يشكل الرأي العام قوة خفية عاصفة التأثير، وقد تعاظمت تلك القوة رويداً رويداً حتى غدت بوصلة العلاقة بين المجتمع والسلطة من جهة، والقرارات التي تربط بينهما من جهة أخرى، ويمكننا فهم "الرأي العام opinion" public" كمفهوم اجتماعي يعبر عن تشكل اتجاهات التفكير واتخاذ المواقف والتعبيرات، وأيضا كمفهوم سياسي يعكس علاقة المجتمع وقرارات السلطة المتحكمة .

ويتميز مفهوم "الرأي العام" عن المفاهيم المقاربة والمشابهة والمتداخلة مثل: الميول السياسية، والاتجاه السياسي، الموقف السياسي، الحكم السياسي، الحشد العام. وبالتمييز بين "الرأي العام" و"الاتجاهات أو الميول" و"الفعل السياسي" أو السلوك، اوالأحكام، فالرأي العام يختلف عن الاتجاه والميل؛ ففي حين يكون الأول معلناً ومعبراً عنه نجد أن الثاني استجابة داخلية مبكرة. والرأي دليل على وجود الاتجاه أو الميل، ولكن العكس ليس حتميا، فالميل لا يشترط أن يتحول إلى رأي يتم الإفصاح عنه، فما يميز الرأي العام عن الرأي الشخصي هو درجة العمق والاستقرار، والتراكم الجمعي، ثم العلانية.

بمعنى آخر، فان الرأي العام إنما يصبح ذا معنى، حين يكون متعلقاً بموقف يتخذه أفراد كثيرون يعبرون أو يمكن مناشدتهم للتعبير من خلاله عن أنفسهم في شكل تحبيذ أو تأييد أو بالعكس في شكل رفض ومعارضة لحالة محددة، أو شخص معين بالذات، أو اقتراح محدد ذي أهمية واسعة النطاق، بشرط ان يكون هذا متمتعاً بقدر كبير من القوة العددية والشدة بحيث يسمح باحتمال اتخاذ إجراء مباشر أو غير مباشر إزاء الهدف المقصود.

- ويعرفه ليونارد توب : " الرأي العام يشير إلى اتجاهات وأفكار الناس حول

موضوع ما حينما يكونون أعضاء في نفس الجماعة الاجتماعية

- ويقول فلويد البورت :" إن الرأي العام تعبير صادر عن مجموعة كبيرة من الناس

عما يرونه في مسألة ما ، إما من تلقاء أنفسهم أو بناء على دعوة توجه إليهم تعبيرا

مؤيدا أو معارضا لحالة معينة أو شخص معين أو اقتراح ذي أهمية جماهيرية،بحيث

تكون نسبتهم في العدد من الكثرة والاستمرار كافية للتأثير على أفعالهم بطريقة مباشرة تجاه الموضوع محل الرأي العام).

وتناولت المؤلفات العربية ظاهرة الرأي العام بشي ء متقارب نذكر منها تعريف الدكتور إسماعيل علي سعد فيرى على انه ( حصيلة أفكار ومعتقدات ومواقف الأفراد والجماعات إزاء شأن من الشؤون تمس النسق الاجتماعي كأفراد أو منظمات ونظم، والتي يمكن أن يؤثر في تشكيلها من خلال عمليات الاتصال التي قد تؤثر نسبياً أو كلياً في مجريات أمور الجماعة الإنسانية على النطاق المحلي او الدولي).

وبشكل عام فان الرأي العام يشير الى انه ((تعبير حجم كبير من الأفراد عن آراءهم في موقف معين إما من تلقاء أنفسهم أو بناء على دعوة توجه إليهم، تعبيرا مؤيدا أو معارضا لمسألة أو شخص معين أو اقتراح دي أهمية واسعة...بحيث تكون نسبة المؤيدين أو (المعارضين) في عدد ودرجة اقتناعهم وثباتهم واستمرارهم...كافية لاحتمال ممارسة التأثير على اتخاذ إجراء معين، بطريق مباشر أو غير مباشر اتجاه الموضوع الذي هم يصدده)).

ويمكن النظر إلى الوظيفة إلى يمكن أن يقدمها الرأي العام من زاويتين هما:

أ- زاوية تتعلق بالأفراد والجماعات أنفسهم وحراكهم نحو الظواهر.

ب- متعلقات خلق الرأي العام وكيفية قياسه:

وهناك عدة وسائل تساعد على تعبئة الرأي العام وخلقه، أهمها، الأحزاب السياسية ،ومنظمات المجتمع المدني تعمل كقوى ضاغطة، السلطة السياسية وأخيرا وسائل الاتصال المختلفة ( المتمثلة بالسلطة الثقافية ومكنزيمات التغيير والتشكيل formation change & (صحافة، إذاعة، تلفزيون.. الوسائل المواجهية) وغيرها من الوسائل الأخرى المتاحة.

أما أهم هذه الوسائل جميعها فهي (وسائل الاتصال mass communication) بصورها المختلفة، فأهم ما تقدمه وسائل الاتصال في هذا المجال، أنها تلعب أهم الأدوار من خلال احتكاكها بمختلف أوساط الرأي العام، حيث تعمل على دراسة الاتجاهات العامة لمعرفتها بالنسبة لأية قضية قد يُراد طرحها من قبل السلطة ،أو هي مطروحة فعلياً داخلياً أو خارجياً، ومن ثمة تقوم هذه الوسائل، وذلك حسب ظروفها بالعمل على تعبئة الرأي العام أو تعديله أو تكييفه او تطويعه...الخ.

يفترض بهذا التطويع ان ينسجم مع مصلحة المجتمع كوحدة متكاملة ، وبالتالي فهي تقود مراقبة كبرى للسلوك السياسي والاجتماعي القائم والمتحرك وقد يتنافى -في النظم الديمقراطية - مع ميل الوسيلة الإعلامية ومصلحة الاتجاه الذي تدعمه، من جهة اخرى فقد تكون وسائل الإعلام أو الاتصال ذات تبعية تامة للسلطة فيتم تسخيرها للتعامل مع الرأي العام بما يخدم أغراضها، و قد تكون مستقلة عن السلطة وتابعة لجهات أخرى متعددة، (أحزاب أو قوى ضاغطة..) فنجد اهتماماتها متعددة وبالتالي نجد أن الرأي العام ممزقاً وموزعاً بين هذه الاهتمامات المتعددة.

إما بخصوص قياس الرأي العام، فيمكن الإقرار بأنها ليس مهمة سهلة، وذلك لصعوبة تحقيق ذلك على مستوى عال من الضبط والموضوعية ذلك ان الرأي العام ظاهرة (مائعة running) ولا تميل الى الوضوح والإعلان عن نفسها بشكل تام، ورغم تعدد المقاييس والمعايير التي يتم استخدمها لهذا الغرض فإنها لم تفلح في حل هذه المعضلة، ويظل أسلوب الاستفتاء العام رغم ما فيه من محاذير، أفضل هذه الأساليب، لكنه أسلوب شائك ومُكلف، ومن الصعب إتباعه في الأمور الهامة جدا والمصيرية. خاصة في ظل تواجد شعوب وحكومات لازالت تحبو وتتعلم السلوك الديمقراطي وتتلمس أدوات إدامتها وإثرائها .

ويمكننا التأكيد على حقيقة أساسية مهمة عند تناول ظاهرة الرأي العام ، وهي إنها ظاهرة تتسم بالديناميكية والتحول بتحول الزمان والمكان وربما (الخفاء Invisible) ، وهي غير ثابتة وغير جامدة لأنها تتعلق بقضايا ومسائل تثير الحوار والجدل والنقاش- وربما الصدام -، ولذلك فهي لا تتناول القضايا الثابتة المتفق عليها كالعقائد والثوابت الفكرية والاجتماعية .

وقد ارتبطت في حقب متعددة قياسات القراء والمشاهدين والمستمعين بقياسات الرأي العام ، وخاصة في وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية وتعاظم هذا الإجراء بعد الحرب العالمية الثانية ، ويمكن القول ان صناع القرار الإعلامي ومهندسي التغيير أدركوا حينذاك تلك العلاقة وهي من وجهتين : الأولى تتعلق بإمكانية الارتفاع بالاعتمادية على نوع الوسيلة التي تؤشر الى احترامها لمتلقيها والمساعدة في الكشف عن أولويات الجمهور priorities public، ونشر آراءه نحو الشؤون العامة( الإشراك)، والثانية تعد أداة(للتوظيف السياسيPlacing political) للارتفاع بالاهتمام نحو قضية معينة دون الأخريات كما : روجت لشخصية الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون، او لجاذبية مشاة البحرية ( المارينز ) او لتأثير السينما الأمريكية في إرساء الديمقراطية وتحرير الشعوب ، وأخيرا تأثير الجيش الأمريكي في إرساء صورة الولايات المتحدة لدى العراقيين .أما الإعلام البريطاني فقد استخدم مثلاً زيارة توني بلير الى البصرة ليصبح إحدى أهم قياسات الرأي العام إزاء ( مفردات تعامل توني بلير مع العراقيين أثناء الزيارة ) وبذلك تعمل على وضع صور او قضايا هي ليس في الحسبان او الأهمية لكنها تصبح على الصعيد الاجتماعي وربما الدولي قضية رأي عام ( او هكذا يراد بها ) .

وتعمل اليوم في العراق وسائل إعلام مختلفة استطلاعات ، هي لا تختلف في وظيفتها عن الترويج السياسي للقضية( قضية الاستطلاع ) أولاً ، وثانياً هي تعلم ان معطيات القياس ليست من الصرامة المنهجية بحيث يمكن ان تهيئ لصاحب القرار (حزمة من المعلومات information pack) التي يمكن في ضوئها اتخاذ قرار ، وفي رأيي هي أحيانا تتلاعب بمصداقية التوجه وبمشاعر المشاركين في الاستطلاع ويأتي حكمنا في ذلك من الآتي :

1. اختيار العينة المشاركة sample participation ( في وسائل الإعلام في الغالب تكون قليلة جدا وغير مستحكمة إحصائياً من ناحية توزيع الفئات وجغرافية الشمول ووحدة الزمن وظروف التلقي ) وهي ليست عشوائية بحسبما يُعتقد، بينما الاستطلاع المنهجي والعلمي والذي يعمله الباحث الإعلامي او السياسي او فريق مراكز الأبحاث ، يضع في نظر الاعتبار نوع العينية ومقدارها وتوزيعها الجغرافي ، وسلامة التعامل مع معطيات أداة القياس بالصدق والثبات والدلالات الإحصائية .

2. معطيات المعلومات في الغالب تنشر لإغراض دعائية او بطولية او سياسية او جزء من حلول مؤقتة، بالانتقاء( والتحكم الرقمي ( العددي ) control numeral)لان القائمين على الاستطلاع هم صحفيون والصحفي غير الخبير الباحث في هذا الميدان ، أي أن العملية ستمر بنوع من التبسيط والمجازفة التي غرضها النشر واستقواء العمل ، بغض النظر عن صعوبة المشروع او أجراءته الميدانية .

3. يمكن للمؤسسة الإعلامية ان تُديم مضمونها الإعلامي بالاستطلاع من خلال وحدة أو شعبة تعمل الاستطلاع خارج المضمون الإعلامي اليومي ، ومن الممكن ان تستخدمه للنشر او للتحليل كأداة أساسية للمعلومات ...وهناك فرق علمي كبير وهذا ما ندعو إليه .

4. انتقاء مادة الاستطلاع في الغالب لا يتعارض ( كما نتابع ) مع سياسة وتوجه المؤسسة الإعلامية ، ومن يتعامل مع الاستطلاع أيضا هو مستهلك لمضمون تلك القناة او الصحيفة ، وبالتالي هنا تسقط حالة القياس الكلية ( الاجتماعية ) تحت مظلة الانتقاء وعدم الشمول .

وبالتالي الحل يكمن في بناء وصناعة منظومة المركز الوطني لاستطلاعات الرأي العام ، كما هي الدول المتقدمة ديمقراطيا وإعلاميا . ولدينا بصيص جيد لبعض المؤسسات التي تعمل في بناء استطلاعات جيدة خارج نطاق الفعل الإعلامي اليومي المباشر( وكجزء من وحدة دراسة الجمهور.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0