هذه النصوص مجموعة من بعض المحاضرات والكلمات التي ألقاها سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي، بمناسبة عيد الغدير والتي نشرت في شبكة النبأ المعلوماتية في السنوات السابقة جمعت في ملف واحد تعميما للفائدة:

الغدير عيد وتاريخ ومسؤولية

قال الله تعالى في كتابه الكريم: (يا َأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).

الغدير موضع خاص وزمان خاص، وعيد إسلامي بل أعظم الأعياد في الاسلام، وهو ـ شرعاً ـ عنوان على تعبّدات خاصّة، وهو تاريخ ومسؤولية.

أما الموضع فيقع على بعد عدّة فراسخ من مكة المكرمة، وهو الموضع الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وآله بعد رجوعه من حجّة الوداع ونزول الآية الشريفة (المتقدّمة) عليه؛ فقد روى الخاصّة والعامّة أنه صلّى الله عليه وآله لم يتقدّم خطوة بعدها حتّى بلّغ الأمر الإلهي.

أما الزمان فكان في الثامن عشر من ذي الحجّة، واستمر يومين آخرين لغرض أخذ البيعة للإمام سلام الله عليه.

أما عنوان التعبد الذي أطلق عليه شرعاً، فقد وردت في فضل الغدير، وفضل ومقام من يتّخذه عيداً، والعبادات الواردة فيه، ومضاعفة أجر العمل له وفيه، روايات لا أقول إنّها ـ من حيث المجموع ـ قليلة النظير، بل يمكن القول إنها عديمة النظير.

فمن باب المثال: روي عن الإنفاق فيه أن «الدرهم فيه بمئة ألف درهم» وفي رواية «بألف ألف درهم». ولعلّ الاختلاف يعود لمراتب الإنفاق أو موارد الصرف.

وقد يثار سؤال في المقام، في كلمة «فيه» في الرواية وهو: أيشترط في الإنفاق الذي يعدل ألف ألف في غيره، أن يكون واقعاً في يوم الغدير، ولا يصدق إذا وقع في ليلة الغدير مثلاً ولو كان بعنوانه؟

استنتاجي الشخصي؛ تنظيراً للموارد المشابهة في الروايات: أنّ المقصود من كلمة «فيه» أعمّ من الظرفية الزمانية، فيكون بمعنى «في شأنه»، كما يقال إن فلاناً أنفق بعض ماله في الحج، أي لأجله، وإن وقع ذلك الإنفاق قبل زمان الحجّ. فعندما نقرأ في الرواية مثلاً أن الامام الحسن سلام الله عليه ورمت قدماه في طريق مكة فأعطى مالاً لشخص لشراء مرهم وقال له: لا تشاكس في القيمة نقول إن الامام حسن سلام الله عليه أنفق ذلك المال في الحجّ وإن لم يكن في وقت أداء أعمال ومناسك الحجّ؛ اذاً المقصود من كلمة «فيه»: من أجله وفي سبيله.

ويكفي لمعرفة فضل يوم الغدير وعظمته ما روي أن الله تعالى يعتق في يوم الغدير ضعف ما يعتقه في شهر رمضان وليلة القدر وعيد الفطر، علماً أن المرويّ أن الله تعالى يعتق في ليلة عيد الفطر بقدر ما يعتق في شهر رمضان كلّه. بل ورد النّص في أن عيد الغدير أعظم الأعياد.

بعض الفقهاء المتقدّمين والّذين كانوا مقيدين بنصوص الروايات أكثر لقلة الحاجة إلى الاجتهاد، وذلك لقربهم من عصر النصّ، استفادوا الحكومة من هذا التعبير، ومن ثم قالوا حتى باستحباب صلاة العيد جماعة في يوم عيد الغدير.

انّ الغدير تاريخ منقطع النظير أيضاً.. تاريخ ناصع كان ـ وما زال وسيستمر حتى ظهور بقية الله الأعظم الإمام المهدى عجّل‏ الله ‏‏تعالى ‏فرجه ‏الشريف بل حتى القيامة ـ منيراً وهادياً للملايين من البشر من ظلمات الشرك والضلالة والجهل والانحراف عن الأخلاق والبعد عن أهل البيت إلى نور الهداية والإيمان والولاية والأخلاق والواقعية التكوينية والتشريعية.

ولم يقتصر دور الغدير على هداية عامّة الناس بل كثير من علماء الكفار واليهود والنصارى والمجوس إضافة إلى علماء العامة والمذاهب المختلفة أبدلهم الغدير على طول التاريخ؛ بحيث لو جمع ما يمكن جمعه في كتاب لكان موسوعة ضخمة.

في إيران مثلاً كان يعيش قبل قرن تقريباً شخص من كبار حاخامات اليهود واسمه ملا آقا بابا، حوّله الغدير وهو في سنّ الكهولة وكبر المنزلة لدى قومه وكثرة الأتباع، حتى صار واحداً من علماء الشيعة وأبدل اسمه إلى محمد رضا تيمّناً باسم النبي صلى الله عليه وآله وحفيده الإمام الرضا سلام الله عليه وألّف كتاباً بالعبرية على بطلان اليهودية بعد مجيء نبي الإسلام يسمى «المقبول الرضائي» ثم ترجم من العبرية بعد ذلك.

وهكذا رئيس الأساقفة في إحدى مناطق إيران تحول قبل زهاء مئتي سنة إلى الإسلام والتشيّع وأصبح هو الآخر من علماء الشيعة وألّف كتباً عدّة حول الاسلام بلغ بعضها عشرة أجزاء، وكان له احاديث وخطب في تلك الأيام اهتدى على أثرها كثير من النصارى في ايران، وسمّى نفسه محمد صادق تيمّناً باسم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وحفيده الامام الصادق سلام الله عليه.

وقبل ذلك، وفي عصر الشيخ الكليني (ره) وفي أيام حكومة العباسيين، حيث كان الشيعة أقلية في بغداد، اهتدى بنور الغدير أحد العلماء المنحرفين عن أهل البيت سلام الله عليهم، فحوّله إلى علم من أعلام الشيعة حتى عبّر عنه مثل الشيخ النجاشي والطوسي وأمثالهما بأنه ثقة ثقة؛ ذلكم هو الشيخ محمد بن مسعود العياشي الذي كتب التفسير المعروف بتفسير العياشي.

العياشي الذي كان عالماً نشيطاً في أوساط العامة وكتب لهم كتباً كثيرة، وكما قال الشيخ الطوسي «روى للعامّة فأكثر»؛ سطع عليه نور الغدير فجعله ينفق الثروة الكبيرة التي ورثها من أبيه مسعود الذي كان من كبار تجّار بغداد، في سبيل نشر مذهب أهل البيت سلام الله عليهم.

قالوا عن العياشي: ورث من أبيه ثروة كبيرة بلغت ثلاثمئة ألف دينار ذهب ـ أي اكثر من طن ّمن الذهب ـ أنفقها كلها في سبيل مذهب أهل البيت سلام الله عليهم.

وقالوا: إنه بنى في بغداد بيتاً كبيراً كان مرتعاً للشيعة، وكان روّاده بين راوٍ ومحدّث وكاتب ومؤلف وطالب.

فما أكثر العلماء والرواة الذين يذكرهم الشيخ الطوسي في رجاله ـ وهو واحد من عشرات الكتب الرجالية ـ بعبارة من قبيل: كان من تلاميذ العياشي أو من غلمانه أو من أصحابه. مع أنه لا يذكر عن كل عَلم الا سطراً أو سطرين، لأنّ الكتاب رغم صغر حجمه يورّخ لأصحاب المعصومين الأربعة عشر جميعاً.

وكان أحد اولئك التلامذة الذين ذكرهم الشيخ الطوسي، الكشي الرجالي المعروف الذي لو لم يكن كتابه المعروف (رجال الكشي) لما كان اعتبار لكثير من الروايات المعتبرة التي بين أيدينا اليوم ولتغيّرت صورة كثير من الأحكام الموجودة في الرسائل العملية. فالطريق الوحيد لتوثيق كثير من رواياتنا المعتبرة هو كتاب الكشي الذي اختصره الشيخ الطوسي وسمّاه «اختيار معرفة الرجال» لأن الكتاب الأصلي ضاع كآلاف الكتب الشيعية الأخرى التي طالها الحرق أو الغرق أو الضياع بأيّ نحو وآخر.

وفي عصرنا أيضاً ما أكثر من اهتدوا بنور الغدير. شخصياً أذكر مصاديق عديدة ومنها أنني التقيت قبل زهاء ثلاثين سنة بمهندس رفيع من العامّة، اهتدى بالغدير وكان على درجة عالية من العلم بأدلّة الولاية، وعندما سألته: كيف اهتديت؟ قال: كنت ذاهباً إلى امريكا لمواصلة الدراسة، وكان لي صديق هناك من أتباع مذهب آل البيت سلام الله عليهم، فذهبت في أحد الأيام إلى بيته فرأيت في مكتبته موسوعة باسم الغدير تتألّف من أحد عشر جزءاً وكنت حتى ذلك اليوم أكره الشيعة ظناً أنهم السبب وراء اختلاف المسلمين وتفرّقهم، وعندما رأيت الكتاب دفعني الفضول لمعرفة السبب الذي دعاهم للاختلاف، فطلبت الجزء الأول من صديقي وطالعته خلال اسبوع ثم طلبت منه الجزء الثاني ثم الثالث وهكذا حتى اتيت على أجزائه الأحد عشر.

وكان هذا الرجل قد تحوّل إلى درجة بحيث بدأ يناظر علماء العامة. فكان يأتيني أحياناً وينقل لي بعض إشكالاتهم التي لا يعرف جوابها. وربّما صار سبباً لهداية كثيرين.. كل ذلك بفضل الغدير.

وكان العلامة الأميني ـ مؤلف الكتاب ـ راقداً يومذاك في المستشفى بطهران فقلت لبعض الأصدقاء: انظروا أثر الكتاب فصاحبه قد لا يقدر على الكلام وكتابه يهتدي به الناس.

فما أعظم الغدير الذي استطاع أن يهدي شعوباً وعلماء من كل الملل والنحل، رغم كثرة الحروب التي شنّت ضدّه!

إن أكثر كتب الشيعة اُحرقت بجريرة الغدير؛ فلقد نقل المرحوم السيد الأخ أعلى الله درجاته أنه قال للعلامة الأميني: لقد كانت لك جولات في الكتب والمكتبات المختلفة في أنحاء من العالم؛ برأيك كم هو حجم ما أحرق أو اُتلف من كتب الشيعة عبر التاريخ؟ فقال: تسعون بالمائة!

ولو قال أكثر ما ظننته مبالغاً، والدليل على ذلك ما نطالعه في كتب الرجال. فمثلاً يرد في بعضهم أنه روى كذا ألف رواية عن المعصوم في حين لم يصلنا منها سوى عشرات، فأين ذهبت بقية رواياته؟!

لقد كان للشريف المرتضى رضوان الله عليه مكتبة تضمّ حوالي ثمانين ألف كتاب ولم تكن هذه الكتب نسخاً لأنه لم توجد يومئذ مطابع للتكثير، ورُبّ كتاب واحد يستغرق جهد وعمر إنسان كامل. هذه المكتبة احرقت بعد الشريف المرتضى مع أنه كان نقيب الهاشميين وذي الرئاستين (الدينية والدنيوية).

هكذا الحال مع عشرات بل مئات المكتبات الأخرى ومنها مكتبة الشيخ الطوسي في بغداد فأحرقوها بل أرادوا حرقه (رضوان الله عليه) ففرّ إلى النجف الأشرف. وما اكثر العلماء الذين أُحرقوا أو خُنقوا أو بني عليهم، ومع ذلك لم يستطع الأعداء أن يطفئوا نور الغدير.

وفي عصرنا الحالي قامت الحكومة في عاصمة إحدى الدول الإسلامية بإحراق كتاب بكلّ نسخه وذكرت الوزارة المعنيّة بشؤون الكتب أنّها قامت بحرق نسخ هذا الكتاب. هذا مع أنه لم ترد فيه أية كلمة سياسية، ولكنهم فعلوا ذلك بجريرة الغدير.

الغدير واجب ومسؤولية

لقد أدّى السلف الصالح واجبهم تجاه الغدير في هداية العلماء كالعياشي وملا آقا بابا ومحمد صادق ومن صار واهم ـ ايضاًـ سبباً في هدايتهم نحو، الغدير، وهكذا علماء الشيعة ومؤلفوهم الذين قُتلوا أو سجنوا او... أدّوا واجبهم؛ فما واجبنا نحن؟

لا شك أن واجبنا اليوم أسهل، فقلما يُقتل المرء في عصرنا بسبب تشيّعه؛ أجل نشهد اليوم ذبح الشيعة في العراق لا لجرم اقترفوه إلاّ لاتباعهم أهل البيت سلام الله عليهم، ولكن هذا واقع طارئ واستثنائي ساهمت فيه بعض العوامل السياسية وسيزول قريباً بإذن الله تعالى، ولكن حال الشيعة في السابق كان هكذا دائماً وفي كلّ مكان.

لقد تغيّر العالم اليوم وشهد انفتاحاً لم يشهده من قبل، مع تفاوت بين الدول في مقدار الحرية والانفتاح، ولم تعد تلك المخاوف السابقة موجودة.

فمثلاً لم نعد نشهد احراق الكتب كما كان في السابق. لقد كتب العياشي أكثر من 200 كتاباً وقد وردت أسماؤها في الكتب الرجالية، لكنا لا نرى سوى تفسيره بل قطعة منه هو المسمى بتفسير العياشي. أما الباقي فقد أحرق، وهكذا الشيخ الصدوق (ره) له مآت الكتب، وكذا الشيخ الطوسي (ره) كان له حوالي 300 كتاب والعلامة الحلّي حوالي 1000 كتاب واكثرها أبيدت.

أما نحن ـ في هذا العصر ـ فنعيش في فرصة استثنائية عالمياً لم يمر مثلها سوى في فترات قصيرة ومناطق محدودة كفترة البويهيين في العراق والحمدانيين في سورية والفاطميين في مصر والأدارسة في المغرب.

اذاً علينا أن نشمّر عن ساعد الجدّ لهداية الناس نحو الغدير، ليس من أجل الثواب فقط ـ وإن كان عظيماً ومطلوباً ـ وليس من أجل التعبد وحده ـ وإن كان كبيراً أيضاً ـ بل من باب الوجوب لأنّه مقدّمة وجود الواجب المطلق الذي اتفق العلماء والعقلاء على وجوبها. فالمسألة عقلية وغير قابلة للتشكيك والترديد.

إن الهداية واجب مطلق، وكل مقدمة تنتهي لوجود هذه الهداية أو احتمال وجودها ـ لأن الاحتمال في باب الأمر بالمعروف كاف ـ فهو واجب.

فمهما تصنعون ومهما تكتبون من كتب وتبنون من مؤسسّات وتشكّلون من هيئات وتقومون بخدمات في طريق الخدمة للغدير فهو واجب عيني لأنه لا يوجد من فيه الكفاية. أجل لا يوجد الكفاية في حدّ هداية جميع الضلاّل والكفّار، بدليل وجود الملايين منهم. فقد كتبوا أن عبدة الأوثان في الارض يزيدون على ألف مليون، أفلا يجب العمل من أجل هدايتهم وجوباً مطلقاً ضمن القدرة طبعاً.

نصرة الغدير

لقد دعا مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله بعد تنصيب الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، دعا بالرحمة مرتين، وباللعن مرتين، حيث قال: (اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله). وهذا يعني: اللهم كل من يوالي عليّاً فكن له وليّاً، ومن يعاديه فكن له عدوّاً. وكل من ينصر عليّاً فانصره، سواء كان رجلاً أو امرأة، وعالماً أو جاهلاً، وغنيّاً أو فقيراً، وسواء كانت النصرة فردية أو جماعية، وبأي شكل كانت وبأي طريق، وبأي أسلوب. واخذل كل من يخذل عليّاً، مهما كان الخاذل، وفي أي مقام، وتحت أية ظروف. فاخذله بالمشاكل وبالمصاعب، وبالدنيا والآخرة، وأوكله إلى نفسه.

النصرة والخذلان لهما أنواع ومراتب. فالنصرة تكون أحياناً بالنفس، وباللسان، وبالقلم، وبالمال، وبالتشجيع، وغيره. وكذلك يكون الخذلان، أي بالنفس وباللسان وبالقلم والمال وغيره. وكل واحدة من هذه الأنواع من النصرة والخذلان لها مراتب.

إنّ الله تبارك وتعالى جعل للبشر امتحاناً عظيماً وعظيماً وعظيماً، وهو عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه. فبعض الناس بسبب عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه يصلون إلى قمّة السعادة في الدنيا والآخرة، وبعضهم وبسبب خذلانهم لعليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، يسقطون إلى حضيض الشقاوة في الدارين. فيا له من امتحان عظيم! ومن مصاديق هذا الامتحان العظيم، هو دعاء النبيّ صلى الله عليه وآله الذي صدّرنا به الحديث.

مصداق للنصرة بالنفس

إنّ من مصاديق نصرة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالنفس هو: أبوذر الغفاري. فقد كتب التاريخ أنه مات بسبب الجوع! والموت بسبب الجوع يدعو إلى التأمّل، فليس بالسهل والهين أن يموت الإنسان بسبب الجوع. فالذي يموت بسبب العطش قد يكون عدم حصوله على الماء قد طال لمدّة يومين أو ثلاث، ولكن الموت بسبب الجوع، لا يكون في طول يوم واحد أو عشرة أيّام، بل يجعل صاحبه يتأذّى ويتألّم كثيراً ولأيام.

إنّ أباذر نصر بنفسه الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، لكن لماذا صار هكذا بأبي ذر وهو من السابقين ومن الأوائل الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله ودافعوا عنه؟ ولماذا هكذا مات أبوذر في عصر زعموا وسمّوه كذباً بالخلافة الراشدة؟ فأيّ رشد هذا؟ وأية خلافة هذه التي يدّعون أنها خلافة لرسول الله صلى الله عليه وآله؟

هل إنّ خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله يجب أن يكون ممثّلاً عن النبيّ، ومظهراً لأسلوب النبيّ صلى الله عليه وآله، أم يكون مظهراً للظالمين؟

مصداق للنصرة باللسان

أما من مصاديق النصرة باللسان فهو عمل المرحوم السيد مهدي القزويني رضوان الله تعالى عليه. فالسيد القزويني كان معاصراً للشيخ الأنصاري رضوان الله تعالى عليه ومن تلامذته، وتوفي سنة 1300 للهجرة تقريباً. وكتب الحاج نوري ـ الذي عاصر السيد القزويني ـ في خاتمة المستدرك الذي نقل فيه أحوال بعض العلماء بمناسبة المسائل الرجالية، كتب ان السيد مهدي القزويني وصل إلى مقام هداية المنحرفين عن أهل البيت وهداية من يتسمّون بالمسلمين، وهداية من يجهلون أهل البيت صلوات الله عليهم، وصرف الكثير من عمره في هذا الطريق، في زمن لم يكن فيه التلفاز ولا القنوات الفضائية، بحيث يسمعه ويراه الناس في مختلف البلدان بالعالم. وكتب النوري أيضاً بأن السيد مهدي القزويني رحل عن الدنيا وقد استبصر وتشيّع بسببه 100 ألف شخص، من الرجال والنساء والشباب والكبار.

إنّ السيد مهدي القزويني كان مصداقاً لنصرة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه باللسان.

مصداق للنصرة بالقلم

وأما من مصاديق النصرة بالقلم، فهو المرحوم العلاّمة الشيخ الأميني رضوان الله تعالى عليه. فهنا أذكر لكم ما شاهدته بنفسي شخصياً مع اثنين من الأصدقاء، أحدهما توفي والآخر لايزال على قيد الحياة:

في سنة 1381 للهجرة تشرّفت بزيارة السيّدة زينب والسيّدة رقيّة سلام الله عليهما بدمشق، وكان بالقرب من مرقد السيّدة رقيّة سلام الله عليها، مكتبة قالوا إنّ فيها 11 ألف نسخة من المخطوطات، 300 منها نادرة ولا توجد نسخة مماثلة لها في أي مكان آخر. وفي ذلك الحين كان المرحوم الأميني في دمشق، وكان يسكن في غرفة استأجرها بالقرب من مرقد السيّدة رقيّة سلام الله عليها. فذهبنا إلى المكتبة المذكورة، فنقل لنا مدير المكتبة عن العلاّمة الأميني وقال:

إنّ العلاّمة الأميني استجاز مسؤولي المكتبة وأخذ مفتاح غرفها ومفتاح باب المدخل الرئيسي لها، ويأتي يومياً إلى المكتبة ويبحث في الكتب والمخطوطات ليكمل موسوعة الغدير. ويتواجد في المكتبة يومياً 18 ساعة، ويقضي ست ساعات الباقية من يومه في غرفته التي استأجرها بالقرب من المقام الطاهر. وكلما دخلت عليه في المكتبة وجدته إما واقفاً يبحث في الكتب، أو يطالع، أو ينقل عن الكتب. وكان هذا ديدنه في الـ18 ساعة، ولا يخرج من غرفة المكتبة إلاّ لتجديد الوضوء. وكان لا يتغدّى ولا يتعشّى، بل كان يأكل ما وضعه في جيبه من قطع طعام يابس. وقال مدير المكتبة: لا أدري هذا الرجل متى يرتاح؟

أقول: اعلموا ان العلاّمة الأميني قام بهذه النصرة وهو كان كسائر الناس، أي كانت له مشاكل وكان يعاني من ظروف خاصّة!

مصداق للنصرة بالمال

أما بالنسبة لمصداق النصرة بالمال، فحالياً لا يحضر في ذهني مثالاً مرادفاً للأمثلة الثلاثة التي ذكرتها آنفاً، ولكن أخاطب جميع الذين أنعم الله عليهم بقدرات مالية، مهما كان مقدارها، وسواء في الدول الإسلامية كانوا أو في غيرها، وفرادا وجماعة، وأقول لهم:

فكّروا بأن تسعوا إلى الحصول على قمر اصطناعي كي تستفيد منه المئات من القنوات الفضائية الشيعية، وتنشر ثقافة الغدير، التي لو طبّقت في كل بعد، وفي كل جانب، وبأي مقدار، فإنها توجب السعادة بذلك المقدار وفي ذلك البعد والجانب. فاشتروا قمراً اصطناعياً وأوقفوه للإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، والقرآن يقول في مثل هذه الأعمال: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون). وهذا العمل لا شكّ وبالتأكيد يمكن أن يقوم به حتى فرد واحد من الشيعة من الذين أنعم الله عليه بقدرة مالية، وأن يكون مصداقاً لـ(من نصره). فالعمل عبر هذا الطريق اليوم هو طريق نصرة واسع وشامل.

وحول مدى تأثير ثقافة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في سعادة الإنسان، أذكر لكم مقطعاً من مقاطع التاريخ، ولعلّ بعضكم اطّلع عليه:

في الحرب العالمية الثانية سحقت الكثير من الشعوب والبلدان، ومن أكثر البلدان التي سحقت في هذه الحرب هو اليابان وإحدى الدول الإسلامية، لا أذكر اسمها. ولكن انظروا ماذا صنع اليابان بعد انتهاء الحرب؟

إنّ الذي قام به اليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية هو العمل بفقرة من كتاب الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في كتابه إلى مالك الأشتر رضوان الله تعالى عليه حينما ولاّه على مصر. حيث كتب الإمام صلوات الله عليه إلى مالك (ما مضمونه) بأن يجعل التجارة حرّة، بالأخصّ التصدير والاستيراد، وأن يكون دوره (أي دور الحاكم والحكومة) هو الرقابة فقط لكي لا يحدث غبناً بحقّ الناس. فكان ما عمل به اليابان أنه جعل التجارة بيد الشعب الياباني، فتقدّم وارتفع حتى صار يزاحم أميركا في الاقتصاد، وحتى في داخل أميركا أيضاً، بل وصل الارتفاع والتقدّم باليابان إلى مرتبة أعلى بحيث أنه كاد أن يُفقر أميركا المعروفة بعظمتها الاقتصادية وبقدراتها المالية الضخمة!

فهذه من أبعاد ثقافة الغدير ومن أمثلتها العديدة والكثيرة.

أما تلك الدولة الإسلامية فإنّها وليومك هذا لم تستطع أن تضع حتى حلاًّ واحداً لمشكلة واحدة من مشاكل أبناء شعبها. فتراها ولحدّ الآن تعلن رسمياً، ويومياً، بأن فيها الملايين من الفقراء والعاطلين عن العمل. وأنا شخصياً قرأت قبل بضع سنوات في إحدى صحفها الرسمية ان 80 بالمائة من الشعب هم تحت خطّ الفقر! وهذا هو حال دولة إسلامية! لأنها لم تعمل بنهج الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

نعمة الحرية

بإمكان فرد واحد يعيش في أجواء الحريّة أن يفعل الكثير، وأفضل من الملايين ممن يعيشون في أجواء تنعدم فيها الحريّة.

على سبيل المثال: كلنا نعرف عظمة وهيبة وحجم الطائر النسر ومدى سعة تحليقه وسرعة طيرانه في السماء وهيبته عندما ينقضّ من أعالي السماء على الفريسة. فهذا الطائر المهيب والكبير لو حبسته في القفص فإنه سوف لا يستطيع أن يتحرّك حتى بمقدار متر واحد. ولكن إذا جعلت العصفور، ذلك الطائر الصغير الضعيف، طليقاً فستراه يصول ويجول في السماء.

إنّ أكثر دول عالم اليوم فيها نسبة من الحريّة، وهذا ما يسهّل تعميم ثقافة الغدير في العالم. فظروف ووسائل اليوم ليست كزمن العلاّمة الأميني أو كزمن السيد مهدي القزويني رضوان الله تعالى عليهما. فاليوم تتوفّر الانترنت والقنوات الفضائية. ولو وصل الحقّ للعالم غير الشيعي وللكافر، وعلموا الفضائل والإسلام الصحيح، وعرفوا الغدير بحقيقته ـ كما صرّحت الروايات الشريفة بذلك ـ فسيسبقون غيرهم ممن هم في البلدان الإسلامية إلى الإيمان بالغدير. وهذا ما نجد له مثيلاً في التاريخ. ففي زمن حكومة النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله لم يكن كل الذين كانوا حول النبيّ صلى الله عليه وآله ومن هم في المدينة، مسلمين ومؤمنين بما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، بل كان فيهم المنافقين الذين بدّلوا وحرّفوا من بعد استشهاد النبيّ صلى الله عليه وآله. ولكن كان غيرهم ممن هم في البلدان والمدن الأخرى يؤمنون ويسلمون لسماعهم أخبار النبيّ صلى الله عليه وآله ومواعظه وتعاليمه.

نحن أهل العلم لدينا قدرة بالقوّة كثيراً، ومسؤوليتنا كبيرة أيضاً بتلك النسبة من القدرة، لأننا نفهم مثل تلك العبر والمقاطع التاريخية المشرقة، ويمكننا أن نفهمها ونعلم بها ونتعلّمها، فيجدر أن نعمل بمسؤوليتنا. وهكذا هم طلبة الجامعات والمثقفين الشيعة في كل مكان، أي لديهم قدرة بالقوّة، ويشكّلون قوّة عظمى. فلنسع جميعاً إلى أن نكون من المشمولين بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله بالرحمة، وهو: (وانصر من نصره). وأن نرتقي أعلى مراتب النصرة. فمجال نصرة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، كثير وواسع، وفي كل الأبعاد.

إنّ المشاكل والبلايا الموجودة اليوم في البلدان الإسلامية والمبتلية بها الشعوب الإسلامية وغيرها من الشعوب، في الاقتصاد والسياسة كالاعتقالات والحبس غير المنطقيين وغير الشرعيين واللاإنسانيين، والمشاكل الاجتماعية ككثرة الطلاق وما يترتب على الطلاق من المفاسد العديدة، هذه كلّها سببها إقصاء ثقافة الغدير.

لقد أعلن مسؤول رسمي لدولة إسلامية في صحيفة رسمية انه في بلده يقع في كل أربع دقائق حالة طلاق أو حالتين!

نحن ـ أي أهل العلم والمثقّفين والمؤمنين ـ يمكننا أن نرفع هذه المشاكل ونزيلها، وذلك بالعمل على تطبيق ثقافة الغدير. وعلينا أن نعلم بأن هذا الأمر لا يتمّ بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى فترة زمنية، وقد يعطي ثماره بعد زمن طويل. فرفع المشاكل والبلايا عن الدول الإسلامية لا يتمّ عبر سنّ القوانين الوضعية، ولا بجعل المحدوديّات. لأن الأساس واه وفاسد. فحلّ المشاكل بالقوانين الوضعية مثله كمثل من يلصق أوراق المناديل المسمّاة بـ(الكلينكس) على الثقب الحاصل بسقف الغرفة بسبب ماء المطر. فهل يمنع المنديل قطرات الماء من التسرّب أو يصدّ عنها؟ أم أن ذلك سيؤدّي إلى اتّساع رقعة الثقب في السقف وبالتالي يؤدّي إلى خراب السقف وسقوطه؟ أم أن الصحيح هو معرفة سبب وأساس حدوث الثقب والعمل على سدّه وإعادة إعمار السقف؟

إنّ الأساس الصحيح هو ثقافة الغدير. وثقافة الغدير ليست بعداً واحداً، أو كلمة واحدة، أو مطلباً واحداً، بل هي عالم من السعادة، وعالم من الخير، وعالم من الرفاه، وهو عالم أوسع وأكبر من الدنيا. فالأساس الصحيح هو الذي بيّنه الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم، وبيّنه الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، نفسه، وذكره الصالحون من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله، كراراً ومراراً، وهو: الإمام عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، وثقافة عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه، التي لو طبّقها الناس وعملوا بها لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

على كلّ المفكّرين المسلمين، في الحوزات والجامعات وغيرها، أن يطبّقوا ثقافة الغدير في عالم اليوم الذي توجد فيه نسبة من الحريّات، حتى إن استغرق واستوجب هذا التطبيق عدّة سنوات. وهذا العمل من مصاديق نصرة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ومن يسعى في هذا السبيل سيكون مشمولاً بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم انصر من نصره.

الغدير يصنع إنساناً والخط المضاد يصنع ظالماً

قال مولانا الإمام عليّ الهادي صلوات الله عليه في الزيارة الغديرية مخاطباً جدّه الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «ولقد أوضَحْتَ ما أشكل من ذلك لمن توهّم وامترى بقولك صلى الله عليك قد يرى الحُوَّلُ القُلَّبُ وجه الحيلة ودونها حاجز من تقوى الله فيدعها رأي العين، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين».

إن معنى كلام الإمام صلوات الله عليه هو: إنني أعلم وجه الحِيَل ولكن يمنعني من ذلك تقوى الله تعالى، لكن غيّري لأنه عاصياً لله تعالى فإنه لا يتوانى عن فعل أي شيء، وعن استعمال أي مكر وأية حيلة.

إن للغدير تربية خاصة، وفي المقابل هنالك للخط المضاد للغدير أيضاً تربية خاصة به. فالملاك في تربية الغدير هي طاعة الله والعمل بأوامره ونواهيه في كل شيء، وبعبارة أخرى إن هدف الغدير هو الطاعة الكاملة لله تعالى.

أما الملاك في الخط المضاد للغدير فهو التسلّط والحكومة بأي ثمن كان ومهما كانت الوسيلة. وبعبارة أخرى إن الخط المضاد للغدير لا يعرف معنى لطاعة الله ولا للإمتثال لأوامره ونواهيه جلّ وعلا.

إن الغدير يصنع إنساناً، أما الخط المضاد للغدير فإنه يصنع ظالماً.

لقد حفل التاريخ بالكثير من الشواهد والنماذج ممن ترّبوا على تربية الغدير، ومنهم أبوذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه.

إن أباذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه كان في بادئ أمره ـ أي قبل الإسلام ـ من قطّاع الطرق، ولكنه وبعد أن اسلم وتربّى في مدرسة الغدير، صار من خلّص المؤمنين وارتقى في ذلك أن آل أمره بأن مات جوعاً وذلك بسبب دفاعه عن الغدير وعن ولاية الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ولقد حاول عثمان أن يستميل أباذر بأن أرسل إليه مقداراً من الأموال بواسطة أحد مواليه وكان قد وعده بالحرية إن قبلها منه أباذر، فلما رفضها قال مولى عثمان لأبي ذر: اقبلها فإن فيها عتقي، فقال له أبي ذر: لكن فيها رقّي.

ومن الذين ربّاهم الغدير هو محمد ابن أبي عمير. فقد كان ابن أبي عمير بزّازاً وكان ثرياً، وبسبب كونه من أصحاب الإمام الكاظم صلوات الله عليه، صادر هارون العباسي أمواله كلها وحبسه في السجن 17 عاماً ومارس بحقّه أشدّ أنواع التعذيب. وعندما خرج ابن أبي عمير من السجن، خرج فقيراً لا يملك حتى درهماً واحداً. وكان ابن أبي عمير قد أقرض شخص مبلغاً من المال قبل أن يودع السجن، فعندما أطلق سراح ابن أبي عمير جاء ذلك اشخص لزيارته، فرأى ما على ابن أبي عمير من الفقر، فقام ببيع داره وجاء بمبلغه وأعطاه لابن أبي عمير وقال له هذا دَينك ليّ. فامتنع ابن أبي عمير من أخذ المبلغ وقال له: سمعت من أبي عبد الله الصادق صلوات الله عليه أنه قال: «لا تُباع الدار بالدَين».

لقد كان بإمكان ابن أبي عمير أن يقبل المال من ذلك الشخص ولم يكن عليه أي حرج، لأن الشخص المذكور قام باختياره ببيع داره، لكن ابن أبي عمير امتنع عن قبول ذلك لأنه من تربية الغدير، مع أنه كان بأمسّ الحاجة حتى إلى الدرهم الواحد.

نعم، هكذا يربّي الغدير، أي مثل أبي ذر ومثل ابن أبي عمير. فالغدير يربّي الصالحين، وإن أباذر وابن ابي عمير ومن تربّى مثلهم على تربية الغدير هم الذين يربّون المجتمع الصالح والأمة الصالحة.

إن الذين حكموا باسم الإسلام وادّعوا أنهم خلفاء الرسول كذباً ودجلاً من بني أمية وبني العباس وغيرهم صنعوا قانوناً وجعلوه أساس حكمهم وسلطتهم، وهو: من لا يبرأ من عليّ يدفن حيّاً. وقد ارتكبوا جرّاء ذلك الكثير والكثير من الجرائم، ومنهم ابن زياد. ومن أفعال ابن زياد أنه قبض على ميثم التمّار رضوان الله تعالى عليه وقال له: لتبرأنّ من عليّ ولتذكرنّ مساوئه وتتولّى عثمان وتذكر محاسنه أو لأقطعنّ يديك ورجليك ولأصلبنّك. فلم يعمل ميثم بذلك واستشهد رضوان الله تعالى عليه.

ان الذين ربّاهم الغدير كانوا على ثبات في أمرهم وفي حبّهم وولائهم للإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بحيث لم يتنازلوا عن ذلك حتى بالظاهر أي بالتقية. فميثم التمار كان يعلم جيداً ويفهم معنى التقية ومجالات العمل بها، لكنه لم يعمل بها وفضّل الموت عليها.

أحياناً يكون الإنسان مخيّراً في العمل بالتقية أو عدم العمل بها، وهذا ما صرّحت به الروايات الشريفة، ولا إشكال في ذلك. فعمّار بن ياسر مثلاً عمل بالتقية فنجى من الموت، أما والداه فلم يعملا بالتقية واستشهدا. وأحياناً يكون العمل بالتقية حرام، لأنه يوجب إخفاء الحق. فأبي ذر كان يعلم أن العمل بالتقية يوجب إخفاء الحق ومساندة الباطل لذلك رفض ما أرسله عثمان، وقال: «قد أصبحت غنيّاً بولاية عليّ بن أبي طالب وعترته الهادين المهديين الراضين المرضيين الذين يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ».

انظروا إلى حال الدول الإسلامية اليوم، فكم فيها من المظالم كالتعذيب والقتل، والتفجيرات.

انظروا إلى العراق، فكم ارتكبت بحقّه الجرائم من قِبل الذين صنعهم الخطّ المضاد للغدير.

لقد ملأوا العراق بالمقابر الجماعية التي لازالت تكتشف إلى ساعتنا هذه، وكم قتلوا من الأبرياء في ذلك البلد، وكم فجّروا في كربلاء المقدّسة والنجف الأشرف والكاظمية المقدّسة وفجّروا المرقد الطاهر للإمامين العسكريين صلوات الله عليهما في سامراء المشرّفة. وكم فجّروا وقتلوا الأبرياء في باكستان وأفغانستان وفي غيرها من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية.

لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبة الغدير: «فليبلّغ الشاهد الغائب». وهذا الخطاب من رسول الله صلى الله عليه وآله يصدق علينا نحن أهل العلم. ففي طليعة مسؤولياتنا اليوم، بل وأهمها وعلى رأسها هي تعريف الغدير ومبادئ الغدير وأحكام الغدير وفكر الغدير وثقافة الغدير للبشرية جمعاء.

إن العمل بهذه المسؤولية اليوم ضروري جداً ولا يزاحم الواجب العيني.

لذا فمع تيسر الإمكانات في عصرنا الحالي، على أهل العلم الذين يتمتعون بطاقات وقدرات كبيرة، عليهم أن يقوموا بهذه المسؤولية ويؤدّوها، وهي تعريف ونشر الغدير للناس جميعاً.

الغدير ثقافة ومسؤولية وليست واقعة تاريخية فحسب

هذه الأيام هي أيام مباركة، وهي أيام أكبر أعياد الإسلام وهو عيد الغدير الأغرّ. وكل واحد منّا مسؤول تجاه نشر مبادئ الغدير في المجتمع وهي العدالة والفضيلة والرفاه، كل حسب قدرته وفهمه وعلمه، وهي مسؤولية عقلية، عقلائية، ومسؤولية شرعية.

هناك زيارة مأثورة للإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في يوم الغدير زاره بها الإمام الهادي سلام الله عليه ورواها الإمام الحسن العسكري عن أبيه الإمام الهادي صلوات الله عليهما. في هذه الزيارة يخاطب الإمام الهادي صلوات الله عليه فيها جدّه الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بقوله: «وَحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَواهِبِ الله لَك». فما هي تلك المواهب التي حيل بينها وبين تطبيق الإمام لها في الأمّة؟ أحيل بينه وبين مواهب الله تعالى للإمام صلوات الله عليه وهي علم الإمام، وأخلاقه، ومقامه وزهده، وعبادته؟

كلاّ، فكلّ هذه ثابتة له، ولم يستطع أحد أن يحول بينها وبين الإمام صلوات الله عليه.

لقد حيل بين الإمام سلام الله عليه وبين مواهبه الإلهيّة، أي منعوه من تطبيق ما وهبه الله تعالى له في إدارة شؤون الأمّة. وهذه الحيلولة قد أضرّت بالمسلمين أنفسهم.

فلو لم يُقْصَ سلام الله عليه وسُمح له بأن يحكم الأمّة مباشرة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله لكانت حكومته امتداداً كاملاً ودقيقاً لحكومة النبي صلى الله عليه وآله، وهذا معناه أنّ كلّ حالات العدل والفضيلة والرفاه التي كانت ستقام منذ ذلك اليوم كان نفعها يعود للأمّة؛ وتلك هي مواهب الله تعالى التي وهبها كلّها للإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه.

إن الغدير ثقافة ومسؤولية وليست واقعة تاريخية فحسب. وهذا الأمر نفهمه من خلال التعبير الدقيق والعميق للقرآن الكريم حول الغدير، وهو تعبير استثنائي لا يوجد نظير له في القرآن من جهات متعددة، وهي الآية الشريفة: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً»، وقد ذكر الخاصّة والعامّة في كتب التفسير والحديث والتاريخ بأن هذه الآية نزلت في يوم غدير خم في الثامن عشر من شهر ذي الحجّة الحرام سنة عشر للهجرة. علماً أن الغدير بدأ من أوائل البعثة أي من حادثة الدار، لكن الإعلان العام عنه كان في يوم غدير خم.

إن الدين أي الصلاة والصوم والحجّ وباقي العبادات وأحكام المعاملات كل ذلك كان موجوداً قبل الغدير ولكنه كان ناقصاً فكمل بيوم الغدير. وقبل الغدير كانت النعمة موجودة وهي شخصية النبي الأعظم وقوله وفعله وتقريره صلى الله عليه وآله ولكنها كانت غير تامة، فتمت بإعلان ولاية الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في غدير خم.

كما ان الله تبارك وتعالى لم يقل بأن الإسلام كان موجوداً فكمل وتم بل قال تعالى: «ورضيت لكم الإسلام ديناً» بيوم الغدير.

إن الإسلام مركب ارتباطي، فعدم وجود جزء منه يساوي عدم وجود باقي الأجزاء. فـ(أشهد لا إله إلاّ الله) جزء، و(أشهد أن محمداً رسول الله) جزء، و(أشهد أن عليّاً وليّ الله جزء) وعدم وجود أي جزء من ذلك يعني عدم وجود الباقي. فالتوحيد (أي لا إله إلاّ الله) هو أساس الإسلام كان موجوداً قبل الغدير، ولكن وجوده بدون الغدير يعني كالشجرة التي لها جذور وجذع وأغصان ولكنها بلا ثمار.

لقد بيّنت مولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله عليها في خطبتها الشريفة التبعات والمساوئ التي ستلحق القوم بإقصائهم الغدير وإقصائهم مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن الخلافة بقولها صلوات الله عليها: «ثمَّ احْتلِبوا ملء القعْبِ دَماً عَبيطاً»، فانظروا ماذا حلّ بالأمة بعد إقصاء الغدير من الجرائم والويلات والمآسي التي ارتكبها ممن سمّوا أنفسهم بأنهم خلفاء الرسول، وحكموا بإسم الإسلام وهم حكّام بني أمية وبني العباس والعثمانيين.

ذكر التاريخ أن أحد الحكّام في إحدى بلاد المسلمين انزعج من أمر ما فقتل في يوم واحد ألفي شخص وكان ذلك في شهر رمضان.

كما ذكروا أن امرأة ما قامت بعمل لم يرضي الحاكم، فأمر الأخير بأن تعرّى من ملابسها، ويشدّوا يديها ويربطوا رجليها بذيل الحصان، ويدعوا الحصان يركض بها إلى أن تموت.

إن هذه الجرائم وأمثالها، كلها قد ارتكبت باسم الإسلام، وهدم مراقد البقيع تم أيضاً باسم الإسلام، وتفجير الروضة العسكرية تم باسم الإسلام، فالمرتكب لهذه الجرائم ونظيره الذي يفجّر نفسه بين الأبرياء بحزام ناسف أو بسيارة مفخخة يبدأ فعلته النكراء بنداء «الله أكبر»، فهل هذا منطق الإسلام؟ وهل هذه الأفعال من الفضيلة والعدالة وداعية إلى الرفاه؟

إن المسيحي أو اليهودي أو البوذي أو المجوسي أو العلماني إذا رأى هذه الأفعال المنسوبة زوراً وبهتاناً إلى الإسلام، فهل سيقبل بالإسلام ديناً، وهل من الصحيح أن يُراد منه أن يقبل هكذا إسلام؟

إن مالك الأشتر النخعي رضوان الله عليه تربّى في مدرسة الغدير على يدي الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وقد نقلوا عن أحواله: ذات يوم كان مالك يمرّ في إحدى أزقة الكوفة، فاستهزأ به أحد الأشخاص ورمى عليه شيئاً من الأوساخ ولم يكن يعرفه، فقيل له ويحك إنه مالك الأشتر النخعي صاحب علي بن أبي طالب، فخاف الرجل واضطرب، فطفق يتبع أثر مالك، فوجد أن مالك قد دخل المسجد، فدخل أثره، وبدأ يعتذر منه، فقال له مالك: والله ما أتيت المسجد إلاّ لأصلي ركعتين قربة إلى الله تعالى ليغفر لك ما بدر منك تجاهي. وهذه هي تربية الغدير.

أما عن الذين أقصوا الغدير، فقد ذكر التاريخ أن زياد بن أبيه عامل معاوية على البصرة عند دخوله ذات مرّة في مسجد بالبصرة رماه بعض الحاضرين بالحصى، فأمر جلاوزته أن يغلقوا أبواب المسجد كلّها وأن لا يسمحوا بخروج أحد، ثم أمر بقطع أيدي الحاضرين كلّهم، فجمعت في ساحة المسجد ثمانين يداً.

إن المجتمع بحاجة إلى التربية وليس الانتقام، وبحاجة إلى الفضيلة لا التكبّر، وبحاجة إلى العدالة وليس الظلم، وبحاجة إلى أن يعيش برفاه، وهذه الأمور إن توفّرت في المجتمع فسيصلح وتقلّ المظالم فيه وتنعدم.

إن العدالة والفضيلة والرفاه، كل ذلك لا يتحقق في العالم وفي المجتمع إلاّ بالعمل بسيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وبسيرة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبمبادئ الغدير. فدنيا اليوم تنعم بنسبة من الحرية فيجب تعريف مبادئ الغدير، وهذه مسؤولية الجميع، وهي على أهل العلم مسؤولية أكبر، وبحاجة إلى الهمة. فيجدر بالجميع أن يقوموا بأعباء هذه المسؤولية الكبيرة والمهمة وأن لا يقصّروا في ذلك.

اضف تعليق