"الثورة"؛ مصطلح يستدعي معان ودلالات عديدة، ربما تعبر عن حالة الغليان والتمرّد وعدم الاستقرار، بينما "الاخلاق"، من حيث المنطوق المفهوم، يستدعي دلالات الاتزان والاحترام والالتزام. فكيف يمكن للأخلاق أن تثور...؟

انه سؤال وجيه، ربما يطرحه القارئ، فالافكار والنظريات هي التي تصنع الثورات، كما تكون نتاج عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية عديدة، لسنا بوارد الخوض فيها، لاننا مازلنا على خط الحديث عن "الثورة في سيرة آل الشيرازي"، ولدى توقفنا في "محطة الأخلاق" في سيرة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي – دام ظله- فاننا نسلط الضوء – بالحقيقة- مشروع ثقافي واسع النطاق في المجتمع والامة، يهدف الى البناء والإصلاح، قبل ان يسقط حجراً من هنا او هناك، لأن القضية تمثل عملية تغيير وبناء ذاتي، قبل ان تكون قرارات من جهات خارجية.

لذا نجد سماحته يؤكد في معظم أحاديثه ومؤلفاته على جيل الشباب بأن يحرص على التحلّي – ما أمكنه- بالصفات الاخلاقية والخصال الحميدة، كما يفعل الشيء نفسه مع سائر فئات وشرائح المجتمع، لمعرفته ما للأخلاق من دور مباشر في البناء الحضاري، وفي تقدم الأمة والمجتمعات الاسلامية ونهوضها من جديد. علماً أن الأخلاق، مشروعٌ لم يبدأه أول مرة، إنما هو يمثل امتداد لمن سبقه من في الأسرة الكريمة، لاسيما سماحة المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي (قدس سره)، الذي كان قد خصص مكانة خاصة للأخلاق في مشروعه النهضوي والتربوي العظيم، بيد أن المرحلة التي نعيشها اليوم، تتطلب خطاباً خاصاً يقدمه لنا سماحة المرجع الشيرازي – دام ظل- ليكون الاخلاق عضيداً لجملة من الاستحقاقات فيما استجد في مجالات الاعلام والثقافة والسياسة والاجتماع وغيرها.

اخفض جناحك، تسمو عالياً

كما ان الجناح، يمثل مصدر قوة ووسيلة يستعين بها الطير للتحليق عالياً، فان الاسلام، وفي نصوص عديدة، يدعو الانسان في طريقه الى التكامل الاخلاقي، لخفض "جناحه" كنايةً عما ما لديه من قدرات تميزه عن الآخرين، مثل المال والسلطة والعلم والمنزلة الاجتماعية، هذه الامكانات والقدرات من شأنها ان تتحول الى عامل خير كما يمكن ان تكون عامل شر في وسط المجتمع والامة، لذا يذكر سماحته بان هذه القدرات بالأساس، هي نعم من الله –تعالى- الى الانسان، فيجدر به أن يحسن التصرف بها.

"إن خفض الجناح لدى الانسان – يقول سماحته- يُعد من مصاديق الخلق الحسن الذي ينبغي أن يكون عليه، لكي يكون بواسطته أهلاً لأن يشقّ طريقه في الحياة بقليل من الصعوبة، وهذا يوجب محبوبيته عند الناس ايضاً، وهو أمر صعب جداً – خفض الجناح- إلا انه ممكن التحقيق".

ويوضح سماحته كيفية تحقيق عملية التغاضي عن القدرات والامكانيات وعدم التعكّز عليها في العلاقات الاجتماعية، في كتابه "حلية الصالحين"، مستنداً الى حديث مروي عن الامام الباقر، عليه السلام، حيث يقول: "إن الخلق منحة يمنحها الله خلقه، فمنه سجيّة ومنه نيّة". بمعنى أن الخلق الرفيع ربما يكون متأصلاً في نفس الانسان بفعل التربية والاجواء الخاصة التي يعيشها في الأسرة والمجتمع، فينمو طيب القلب والسريرة، نظيف اللسان، سهل المعشر. كما أن الخلق يمكن ان يخرج الى الواقع العملي بفعل النيّة والإرادة، وهو مصداق "التغيير الذاتي". لذا فان السائر في هذا الطريق، "يعاني كثيراً لكي يلتزم بالأخلاق الفاضلة، وهذه المعاناة إنما تقف وراء تحملها نية صادقة وإرادة قاهرة لتجاوز الحالة او الطبيعة السيئة". ويضيف سماحته حقيقة هامة للغاية في هذا السياق بان "صاحب النيّة، المكافح، أفضل درجة وأرفع منزلة من صاحب السجية".

من هنا يدعونا سماحته الى المضي قدماً في هذا الطريق نافياً بشدة اي عذر بعدم امكانية التغيير، بأن "الذي يبدي عجزه عن إحداث التغيير في نفسه وسلوكه نحو الأحسن بذريعة الرواسب العالقة في ذاته، فهو غير صائب لأن عملية التغيير ممكنة، وإن كانت صعبة، والامثلة على ذلك كثيرة".

نسيم الاخلاق يعمّ الجميع

بعد التوجه نحو الذات، يأتي دور العالم الخارجي، حيث المجتمع المحيط بالانسان، ولطالما أكد سماحته في غير مناسبة، على أهمية الخلق الحسن في العلاقات الاجتماعية، رغم الظروف المعقدة الملابسات التي ضربت جوانب عديدة في حياة الانسان، حتى بات من الصعب تحديد الموازين الاخلاقية والمعايير الصحيحة. ولعل أقوى من هتف به سماحته في دعواته الى الاخلاق الحميدة مستنداً الى حديث شريف بأن "سيئ الخلق يعذب نفسه". بمعنى أن سيئ الخلق، قبل ان يلحق الضرر بأفراد الأسرة والزوجة والاولاد والجيران وافراد المجتمع، فانه ينعكس مباشرة على حالته النفسية هو، بمعنى أن الاخلاق التي تعد – بالحقيقة- نسمة طيبة، عندما تبدأ من الانسان، يفترض ان تعمّ الآخرين من الاقربين وحتى الأبعدين. وهذا ما يؤكده سماحته في هذا الكتاب مستشهداً بدعاء الامام زين العابدين، عليه السلام، المعروف بـ "دعاء مكارم الاخلاق"، حيث يدعو الإمام، عليه السلام، الله بأن يجري الخير على يديه لكل الناس، ويوضح سماحته بأن الناس هنا، تشمل المؤمنين والمسلمين، وغير المسلمين ايضاً.

ويذكرنا سماحته بأن هذا الخلق الرفيع، مستمدٌ من اخلاق السماء، "فكما ان الله – تعالى- يعطي النعم للمؤمن والكافر، فان الامام، عليه السلام، يسأل الله ان يجري على يديه الخير لجميع الناس دون تمييز". علماً ان هذه، لم تكن فقط اخلاق الامام السجّاد، وإنما هي أخلاق النبي الأكرم، والأئمة المعصومين من بعده، صلوات الله عليهم. وربما هذه النقطة الفاصلة ترفعنا الى مرحلة متقدمة من البناء الاجتماعي والحضاري، بحيث تمكننا التغيير الحقيقي لما نعيشه من واقع متردّي لاسيما على الصعيد الاخلاقي.

واعتقد جزماً، أن الحديث عن الاخلاق في حياة المرجع الشيرازي ومشروعه الثقافي، بحاجة الى مساحة أوسع، بيد أننا نستفيد من ملاحظة واحدة ومحورية، وهي حالة "التوازن" في الحالة النفسية لدى الانسان. فقد عبر سماحته عن "النفس" بانها "كالنابض الذي يهبط لأدنى ضغط ويرتفع بارتفاعه بسرعة" في اشارة الى حساسيته ودقته. كما انه يؤكد على اهمية التوازن في كل الاشياء بالحياة، لان اختلال التوازن يعني الفوضى والارباك، وربما السقوط في المهاوي والمهالك. هذا التوازن في النفس الانسانية، مقتبسٌ من دعوة للإمام السجاد الى الله – تعالى- بأن يتحقق لديه – وهو الامام المعصوم- حيث يقول: "ولا ترفعني في الناس درجةً إلا حططتني عند نفسي مثلها". بمعنى أن الانسان الناجح في الحياة هو ذلك الذي يحفظ نفسه من الطغيان والغرور، سواءً في العلم او الجاه او المال، بواسطة هذا التوازن البديع الذي، بدوره يحقق للانسان والمجتمع والامة سلامة الحاضر، من احتمالات التضخم في القدرات وانفجار الازمات، ثم استشراف المستقبل في طريق الأخلاق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1