على أعتاب حلول شهر رمضان العظيم 1443 للهجرة، ألقى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، كلمة قيّمة، بالتجمّع الكبير للمبلّغين ورجال الدين والفضلاء وطلبة العلوم الدينية، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، مساء يوم الأربعاء المصادف للسادس والعشرين من شهر شعبان المعظّم 1443 للهجرة (30/3/2022م)، قال فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم

نحن على أعتاب شهر رمضان العظيم. وهذا الشهر كسائر السنين سيأتي وينتهي. فكل مؤمن ومؤمنة، في العالم كلّه، إن يصمّما على الاستفادة أحسن من هذا الشهر، فسينالا توفيقاً أكثر. فعلى المرء أن يصمّم للاستفادة من عمره في الدنيا أحسن الاستفادة، حتى يحصّل على النتيجة المطلوبة في الآخرة الخالدة.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يعجّل في الظهور الشريف لمولانا بقيّة الله الأعظم عجّل الله تعالى فرجه الشريف، حتى تزول المشاكل التي لفّت الدنيا كلّها، بالأخص البلاد الإسلامية. وقد قال سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله (مضمونه) أنّه سيبقى من الإسلام اسمه فقط، وهذا ما حدث في عصرنا الحاضر. وأرجو بظهور الإمام صلوات الله عليه أن يرجع الإسلام إلى مكانته.

وأوضح سماحته دام ظله:

بإمكان المرء أن يحصل على أمرين في شهر رمضان العظيم:

الأول: تهذيب النفس وترقيتها. فباستطاعة الإنسان أن يلتزم بالواجبات والمستحبّات في شهر رمضان، ويتجنّب الذنوب والمحرّمات. فقد نقل المرحوم السيّد أحمد الخاتمي، أنّه سألوا المرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازي حول المرحوم الميرزا السيّد مهدي الشيرازي قدّس سرّهما، فقال: لقد عاصرته خمسة وعشرين سنة، ولن أراه قد أتى بمكروه. وهذا المطلب نفسه قاله المرحوم الميرزا مهدي حول المرحوم السيّد عبد الهادي. ولا شكّ أنّ جهاد النفس الأمّارة بالسوء والشيطان، صعب جدّاً، ولكن شهر رمضان العظيم، ولجهة أجوائه المناسبة والأدعية يمكن أن يعين على تهذيب النفس.

جاء في إحدى أدعية الليلة الأولى من شهر رمضان العظيم: (اللهم أدخله علينا بالسلامة والإسلام). وهذا ما يطلبه مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه من الله تعالى. والمراد من الإسلام في كلام الإمام الصادق عليه السلام، هو الإسلام الحقيقي، وليس إسلام معاوية وأضرابه. ولذا على الإنسان بنفسه أن يصمّم بإن يكون ضمن إطار الإسلام الحقيقي، فالله تعالى لا يجبر أحداً على أن يكون حسناً، بل يوفّقه لذلك.

يقول القرآن الكريم حول المنافقين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: (هم العدوّ). وقد كان بإمكان اولئك الأصحاب أن ينتفعوا من توفيق خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله، لكنهم لم يستفيدوا.

وبيّن سماحته دام ظله:

الشيء الذي يجب أن نطلبه من الله تعالى هو الإيمان، أي أن ندخل الشهر الكريم بإيمان. فقد جاء في دعاء الإمام الصادق صلوات الله عليه: (واليقين والإيمان).

لقد جعل الله تعالى في باطن الإنسان، قوّة باسم الشكّ والخيال، وهي التي تبلي الإنسان بالتشكيك، وتجعلها بمواجهة قوّة اليقين. وأول مراحل الإيمان، الاعتقاد بالله تعالى وبالنبي الكريم صلى الله عليه وآله والمعصومين عليهم السلام.

كذلك في سياق الدعاء نصل إلى كلمة (البرّ) أي الخير والإحسان. ويعني أن نطلب من الله جلّ وعلا أن يدخلنا شهر رمضان بلا حقد ورياء وغيرهما. ويقول مولانا الإمام الصادق عليه السلام في الدعاء: (والتوفيق لما تحبّ وترضى)، ويعني يجب تحصيل رضا الله في هذا الشهر. فعلى الإنسان أن يعرف، ما الذي يريده الله تعالى منه لكي يقوم به، وحتى في حال تزاحم المستحبّات، عليه تجنّبها.

وأضاف سماحته بقوله:

من الموارد التي يجب على المرء أن يهتمّ بها في شهر رمضان العظيم، هداية العائلة والأقارب ومن حوله، وهذا الأمر بحاجة إلى العزم والتصميم والسعي. فحقّاً، يؤسف له أن لا يكون للمرء تصميماً على التغيير والتحوّل مع بدء شهر رمضان العظيم، ولا يقوم برفع نواقصه الدينية الشخصية ونواقص غيره. بلى، من المشاكل الموجودة اليوم، هو ابتلاء الناس بحكومات غير صالحة، وهذا بحاجة إلى السعي، والدعاء، والتصدّق، وحتى الصبر. فعلى الإنسان أن يصبر تجاه بعض الابتلاءات، لأنّه ليس بصالحه رفعها.

إذن، على المؤمن إن يستفيد من فرصة شهر رمضان العظيم، وأن يتزوّد لآخرته بعد موته. فعليه أن لا ينسى الموت والحياة بعد الموت أصلاً، حيث ينقطع عن الدنيا، ووفقاً لما تذكره الروايات، لا يمكنه أن يضيف حتى حسنة واحدة في صحيفة أعماله. ولذلك، فإنّ تهذيب النفس، واجب يجب الاهتمام به طول السنة، ولكن شهر رمضان العظيم هو ربيع بناء النفس وتهذيبها. وبهذا الخصوص، يجب التعلّم من الأكابر، فنبتعد عن الذنوب، بل وعن المكروهات. وشهر رمضان العظيم فرصة مناسبة لكي يهتمّ المرء بذلك. فيجدر بالجميع أن يعرفوا مسؤوليتهم أمام الله تعالى، ويبدؤوا بالعمل بها من هذا الشهر المبارك.

ثم ذكر سماحته دام ظله، الأمر الثاني، وقال:

الأمر الثاني هي ممارسة التبليغ، التي أكّد رسول الله صلى الله عليه وآله عليها كراراً، وهذه مسؤولية الجميع. فلقد كرّرها رسول الله صلى الله عليه وآله مرّات ومرّات في خطبة الغدير وفي مواقف أخرى. فإبلاغ الواجبات في دنيا اليوم ليس بمستوى الكفاية، وهذا الأمر على عاتق من يمكنهم ممارسة التبليغ، ولكنّهم قصّروا.

كذلك إنّ من موارد التقصير، هو التقصير في تبليغ العقائد، فيجب الاهتمام به.

يقول القرآن الكريم: (إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً). وهذا ما حدث في السنة الثامنة بعد الهجرة. ولكن انظروا إلى عالم اليوم، هل يقبل الناس على الإسلام ويدخلون فيه؟ والجواب هو النفي. فيجب الاهتمام بهذا الأمر، ورفع النواقص.

بعد استشهاد نبي الإسلام صلى الله عليه وآله، حرّفوا أصل الإسلام، ولم يُعمل بالإسلام الصحيح إلاّ في السنين المعدودة من حكومة الإمام علي عليه السلام. وبعد الإمام لم ينمو الإسلام في عصور حكومات سائر من حَكَم، والسبب هو العمل الخاطئ وغير اللائق من الحكّام.

وأشار سماحته دام ظله إلى مساوئ الإسلام الكاذب، وقال:

لا شكّ أنّ الإسلام الكاذب هو أسوأ وأخطر، فيجب توضيح هذا الأمر للناس وتبيينه لهم. وهذا العمل بحاجة إلى السعي وإلى ميزانية مالية، وغيرها من الأمور التي يجب توفيرها. فالإمام الحسين عليه السلام استشهد بسبب الإسلام الكاذب، وقتل عليه السلام بيد بعض من كان يسمّي نفسه من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله.

لذا من القضايا المهمّة جدّاً وهي من الواجب العيني، هي قضية تعريف الإسلام الحقيقي، الذي أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام في دعائه. ومن الأمور التي قُصّر بحقّها هي قضية تعريف إمامة الأئمة المعصومين عليهم السلام، فيجب العمل والقيام بالفعاليات لأجلها، أكثر وأكثر.

بالخصوص المذكور، تعدّ القنوات الفضائية من أهم وسائل تعريف الإسلام الحقيقي وتبيينه للناس، وتميّزه عن الإسلام الكاذب. فأعداء الدين والمذهب يستفيدون كثيراً من هذه الوسيلة، فيجب على الشيعة أن يستفيدوا منها. فالجرائم التي ارتكبتها داعش وأمثالها، ارتكبوها ـ حسب ادّعائهم ـ قربة إلى الله وباسم الإسلام. وهذا ما يجب أن يعرفه العالم، بأنّ مثل هذه التصرّفات ليست من الإسلام.

وأردف سماحته دام ظله، بقوله:

ذكر التاريخ، أنّ المنصور العباسي، استدعى الإمام الصادق عليه السلام، وخاطبه بـ(ياعدوّ الله)! وقد ذكر صاحب كتاب (البحر الزخّار الجامع لمذاهب علماء الأمصار) فتاوى للمنصور! أي جعله ممن يؤخذ منه الأحكام الشرعية! ثم ذكر سماحته دام ظله جوانب من جمال الإسلام وقال:

بعد فتح مكّة، لم يجبر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حتى شخص واحد على الإسلام، وكذلك الإمام علي عليه السلام، لم يجبر أحداً على بيعته حينما تسلّم الحكومة. وهذا من جمال الإسلام الذي يجب أن يعرفه العالم كلّه.

كما إنّ المسلمين أهانوا رسول الله صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام في زمن حكومتيهما، كراراً، لكنّهما صلوات الله عليهما وآلهما لم يصدر منهما أي تصرّف تجاه تلك الإهانات أو أي ردّ فعل. فلماذا يُحرم العالم من معرفة هذه السيرة وهذا المنطق؟! فيجب السعي لتبيين مثل هذه الأمور للعالم أجمع.

كذلك بعضهم، وكما ذكره القرآن الكريم، نسب إلى شخص النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، كلمة (الأذلّ) في زمن دولته. لكنه صلى الله عليه وآله عفا عنه. وهذا التصرّف لا نظير له ولا يعرفه العالم.

كما أهانوا الإمام علي عليه السلام في زمن حكومته، مرّات ومرّات، ولكن لم يصدر منه عليه السلام أي ردّ فعل. ولكن عن معاوية فقد ذكر التاريخ، أنّه في حادثة واحدة قتل أكثر من ثلاثين ألف شخص، بتهمة إهانته. ومثله كان يصدر من المتوكّل أيضاً. فقد كتب التاريخ أنّه في مورد واحد، قام أحد جنود المتوكّل بحرق قرابة خمسين ألف شخص في إحدى المناطق وهم أحياء. وهذا ليس من سيرة نبيّ الإسلام ولا من سيرة الإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما. ومن المؤسف أنّ ابن العربي ينسب صفات النبي الكريم صلى الله عليه وآله إلى المتوكّل!

أما النبي الكريم والإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما، لم يسجنا حتى شخص واحد بسبب إهانته لهما. وهذا التصرّف هو ملاك الإسلام، وليس تصرّفات معاوية وأشكاله. وفي قضية ما، أمر المنصور العباسي بحرق بيت الإمام الصادق عليه السلام، وفعلها جلاوزته، ولكن وبإرادة الله تعالى لم يصب الإمام عليه السلام بأذى، فخرج الإمام عليه السلام يتخطّى النار ويمشي فيها ويقول: أنا ابن أعراق الثرى، أنا ابن إبراهيم خليل الله عليه السلام. فلما كان الغد دخل عليه بعض شيعته يسلّونه، فوجدوه حزيناً باكياً، فقالوا: ممن هذا التأثّر والبكاء؟ أمن جرأة القوم عليكم أهل البيت، وليس منهم بأول مرّة؟! أي ليست هذه المرّة الأولى التي تحرق فيها دوركم. فقال الإمام عليه ‌السلام: اعلموا أنّه لما أخذت النار ما في الدهليز نظرت إلى نسائي وبناتي يتراكضن في الدار من حجرة إلى حجرة ومن مكان إلى مكان، هذا وأنا معهنّ، فتذكّرت روعة عيال جدّي الحسين عليه ‌السلام يوم عاشوراء لما هجم القوم عليهنّ والمنادي ينادي: أحرقوا بيوت الظالمين.

إنّ قضية عاشوراء من أفجع الجرائم وأفظعها في تاريخ البشرية، ويجب أن يعرفها العالم. فاستفيدوا من مختلف الوسائل والإمكانات الموجودة اليوم، لتعريفها للعالم.

وشدّد سماحته دام ظله بقوله:

ذكر تاريخ العامّة أنّ الإمام علي عليه السلام، كان يأتيه في زمن حكومته، أي طوال أربع سنوات، خراج مصر، ولكن لم يصرف حتى درهم واحد منه لمصاريفه الشخصية. وأما معاوية، فقد كان يصله أطنان من الذهب من مصر في كل سنة، وكان يصادر ثلثه لأموره الشخصية. فيجب أن يعرف العالم مثل هذا الفرق من التعامل. فالإسلام الموجود في الدول الإسلامية اليوم، هو بعيد عن سيرة النبي والإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما، أي الإسلام نفسه الذي قال بحقّه رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يبقى منه إلاّ اسمه.

إذن، إنّ تبليغ الإسلام في العصر الحاضر من الضروريات. فيجب على الأثرياء أن يقوموا بالتمويل في هذا السبيل، ويجب على الشباب أن يطالعوا التاريخ، ويتعرّفوا على مثل ما ذكرناه، ويوصلوه إلى العالم. ويجب عيناً على الجميع، في شهر رمضان العظيم، ممارسة التبليغ وتعليم الناس.

وختم سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، كلمته القيّمة، وقال:

أوصي الشباب، بنين وبنات، أن يعرّفوا الإسلام الصحيح إلى العالم في شهر رمضان العظيم. ومن يقصّر في هذا الأمر فسيصاب بالخسران. فأسأل الله تبارك وتعالى، أن يوفّق الجميع في هذا الشهر، لكي يستفيدوا من وسائل اليوم، لإيصال الإسلام الحقيقي والصحيح للعالم أجمع.

كما على الحكومات الإسلامية أن تكون عندهم الغيرة بأن يتعلّموا من نبي الإسلام والإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما. فمن الغلط ومن غير الصحيح أصلاً، أن يذكروا ما يسمّى بالفتوحات الإسلامية التي وصفتها الروايات الشريفة بأنّها من الخطأ وغير صحيحة. فكل حروب النبي والإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما كانت دفاعية، ولم يبدءا عليهما السلام بأيّ حرب أبداً، وهذا ما يجب أن يعرفه العالم، وشهر رمضان العظيم هو خير فرصة لذلك.

وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين.

اضف تعليق