(من خاف لخوفنا أظلّه الله في ظلّ عرشه)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين[1]

عندما نُحيي عاشوراء وشعائرها فإننا نحيي في أنفسنا مجموعة من القيم والمفاهيم التي أحياها الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه المنتجبون، والتي لا تتكرر في تاريخ البشرية، في ملحمة بطولية ثورية وتغيرية مثل ملحمة كربلاء العظيمة، التي صارت فصل الخطاب ومفصل الصواب والحد الفاصل بين الحق والباطل؛ وعلى هذا الأساس فقد زرعت فينا جذوة الحب والعشق لزيارة هذا الإمام الهمام (عليه السلام) والاستلهام من معينه الذي لا ينضب، على الرغم من محاولات الظالمين والمتجبّرين منع هذه القضية وطمس معالمها المشرقة.

التأكيد على زيارة الحسين عليه السلام حتى مع الخوف

هناك رواية وردت عن عبد الله بن بكير وهو أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) الثقات يقول فيها:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني أنزل الأرجان وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح، فقال (عليه السلام): يا ابن بكير أما تحبّ أن يراك الله فينا خائفاً؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظلّه الله في ظلّ عرشه وكان محدّثه الحسين (عليه السلام) تحت العرش، وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس ولايفزع، فإن فزع وقّرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة[2].

يمكن ومن خلال هذه الرواية اِستخلاص واستنتاج بعض الأمور والقضايا:

لقد كانت زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) على مرِّ العصور والدهور مقرونة ومتزامنة مع حالة من الخوف والتضحية وتحمّل المشاقّ والصعاب والآلام، إذ كان الطغاة والحكام الفسدة وأهل الجور يمارسون مختلف الأساليب والطرق لمنع الناس من التوجّه لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، بل الأكثر من ذلك أن ذكر إسمه الشريف وحده كان يثير حفيظتهم ويقضّ مضاجعهم، فأخذوا يشددون الخناق على أولئك الذين يقيمون الشعائر وينصبون المآتم ويذهبون إلى الزيارة، وأرادوا للأمة الابتعاد عن النهضة الحسينية بكل أبعادها وأشكالها.

ومن هنا جاء التأكيد من الإمام الصادق (عليه السلام) على مسألة حثّ الشيعة على زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) على الرغم من الخوف والقتل وبقية الصعاب والمعوقات الاخرى التي تواجههم.

مما لا شك فيه أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قدّم كل ما عنده من أجل نصرة الدين وإعلاء كلمة الله في الأرض، فحينما حفّت المخاطر بالعقيدة اندفع للتضحية والشهادة؛ لذا فإن الله سبحانه وتعالى رفع شأنه وعظَّم مكانه وأعطاه خصوصيات وامتيازات انفرد بها من بين العالمين، فأضحت الشعائر وإقامة التعازي والمراثي والبكاء عليه وزيارته كلُّها من شعائر الله تعالى.

وقد منحه ميزة لا توجد في كلّ العبادات حتى الواجب منها فضلاً عن الأمور والقضايا المستحبة وهي عدم رفع جوازها ولا استحبابها ـ أي الزيارة ـ حتى مع وجود الخوف.

إننا حينما نراجع الرسائل العملية للفقهاء والمراجع العظام والكتب الفقهية من قبيل كتاب الشرائع واللمعة وجواهر الكلام وغيرها نجد أنهم يفتون بوجوب ترك الواجب إذا اقترن ذلك الواجب مع الخوف الإ في الجهاد والحروب والتي يكون من طبيعتها عادة وجود وملازمة مع الخوف، ولا نجد أي عبادة أخرى في الدين الإسلامي الحنيف تبقى على حكمها مع حالة الخوف سواء كانت تلك العبادة واجبة أو مستحبة.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الصلاة والتي هي من الواجبات المؤكدة في الشريعة المقدسة (أول ما يحاسب به العبد، فإن قُبلت قُبل ماسواها)[3] ومع ذلك فإن المرء قادر على تأخيرها والإتيان بها قضاءً إذا اقترنت بالخوف، وكذلك الصوم الواجب والذي يعتبر من العبادات المهمة في الإسلام؛ إذا ما شعر الشخص بالخوف من الإتيان به فعليه أن يفطر ويقضيه في وقت آخر.

وأيضاً الحج والذي هو من أركان الإسلام الحنيف، حتى ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال عنه: (من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحجّ أو سلطان يمنعه فليمت يهودياً أو نصرانياً)[4] ومع هذا التأكيد الوارد فيه فإن من شروطه عدم الخوف، وقد عبّر الفقهاء الأعلام عن هذا الشرط بتعبير السرب، أي إذا وقع الحج مع حالة الخوف فلن يكون مقبولاً ومجزياً، وعلى المكلف إعادته إن كان حجه واجباً.

وأما الشعائر الحسينية التي على رأسها زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) فإنّ المبنى المشهور عند فقهائنا استحبابها وليس الوجوب، فهي لا تسقط مع الخوف، ومعنى ذلك استحبابها فضلاً عن جوازها، ومن هذا المنطلق جاء حديث الإمام الصادق (عليه السلام) في جوابه لأبي بكير (أما تحب أن يراك الله خائفاً فينا) وهذا التعبير انفرد به الإمام الحسين (عليه السلام) ولم يسمع حديث عن المعصومين (عليهم السلام) يشيرون فيه إلى عبادة أخرى.

ومن المؤكد فإن الروايات الواردة في خصوص ذلك متواترة وكثيرة، فقد وردت هذه الرواية عن بكير ورواية مشابهة عن مسمع وروايات عن أصحاب الأئمة الاخرين ووضعت في كتبنا ومصادرنا تحت باب سُميَّ باسم (باب استحباب زيارة الإمام الحسين على خوف)، ولو فتّشنا جميع الكتب الروائية فلن نعثر على باب في وجوب أو استحباب عبادة من العبادات الأخرى على خوف.

تضحيات محبّي الإمام الحسين عليه السلام

ومن الشواهد التي لا تحتاج الى الكثير من الدلائل والبينات إصرار الشيعة ومحبّي الإمام الحسين (عليه السلام) على مواصلة نهجه ودربه مهما كلّف ذلك من تضحيات ودماء، وإحياء شعائره مع حالات الخوف والمضايقات والممارسات القمعية من قبل الحكام والرؤساء على مر التاريخ، فقبل فترة جاء أحد الإخوة من أبناء الشعب العراقي وحكى لي قصة حدثت معه و مجموعة من أصدقائه وذلك في زمن الطاغية (صدام) حينما عزموا الذهاب الى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في زيارة الأربعينية فقال: منع الطاغية (صدام) شعيرة المشي الى الإمام الحسين (عليه السلام)، وقام بنشر الشرطة والجيش في جميع الطرق والمدن المؤدية الى كربلاء، وكانوا يطلقون النار على كل من يشاهدونه ويظفرون به من أولئك المشاة، ولهذا لم يكن الناس يذهبون على شكل جماعات كبيرة بل كانوا يشكلون فيما بينهم مجاميع صغيرة ليتسنّى لهم الهرب من أعين جلاوزة وأعوان هذا الظالم اذا تطلّب الأمر ذلك، ومع هذا فقد استشهد في هذا الطريق العشرات من الزوّار قدّموا أنفسهم قرابين في سبيل نهج ومبادئ وأهداف الإمام (عليه السلام).

فذهبنا نحن مجموعة صغيرة وارتدينا الملابس السوداء والداكنة وكنا لا نحمل معنا حتى العصي التي تساعدنا في المشي كثيراً، كلّ ذلك مخافة أن تعكس بعض النور وبالتالي يتمُ كشفنا من قبل الشرطة وأزلام النظام الكافر وأولئك الذين كانوا يسمَّون برجال الأمن والاستخبارات، كنا نسير نهاراً في الأماكن والمناطق الزراعية المحفوفة بالأشجار والزروع، والمشتملة على الأبنية ونتوقّف ليلاً، واما في المناطق المكشوفة مثل الصحراء فكنا نستريح في النهار ونسير طوال الليل لعدم وجود الحواجز.

وفي إحدى الليالي وصلنا الى نهر وعليه قنطرة مكشوفة ولكنها بعيدة عنّا، ولم تكن في هذه المنطقة غيرها لنعبر عليها، فبحثنا عن خشبة كبيرة لنجعل منها جسراً، وبعد جهد جهيد لم نعثر إلا على قطعة من الخشب كانت أقصر من عرض النهر، فتبرّع أحدنا وكان شاباً قويّ البنية والهيكل بأن يحمل طرفها على كتفه ويبقى في النهر ويوضع الطرف الآخر على ضفة النهر، وبعد ذلك قمنا بالعبور الواحد تلو الآخر، ومن ثم قمنا بإخراج هذا الشاب من النهر بعد أن كان قد انغمس جسمه في الطين وأصيب بأعياء وتعب شديد، باعتبار أن العمل الذي قام به لم يكن بالشيء السهل، فقد كان الطين رخواً وكان الوقوف عليه شيئاً صعباً للغاية، سيما مع حمل الخشبة ومرورنا عليها وقد وفّق لذلك، ولكن في تلك اللحظة خرجت حية من النهر فلدغته في رجله فتورّمت واسودّت بسرعة فائقة وسقط يتلوّى من شدة الألم ولا ندري ماذا نعمل؟ وماذا عسانا أن نفعل؟ إذ لا توجد مستشفى بالقرب من هذا المكان لنأخذه إليه، ولم يكن من الصلاح أن نتأخر أكثر من ذلك، حيث كنا نخشى من الشرطة، ومن جهة أخرى فقد أصبنا باليأس من حاله كما يئس هو أيضاً من حالته، وأدرك بأن لا فائدة من بقائنا معه، فقال لنا اذهبوا أنتم واتركوني في مكاني فإني ميت لا محالة، وخاطب الإمام الحسين (عليه السلام) قائلاً: سيدي ومولاي كنت أحبّ أن آتي إلى زيارتك، ولكني معذور كما ترى.

فودّعناه على مضض وواصلنا المسيرة مضطرّين والخوف قد أخذ منا مأخذاً عظيماً، وبعد لحظات اختفى عن أنظارنا، فقرّرنا الإسراع في السير لأنه كانت أمامنا مسافة طويلة لكي نقطع الصحراء قبل بزوغ خيط الفجر، ولكن ما إن مشيناً مسافة حتى سمعنا صوتاً يشبه صوت ذلك الشاب ينادينا من الخلف، فالتفتنا فإذا به قد التحق بنا، فأصابنا نوع من الدهشة والتعجب إذ كيف استطاع المشي في الوقت الذي كان عاجزاً حتى عن الوقوف والحركة، ونظرنا الى رجله فإذا هي معافاة سالمة وقد اختفت آثار الورم والسواد.

ولما سألنا عن ذلك قال: بعد أن ذهبتم توجّهت الى الإمام الحسين (عليه السلام) منكسر القلب آيساً من الحياة فطلبت أن يشفع لي في الدار الآخرة.. وبينما أنا في هذه الحالة المنكسرة وإذا بشخص قد حضر عندي، فانتابني الخوف والفزع في بداية الأمر من أن يكون من أعوان النظام، ولكن سرعان مازال الخوف وتبدّل الى حالة من الطمأنينة والأمن، ثم ألقيت نظرة على شمائله فحدث لي ارتياح لا يوصف بعد ذلك سأل عن حالي فاقترب مني أكثر ثم مسح على رجلي وقال: أنت معافى وسليم، انهض واذهب مع جماعتك للزيارة، ثم رحل وابتعد.

انتبهت إلى نفسي وقلت هل يمكنني القيام والمشي؟ وبينما أنا في هذه الحالة عزمت على النهوض وبالفعل فقد نهضت وشعرت بأنني قادر على المشي، فها أنا قد التحقت بكم.

وصايا المرجعية الرشيدة

لقد كان أخي المرجع الراحل يوصي المؤمنين الكرام دوماً بوصايا قرآنية أو وصايا واردة عن بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)، تزيد من عزيمتهم وإصرارهم، وأنا بدوري أوصي المؤمنين بوصيتين ضروريتين وهما:

الأولى: السعي الى إبعاد النزاعات الشخصية والخلافات الفردية والعامة عن القضية الحسينية وشعائرها، وعلى الإخوة الأعزاء ترك النزاعات جانباً والمشاركة صفّاً واحداً في المراسيم المقامة وإحيائها بأفضل صورة، باعتبارها محلاً للتقرب إلى الله عز وجل ومظهراً من مظاهر قوة المذهب وأحقيته.

الثانية: العمل على احتضان وكسب جميع الأفراد والأشخاص وجلبهم إلى الشعائر والمجالس الحسينية، حتى وإن كانوا من أصحاب الذنوب والمعاصي ومن الذين لم تنفتح قلوبهم لكلمة الحق، وبذل قصارى الجهود في هدايتهم وإصلاحهم إلى الطريق القويم.

وما أكثر الذين صلحوا ورجعوا إلى صوابهم ورشدهم عن هذا الطريق، فحينما نقرأ القصص التاريخية والمعاصرة نرى فيها العديد من الأشخاص الذين كانوا بعيدين كل البعد عن الله سبحانه وتعالى وفريضة الصلاة والصوم والحج وبقية العبادات الأخرى ولكنهم اهتدوا بفضل بركات الإمام الحسين (عليه السلام) ومجالسه وشعائره المقدسة وبلغوا الدرجات السامقة الرفيعة.

وعلى هذا الأساس فإن هناك وظيفة شرعية دينية تحتّم على الجميع العمل بكل الوسائل والأساليب الممكنة لترغيب هؤلاء للحضور والمشاركة، وتقديم النصح والوعظ لهم؛ لتكونوا أنتم كذلك من الذين شاركوا وساهموا في هدايتهم وبذلك تنالوا الأجر والثواب الجزيل.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنه لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل: الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة)[5].

وقد شاهد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) هذه العبارة مكتوبة عندما عرج به الى السماء ليريه الله من آياته الكبرى، فكانت هذه من تلك الآيات الكبرى.

ومن المؤكد فإن المسلم الضالّ والمذنب ليس وحده من يهتدي بنور الإمام الحسين (عليه السلام) بل كل إنسان سليم الفطرة ونقي القلب مهما بلغت درجته واينما كان في هذه الأرض فإنه يهتدي بالإمام سيد الشهداء (عليه السلام).

وعلينا جميعاً التحلي بالأخلاق الفاضلة والحسنة وأن نضع الإمام الحسين (عليه السلام) وسيلة للتكامل والهداية.

أسال الله عز وجل أن يتقبل أعمال المؤمنين في كل مكان وأن يزيد من توفيقاتهم في هذين الشهرين الكريمين محرم الحرام وصفر ببركة سفينة النجاة ومصباح الهدى الإمام الحسين (عليه السلام).

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

..........................................
[1]. محاضرة القاها سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي بجمع من مسؤولي وأعضاء الهيئات والمواكب الحسينية في يوم الثامن والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام لسنة 1428 للهجرة.
[2]. الكامل في الزيارات: الباب 45/ ثواب من زار الحسين (عليه السلام) وعلى الخوف/ ص125، ح2.
[3]. وسائل الشيعة: ج4/ باب وجوب المحافظة على الصلوات في...، ص108، ح4636.
[4]. فروع الكافي: ج4، باب من سوّف الحج وهو مستطيع/ ص268، ح1.
[5]. عيون أخبار الإمام الرضا: ج2/ باب31، ص62.

اضف تعليق