببطلانها. وأعلن علي عبد العال رئيس مجلس النواب موافقة البرلمان على الاتفاقية بعد تصويت أجري على عجل. وقال شهود إن التصويت أجري بوقوف الأعضاء المؤيدين للاتفاقية. وقال عبد العال قبل أن يرفع الجلسة "أعلن موافقة المجلس نهائيا على اتفاقية تعيين الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية".

واعترض نواب على الاتفاقية خلال الجلسة ورددوا هتاف "مصرية.. مصرية"، وذلك في إشارة إلى الجزيرتين الإستراتيجيتين الواقعتين عند مدخل خليج العقبة. ويتعين تصديق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على الاتفاقية حتى تدخل حيز التطبيق. وقال رفيق شريف نائب رئيس هيئة قضايا الدولة، التي تمثل الحكومة في النزاعات القضائية، "بعد إقرار مجلس النواب للاتفاقية ستتجه مباشرة إلى رئيس الجمهورية لتوقيعها وتصبح قانونا واجب التنفيذ".

وأقر البرلمان الاتفاقية رغم صدور حكم نهائي من المحكمة الإدارية العليا في يناير كانون الثاني الماضي ببطلان توقيعها، وبعد ثلاثة أيام فقط من بدء مناقشة الاتفاقية على مستوى اللجان. و أثارت الاتفاقية احتجاجات نادرة في الشوارع العام الماضي. وتقول الحكومتان السعودية والمصرية إن تيران وصنافير كانتا تخضعان فقط للحماية المصرية منذ عام 1950 بناء على طلب من الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة. لكن محامين معارضين للاتفاقية يقولون إن سيادة مصر على الجزيرتين تعود إلى اتفاقية موقعة عام 1906 أي قبل تأسيس المملكة.

وقالت لجنة الدفاع والأمن القومي، في تقرير أصدرته بعد اجتماعها في وقت سابق "نظرا لما أظهرته عملية تعيين الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية من وقوع جزيرتي تيران وصنافير ضمن المياه الإقليمية السعودية، وبالتالي فإن تبعية هاتين الجزيرتين تكون للمملكة العربية السعودية". وقال مجلس الوزراء في تقرير أرسله لمجلس النواب إن "الاتفاقية تنهي فقط الجزء الخاص بالسيادة ولا تنهي مبررات وضرورات حماية مصر لهذه المنطقة (تيران وصنافير) لدواعي الأمن القومي المصري السعودي في ذات الوقت".

وأضاف "قد تفهم الجانب السعودي ضرورة بقاء الإدارة المصرية لحماية الجزيرتين وحماية مدخل الخليج وأقر في الاتفاقية ببقاء الدور المصري إيمانا بدور مصر الحيوي في تأمين الملاحة في خليج العقبة، وهذه الأسباب كانت وما زالت وستستمر في المستقبل". وذكر التقرير أن "نقل السيادة للسعودية على الجزيرتين لا يمنع مصر من ممارسة حق الإدارة عليهما لظروف الأمن القومي المصري السعودي". وقالت لجنة الدفاع والأمن القومي في تقريرها "نحن نثق... أنهما (الجزيرتان) ستكونان دائما في خدمة الأمن القومي المصري والعربي".

ويقول محامو الحكومة ونواب إن البرلمان هو الجهة الوحيدة المنوط بها مناقشة الاتفاقيات والمعاهدات السيادية. وصدرت أيضا أحكام من محكمة الأمور المستعجلة تقضي بعدم اختصاص القضاء الإداري في نظر الاتفاقية. لكن المحكمة الإدارية العليا رفضت الدفع بعدم اختصاصها. وتنظر المحكمة الدستورية العليا دعاوى تطالبها بالفصل في النزاع بين الجانبين.

وشهدت الجلسة العامة يوم اعتراضات من نواب تكتل (25-30) ونواب مستقلين على الاتفاقية، وحملوا لافتات كتب عليها (مصرية.. مصرية) ورددوا نفس الهتاف. ويبدي التكتل الصغير اعتراضات على الكثير من سياسات الحكومة. وبعد رفع الجلسة ذهب عدد من النواب إلى مكتب رئيس البرلمان وهددوا بالدخول في اعتصام مفتوح اعتراضا على طريقة تمرير الاتفاقية، فيما لوح البعض بإمكانية تقديم استقالات جماعية.

وقال النائب هيثم الحريري وهو عضو بتكتل (25-30) "اليوم هو يوم مشؤوم على الشعب المصري، حيث يفقد الوطن جزءا من أرضه". وأضاف أن البرلمان أقر الاتفاقية "في تحد واضح للجميع". وعبر كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي عن غضبهم لإقرار الاتفاقية. ونشر الكثير من السياسيين والنشطاء والشخصيات العامة تغريدات تندد بالاتفاقية. وكان وسم أو هاشتاج (#تيران_وصنافير_مصرية) من بين الوسوم التي تصدرت موقع تويتر في نطاق مصر بعد تمرير الاتفاقية. بحسب رويترز.

وتقول الحكومة إن توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية إنجاز هام من شأنه أن يمكن الدولتين من الاستفادة من المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل منهما في خليج العقبة. وكان مجلس الشورى السعودي أقر الاتفاقية بالإجماع يوم 25 أبريل نيسان. وأثارت الاتفاقية اتهامات من جماعات معارضة للحكومة بالتنازل عن الجزيرتين مقابل استمرار تدفق المساعدات السعودية وهو ما تنفيه الحكومة. والسعودية هي أكبر داعم لمصر منذ انتفاضة 2011. وتسبب التأخر في إقرار الاتفاقية والدعاوى القضائية التي تطالب ببطلانها في توتر العلاقات بين مصر والسعودية لشهور قبل أن تتحسن العلاقات في الآونة الأخيرة.

تزايد المعارضة

من جانب اخر انتقدت أحزاب سياسية مصرية بارزة خطة الرئيس عبد الفتاح السيسي لنقل تبعية جزيرتين في البحر الأحمر إلى السعودية ودعت الأحزاب الناس إلى النزول للشوارع احتجاجا على ذلك. وصوت البرلمان بالموافقة على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية والتي تتضمن تسليم جزيرتي تيران وصنافير غير المأهولتين إلى المملكة ومن المتوقع أن يصدق السيسي على القرار قريبا.

وقال زياد العليمي وهو سياسي ليبرالي وعضو في الحزب الديمقراطي الاجتماعي على تويتر "اللي بيخطفوا شباب من بيوتهم علشان الشباب دول بيدافعوا عن أرضهم بيبقى اسمهم سلطة احتلال". وقال العليمي إن ثلاثة على الأقل من أعضاء الحزب اعتقلوا عقب احتجاج بعد اجتماع بمقر للحزب. وفرقت قوات الأمن المظاهرة. ويفقد السيسي جانبا كبيرا من الشعبية التي كان يتمتع بها عندما أطاح بالإخوان المسلمين في 2013 واعتبر منقذا للأمة.

ويواجه الرئيس المصري انتقادات متزايدة بسبب الصعوبات الاقتصادية واتهمه البعض بالخيانة لتسليمه الجزيرتين. ولاقى وسم (هاشتاج) على تويتر تحت الاسم "السيسي خائن" تأييدا واسعا. وأصدر حزب المصريين الأحرار وهو مؤيد عادة للسيسي بيانا ندد فيه بالمعاهدة بشدة. وقال البيان "المسؤولية الوطنية والتاريخية تُحتم علينا التأكيد على أن أرض جزيرتى تيران وصنافير كانت وما زالت تحت السيادة المصرية، فعلا و عملا". بحسب رويترز.

وأيد البيان أيضا حكما قضائيا أبطل الاتفاقية في وقت سابق هذا العام. ومع استمرار الإجراءات القانونية ستنظر المحكمة الدستورية العليا القضية في الفترة القادمة. ويقول مسؤولون سعوديون ومصريون إن الجزيرتين تابعتين للسعودية وإنهما كانتا فقط تحت السيطرة المصرية لأن الرياض طلبت من القاهرة حمايتهما في 1950.

إجراءات أمنية مشددة

على صعيد متصل فرضت مصر إجراءات أمن مشددة بعد أن دعا معارضون لتنظيم مظاهرات للاحتجاج على موافقة مجلس النواب على اتفاقية لتعيين الحدود مع السعودية نقلت تبعية جزيرتين استراتيجيتين في البحر الأحمر إلى المملكة. واحتشد مئات من رجال الأمن بعضهم يحمل بنادق إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع أمام مبنى نقابة الصحفيين بوسط القاهرة وفي الشوارع المؤدية إلى المبنى. وكان معارضون قد تظاهروا أمام مبنى النقابة بعد موافقة لجنة بمجلس النواب على الاتفاقية وألقت السلطات القبض على عدد منهم لفترة وجيزة.

واحتشد رجال الأمن أيضا في ميدان التحرير مهد انتفاضة 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك بعد 30 عاما في الحكم كما أغلقت محطة مترو الأنفاق أسفل الميدان. وفي مدينة الجيزة التي تقع على ضفاف نيل القاهرة فرضت السلطات إجراءات أمن مشددة أمام مسجد مصطفى محمود إحدى نقاط انطلاق المظاهرات خلال وبعد الانتفاضة التي استمرت 18 يوما.

وقالت تقارير إعلامية إن قوات الأمن منعت المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي الذي يعارض الاتفاقية من التظاهر أمام مسجد مصطفى محمود. وقال المرشح الرئاسي السابق خالد علي الذي يعارض الاتفاقية إن صباحي عاد إلى منزله. وكان صباحي قال بعد اجتماع مع معارضين آخرين للاتفاقية إن أجهزة الأمن تمارس نوعا من أنواع "إيقاف أي تحرك شعبي في الشارع. وأيد الآلاف صفحة على فيسبوك تحمل الاسم "التفريط خيانة" حثت المصريين على الاحتجاج في ميدان التحرير. ويقول معارضو نقل تبعية الجزيرتين للسعودية إن سيادة مصر عليهما تعود إلى 1906 قبل تأسيس السعودية.

الى جانب ذلك أوقفت الشرطة المصرية عشرات الناشطين في مواجهة دعوات إلى التظاهر احتجاجا على قرار البرلمان المثير للجدل. وقال محام يعمل من أجل الإفراج عن الموقوفين، إن السلطات أوقفت نحو خمسين ناشطا في مختلف أنحاء البلاد منذ صادق البرلمان على الاتفاقية.

وفي 16 كانون الثاني/يناير الماضي أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكما باعتبار الاتفاقية "باطلة".

إلا أن محكمة القاهرة للأمور المستعجلة قررت في نيسان/أبريل الماضي اعتبارها سارية. ويدور جدل قانوني واسع في مصر حول ما إذا كانت محكمة الأمور المستعجلة مختصة أم لا بوقف قرارات المحكمة الادارية العليا. ورغم تراجع الأهمية الإستراتيجية، بحسب الخبراء، لجزيرتي تيران وصنافير غير المأهولتين واللتين تتحكمان في مدخل خليج تيران الممر الملاحي الرئيسي للوصول إلى ميناء إيلات الإسرائيلي على خليج العقبة، إلا أن المصريين الذين شاركوا في الحروب العربية الإسرائيلية قبل أن تصبح مصر أول بلد عربي يوقع معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979، لا يزالون يتذكرون حرب الخامس من حزيران/يونيو 1967.

فقد كان إغلاق خليج تيران أمام السفن الإسرائيلية بقرار من جمال عبد الناصر في 23 أيار/مايو عام 1967 شرارة أشعلت بعد أقل من أسبوعين الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة التي احتلت خلالها إسرائيل هضبة الجولان السورية والضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وجزيرتي تيران وصنافير اللتين كانتا آنذاك في حماية الجيش المصري.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0