ناقش مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات وضمن نشاطاته الفكرية الشهرية موضوعا حمل عنوان (دور المنظمات غير الحكومية في صياغة وبلورة المبادرات الاجتماعية)، بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية والصحفية في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي يعقد بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام.

قدم الورقة النقاشية وأدار الجلسة الحوارية الدكتور علاء إبراهيم الحسيني أستاذ جامعي وباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، وابتدأ حديثه قائلا؛

"تهدف المبادرات المجتمعية لزيادة رفاهية المجتمع، ومعالجة المشاكل والحد من تأثيراتها السلبية، وبالغالب تكرس لوضع الحلول الناجعة لمشاكل ذات خطر عام كالإدمان على المخدرات أو التشرد أو العنف الأسري، فالمبادرة المجتمعية عبارة عن خطة أو برنامج هادف لصياغة حلول جماعية لمشكلات ذات بعد عام، أو هي العمل المخطط له ليتم تنفيذه خلال مدة زمنية معينة الغاية منه تحقيق هدف مشترك، فالمبادرة تعني السبق نحو فكرة إيجابية والوصول إليها قبل الآخرين أو بمساعدتهم، وقد تعني السبق قبل النصح والتوجيه، فهي محاولة جماعية أو شخصية تهدف إلى إحداث التغيير الإيجابي بتلبية حاجة جماعية أو ذات نفع عام.

ويصنف البعض وبحق منظمات المجتمع المدني على أنها مبادرة اجتماعية طالما التزم مؤسسوها والقائمين عليها بالعمل التطوعي، ولابد من الأخذ بنظر الاعتبار إن المبادرة الاجتماعية لا ترتبط بمحيط جغرافي محدد فالمجتمع الذي نعنيه لا يعني المدينة أو القرية أو حتى المحافظة، بل قد يأخذ معنى أوسع بكثير فقد يرتبط بالمجتمع المستهدف بالمبادرة برابط ثقافي فيتشارك أفراده بتراث ثقافي أو ديني أو لغوي أو اهتمامات مشتركة، وبالمعنى الآخر حين نستهدف مدينة معينة فلا يعني شمول جميع القاطنين فيها بل قد يقتصر على فئات محددة كالفقراء مثلاً، أو الأيتام، أو ما شاكل ذلك.

ومما يشار إليه إن العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي باتت حقيقة لا يمكن تجاهلها وبالغالب هي تعبر عن مجتمع كبير من الأفراد يمكن إن يشهد العديد من المبادرات الاجتماعية التطوعية أو على الأقل يكون الوسيط لنجاح تلك المبادرات، كما يلاحظ وبحق إن المبادرات تدل على حيوية المجتمع كونها تهدف إلى النهوض بالفئات الاجتماعية المحتاجة، كما أنها دلالة على السمو الأخلاقي والثقافي وسيادة روح الإيثار والإحساس بالهم المجتمعي، إذ تسد حالة النقص أو القصور الرسمي الذي يفرط من السلطات العامة، وقد حثنا الدين الإسلامي الحنيف إلى المبادرة في الكثير من المواطن كون ما تقدم يعني ارتباط الإيمان الحقيقي بالسلوك اليومي للإنسان المسلم وتحوله إلى عالم الفضيلة وترك عالم المادة يقول تعالى "وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"، وقد ورد الحث على فعل الخير مطلقاً في الكثير من الآيات القرآنية الكريمة منها قوله تعالى "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ "و"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ..".

أخيراً نجد إن قانون المنظمات غير الحكومية وتعليمات تسهيل تنفيذ أحكام القانون رقم (12) لسنة 2010 كانت متخلفة جداً لتحقيق الغاية والهدف المتمثل بتشجيع المبادرات الاجتماعية أو تمكين المنظمات غير الحكومية لأخذ زمام المبادرة في اقتراح ومتابعة المبادرات".

وللاستزادة من الآراء والمداخلات حول الموضوع نطرح السؤالين الآتيين:

السؤال الأول: كيف يمكن للمنظمات غير الحكومية إن تبادر إلى أخذ دور قيادي وملهم في التشجيع على المبادرات وإنجاحها؟

السؤال الثاني: ما المبادرات اللازمة للنهوض بالمجتمع وبث روح الإقدام والمواطنة الإيجابية؟.

المداخلات

الباحث جواد العطار:

"تعاني المنظمات غير الحكومية في العراق من مرض الروتين الإداري الذي قلص دورها من خلال: ضرورة تسجيلها حكوميا (دائرة المنظمات غير الحكومية) أولا؛ و ثانيا فرض قيود على عملها؛ وثالثا إلزامها بتقديم حسابات سنوية (حالها حال الشركات التجارية)؛ ورابعا تهيئة موقع دائم؛ و خامسا تعيين موظفين دائمين؛.

كل ما تقدم حد من نشاط المنظمات غير الحكومية وأصبح تأسيسها عبئا ماليا على القائمين عليها قبل القيام بأي نشاط، ما يجعلهم ينشغلون بالقضايا الفرعية عن الغاية من تأسيس المنظمة ذاتها... ولم يبقى إمام منظمات المجتمع المدني إلا خيارين: إما العمل ضمن الضوابط الرسمية وإهمال الغاية الأساسية للمنظمة، أو العمل خارج ضوابط قانون المنظمات غير الحكومية رقم ١٢ لسنة ٢٠١٠ والتعرض للمسائلة القانونية.

إن الغاية من تشجيع روح المبادرة والتطوع في المجتمع فقدت في العراق ومع الأسف، بسبب الفساد أولا؛ الذي نخر اغلب نشاطات منظمات المجتمع المدني العراقي. وثانيا؛ التدخل الحكومي في عمل المنظمات غير الحكومية. وثالثا؛ تجيير عمل المنظمات إلى غايات سياسية وحزبية. والاهم رابعا؛ سقوط اغلب المنظمات في فخ الازدواج (الخلط بين النشاط الأساسي والترويج السياسي) الذي أفقدها استقلاليتها في نظر المواطن.

إن فتح الأبواب مشرعة إمام عمل المنظمات غير الحكومية في بيئة غير مستقرة امنيا واقتصاديا وسياسيا هو خطر في الوقت الحاضر... لذا فان توفير الأجواء الموضوعية لعمل المؤسسات والمنظمات غير الحكومية هو الأساس لنجاحها في إي مجتمع، عليه فان الخطوة الأولى إمام نجاح التجربة في العراق هو تعديل القانون رقم ١٢ لسنة ٢٠١٠ بما يتواءم مع إنتاج منظمات غير حكومية مستقلة فعليا عن إي سطوة أو نشاط سياسي حتى تستطيع النجاح في عملها بالمجتمع العراقي مستقبلا".

الدكتور اسعد كاظم شبيب:

"من دون شك أن منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية تودي دورا مهمة في بناء المجتمع والتثقيف حول قسم تنسجم ومعطيات الواقع المعاصر لكنها في الوقت ذاته كثير منها ما يواجه إشكاليات العمل ومنها خاصية الارتباط مع المنظمات الحكومية أو مع السلطة وبذلك تكون رهينة بتوجه وأجندات السلطة، في حين أن هناك مهام قيادية تقع على هذه المنظمات من أجل النهوض بالواقع الثقافي والإنساني والمجتمعي.

لحد الان تواجه المنظمات غير الحكومية في العراق معضلات كثيرة وفي العالم العربي أيضا منها استفحال قيم وسلوكيات وأفعال اقوي من نشاط وعمل المنظمات غير الحكومية لذا لابد من عرض مبادرات وطنية ترتقي وتدعم دوى المنظمات غير الحكومية ومن ذلك إتاحة الحرية وعدم توظيف السلطة لعناصرها ضد هذه المنظمات كما لابد من تشريع قوانين أكثر حداثة تدعم دور المنظمات غير الحكومية.

الباحث السيد حسين الطويل:

"يمكن لمنظمات المجتمع المدني القيام بذلك إذا قررت هي ذلك وبدأت بتكييف نفسها لتحقيق ذلك الهدف، القواعد الأساسية للنهوض بالمجتمع ثلاثة هي التعليم والتربية والتوعية التي تحقق مجتمعة تنمية الإنسان والمجتمع والتي تزودهما بالثقافة اللازمة لديمومة مسيرتهما السليمة والمثمرة".

الدكتور حسين السرحان، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية:

"تتشكل المنظمات غير الحكومية من إفراد وجهات كحزب أو كجهة معينة، وهذه المنظمات تختلف حسب التخصص أو العمل وبعض المؤسسات تكون اجتماعية أو ثقافية أو تعليمية وقسم منها اقتصادية فهي تختلف من حيث الجهة المؤسسة ومن حيث العمل الذي تقوم به هذه المؤسسات، وكل مبادرة لها تكاليف وليس من الممكن لأي مبادرة إن تكون بشكل تطوعي ١٠٠٪ إلا ما ندر وإلا من خلال جمع التبرعات بواسطة الأشخاص المنتمين للمؤسسة أو غيرهم، ويتم تمويل هذه المنظمات في بعض الدول يكون على شكل حوافز ودفع تبرعات للمنظمات غير الحكومية، فالمبادرات التطوعية نادراً ما تخلو من بعض الأجور وهذه حقيقة واضحة، وفي أمريكا يقال إن المتبرع يعفى من نصف ضريبة الدخل لذلك الكثير من العراقيين المغتربين يتبرعون ببناء جوامع ومدارس في العراق لأنه يحتاج إلى وصل الشرع حتى يقدمه لدائرة الضرائب والجهة المسؤولة عن الضرائب في بلده حتى يعفى من هذه الضرائب وهذه مسألة منتشرة بشكل كبير حتى في أمريكا، قانون شركات الاتصالات ملزمة بتمويل مبادرات اجتماعية سواء كانت حكومية أو غير حكومية لكن للأسف لا يتم العمل بها من قبل شركات الاتصالات في العراق، ونحن في العراق نحتاج إلى بعض الإجراءات التي تسهل عمل بعض المنظمات غير الحكومية بداية من نشر وعي والتثقيف بهذا الموضوع بعضها مهم وأساسي، وبالإمكان تعديل قانون الضرائب أي بإمكان المتبرع إن يعفو من الضرائب وضرائب الدخل، ولذلك العراق يحتاج إلى جهود بشرية ومهارات تشغل بشكل مباشر في العراق لحلحلة الأزمات".

باسم الزيدي، باحث في مركز الشيرازي للبحوث والدراسات:

"مفهوم منظمات المجتمع المدني جاء بعد ٢٠٠٣، وفي السابق ربما كانت محدودة وبرعاية حكومية ١٠٠٪، لكن هو كمفهوم على ارض الواقع جاء بعد سقوط النظام في ٢٠٠٣ ومجيء نظام جديد يحمل مفهوم الديمقراطية، وان منظمات المجتمع المدني لم تأتي كحاجة فعلية تناغم حاجات المجتمع هو مفهوم مؤسسات أراد إقحامها مع مفهوم العراق الجديد، وهذا بحد ذاته مشكلة وان إي دور تقوم به منظمات المجتمع المدني هو ينبع من حاجة المجتمع الفعلية له، وان ذهنية الشارع العراقي دائما ما تتجه في فهم مفهوم المنظمات المجتمع المدني باعتبارها مؤسسات تدعم الفقراء أو تزوج العزاب، لكن الحقيقة إن مفهومها العام أوسع بكثير وتحويل هذه التجربة إلى اسلوب حياة وهي طريقة حياة المواطن الصالح، وان عمل هذه المؤسسات هو مساند لعمل الحكومات بل إن بعض الحكومات الغربية تتنازل من قطاعات خدمية كبيرة لصالح منظمات المجتمع المدني، ويعني إن منظمات المجتمع المدني تتولى توفير خدمة لقطاعات واسعة في المجتمعات الغربية بالتعاون مع الحكومة وهي ساندة لها ولكن مستقلة عنها في ذات الوقت وهذا جاء نتيجة تناغم بين عمل الحكومة وعمل هذه المؤسسات التي يوفر الدستور لها الحماية والغطاء، وفي العراق أصبح مفهوم هذه المؤسسات مشوه يختلف تماماً عن عمل الغرب، وأصبح يتبع الفساد والمسؤولين، وحتى المنح التي تقدم يتخللها الفساد وحتى المشاريع التي تقوم بها هي مشاريع وهمية، وهي تحتاج إلى إعادة تقييم من قبل الحكومة ومن جانب عمل المؤسسات نفسها والطريقة التي تعمل بها بعيدة عن الواقع ولو بقيت ١٠٠ سنة على هذه الطريقة لا تتطور إلا من جانب الحكومة التي تخلق عمل هذه المنظمات وتوفر لها قانون يلبي الطموح ويضعها تحت سيطرة الحكومة مثل القطاع الخاص".

حامد الجبوري، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية:

"هناك عوامل ذاتية تعمل بذات المنظمة من حيث الإدارة والتمويل والتنظيم والمسائلة والشفافية كلما توفرت هذه العوامل سيكون أداء المنظمات بشكل جيد، إضافة إلى العوامل الموضوعية كالبيئة التي تعمل بها من حيث القوانين والإجراءات يوجد نوع من التفاعل معها والاستجابة من قبل هذه المنظمة، فكلما توفرت العوامل الذاتية تسهل في نجاح هذه المنظمة، وبعد عام ٢٠٠٣ تحولنا تحول اقتصادي وسياسي مع الإشكالات التي رافقته حدث هنا نقص في ثقافة المجتمع ونحن تحولنا ديمقراطيا لكن كثقافة لم نتحول لذلك حدث نوع من التعثر بالتحول، على المستوى الاقتصادي فالمبادرات الاقتصادية والاعتماد على الذات تنفع المجتمع ثقافياً من حيث السياسة والاقتصاد فيصبح هناك نوع من التكامل وتطوير أكثر بمسألة دورها الريادي، وان عمل المنظمات يهدف لخدمة الصالح العام للمواطنين سواء كان تقديم خدمات أو مشاريع بنى تحتية أو مشاريع اجتماعية هذه كلها مبادرات تصب في خدمة الصالح العام والمواطنين".

وفي ختام الملتقى تقدم مدير الجلسة الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك وأبدى برأيه حول الموضوع.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق