"كل واحدة منكن أنتن المحترمات يمكنها أن تصبح قدوة لسائر النساء بالعزم والتصميم على الصلاح" المرجع السيد صادق الشيرازي (دام ظله)

عبر التاريخ كانت المرأة الحلقة الأضعف في المجتمع، بل وفي داخل الاسرة الواحدة، تعيش بلا حقوق او طموح او دور واضح يناسب مكانتها وقدراتها الى جانب الرجل، بعد ان منعت من ممارسة ابسط حقوقها المشروعة، ففي اوربا منعت من تعلم القراءة والكتابة وفي الولايات المتحدة الامريكية حرمت من التصويت او المشاركة في الحياة السياسية حتى وقت قريب، وفي افريقيا واسيا فرضت عليها ممارسة أقسى الاعمال اليومية التي كان رجال القبيلة يستنكفون ممارستها، وفي زمن الجاهلية (قبل نور الإسلام)، كان بعض القبائل العربية يقتلون بناتهم ويسبي بعضهم نساء البعض الاخر، وقد تعامل هذا الفكر المتوحش، عبر مختلف العصور، مع المرأة باعتبارها مجرد سلعة تباع وتشترى من دون أي عاطفة او حقوق او قيمة.

الإسلام العظيم رفض هذا الفكر بكل تفاصيله العنصرية وحرم ممارسته وجرم افعاله، وأعطى للمرأة مكانتها العظيمة التي تستحقها كفرد مستقل وكجزء من الاسرة والمجتمع، كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات: 13، بل وقرن النساء مع الرجال في درجات الايمان والعمل والاجر بقوله تعالى (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الأحزاب:35.

ولا يقتصر الظلم الذي تعرضت له المرأة طوال التأريخ على الرجل فقط، بل يقع في جانب مهم منه على المرأة نفسها!

نعم هذا صحيح، فالقبول بالظلم والاستسلام للقدر والامر الواقع والتنازل عن الحقوق التي منحها الله (عز وجل) لها وعدم سعيها الى معرفة حقيقتها ووظيفتها وقدراتها جعل منها الحلقة الأضعف التي يمكن استغلالها واستعبادها في أي وقت ومكان، لذلك فقد أشار المرجع الديني السيد صادق الشيرازي (دام ظله) الى حقيقة تغفل عنها اغلب النساء حددها من خلال مطلبان:

الأول: أن تعرف المرأة نفسها.

الثاني: أن تعرف وظيفتها.

وأضاف السيد المرجع: "أما بالنسبة للمطلب الأول، فإذا ما عرف الإنسان نفسه، فإنه سيؤدي وظيفته على نحو أحسن، أما إذا لم يعرفها جيداً، فإنه لا يستطيع أن يؤدي وظيفته، ففي الحديث: (من عرف نفسه فقد عرف ربه)"، وهو ما أشار اليه الإمام الشيرازي (رحمه الله) بقوله: "يجب أن يعمل الرجل وأن تعمل المرأة كلاهما، لأن المرأة تتصور أنها ربة بيت وخلقت للاستهلاك وإنجاب الأولاد وتربيتهم فقط"، وبذلك سوف تجهل او تتجاهل المرأة نفسها ووظيفتها في المجتمع وسوف تقصرها على أشياء وان كانت عظيمة الشأن لكنها تبقى اشياء محدودة.

فاذا ما عرفت المرأة، او الانسان بصورة عامة، نفسها، بالتأكيد ستعرف وظيفتها وتكليفها العظيم ومساهمتها التي ستخدم اسرتها ومجتمعها والإنسانية بصورتها الاشمل، وفي سبيل ذلك، رسم المرجع السيد صادق الشيرازي الطريق الى النساء اللائي يجد صعوبة في تلمس طريقهن نحو المعرفة بالأركان الأساسية للخروج من محدودية الفكر والعطاء نحو مجال رحب وواسع من العطاء، بعد ان شخص مكامن الخلل التي تنعكس في انعدام التخطيط: "هناك أشخاص يعيشون من دون تخطيط، ويقولون إن كل ما يأتي فهو خير، ولكن الصحيح أن يخطط الإنسان لنفسه:

أولاً: أن يخطط ويعزم السير على ما خطط.

ثانياً: والأهم من ذلك أن يعرف الهدف الذي يخطط له، فإن الهدف من الحياة ليس الأكل والنوم والسفر وما شابه.

ويضيف المرجع الشيرازي: "ينبغي لكل واحدة منكن، أن تلتزم بأمرين":

1. حسن الخلق مع الجميع، وهذا الأمر بحاجة إلى عزم وتصميم فالأخلاق نعمة إلهية كبرى.

2. خدمة الناس، فكل من تمكن فليستفد من النعم في قضاء حوائج الناس، وحبذا لو تشكل لجان لهذا الغرض، تعمل فيها مجموعة من النساء لحل مشكلات النساء.

فاذا استطاعت المرأة معرفة نفسها ووظيفتها ثم سعت الى التخطيط للبلوغ الى الهدف بعد تحديده ودراسته بشكل جيد، والذي ينبغي ان يكون هدف كبير وعظيم وغير محدود النطاق، من دون ترك "الاخلاق" التي يعدها الامام الشيرازي بانها "جوهر الحضارة" او خدمة المجتمع، فإنها ستنجح في تحقيق ما سعت اليه وسيشكل نجاحها انعطافة مهمة في حياتها وحياة الاخرين من خلال انعكاس تأثير عملها ونشاطها على المجتمع ككل.

وقد ذكر السيد المرجع صادق الشيرازي بعض الأبواب المهمة لعمل المرأة في تقديم الخدمة العامة للمجتمع ومنها:

1. تأسيس المدارس المنزلية التي اعتبرها فرصة حقيقية لتعليم النساء وتثقيفهم والاخذ بأيديهن نحو طريق العلم والصلاح.

2. تأسيس المؤسسات الخيرية التي تساعد المرأة في مختلف الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التربوية.

3. تأسيس المؤسسات الإصلاحية لحل المشاكل والنزاعات العائلية والاجتماعية أمر ضروري، ويعتبر عملاً بما أمر به الإسلام، ولقد كان الكثير من أسلافنا الصالحين، ملتزمون بالسعي في حل مشاكل الآخرين كلما تيسر لهم ذلك.

والملاحظ هنا ان المرجع الشيرازي أراد من خلال ما تقدم ابراز الدور المهم للمرأة من خلال:

1. المساهمة في بناء مجتمع صالح

2. تضافر كل الجهود والطاقات، بما فيها المرأة، من أجل نشر الحق والفضيلة

3. ابراز الدور المحوري والقيادي الذي يمكن ان تلعبه المرأة الصالحة والمتعلمة ومدى تأثيرها في المجتمع وخصوصاً المجتمع النسوي.

4. ضرورة مشاركة المرأة في إرشاد المجتمع وتثقيفه

5. معيار التفاضل عند الله سبحانه هو العمل الصالح والتقوى ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) الزلزلة:7

6. بلوغ مراتب الإيمان العظيمة يستلزم بذل الجهود والمساعي

خلاصة القول ان النجاح في هذا الطريق وبلوغ مراتب الايمان العالية يتطلب الكثير، وهو ما حدد شروطه المرجع الشيرازي بقوله: "إن بلوغ مراتب الإيمان العالية يستلزم بذل الجهود والمساعي، وغض الطرف عن كثير من اللذات الدنيوية، فإذا عزم المرء وصمم وبنى أمره بصدق وإخلاص على أن يكون جيداً وصالحاً، فإنه سينال ذلك"، ويضيف: "إن الصبر يعني تحمل الصعوبات، والحلم يعني الصفح عن الجهلاء مع وجود القدرة على ردهم، وقد عد القرآن الكريم الحلم من صفات المؤمنين"، وختم بقوله: "كل واحدة منكن أنتن المحترمات يمكنها أن تصبح قدوة لسائر النساء بالعزم والتصميم على الصلاح".

فلو امتلكت المرأة الإرادة الحقيقية لمقاومة الظروف القاهرة للواقع الذي يتعمد تجهيلها وتحويلها الى سلعة للزينة او الترفيه وغيرها من الأمور، من دون النظر الى جوهرها وقيمتها الحقيقية في المجتمع، فحينئذ يمكنها ان تكون قادرة على صناعة التغيير لنفسها وللأخرين (رجالاً ونساء) والنجاح في احداث الأثر الإيجابي داخل المجتمع وان تصبح قدوة يحتذى بها.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒ
http://shrsc.com

اضف تعليق