اذا كانت بعض الاعتقادات تميل الى ان تجعل من الاكتشافات المختبرية والتجريبية خط الشروع العلمي والأيمان به، فان حضارات العالم القديم قد أوكلت وعظّمت ملامح العلم وممارسيه، من كهنة وعرافين وحكماء، بشكل يفوق التصور، وهذا بطبيعة الحال ناتج عن وقائع حياتية سايرت بدايات السعي لتفسير الظواهر ولإيجاد ( غائية ) وقوعها، ببساطتها وغرابتها. بعدما تيقنت أن التأمل العقلي والفلسفي يجلب( الحكمة ) وهذه الحكمة هي التي تضع للغموض والتساؤلات ثمة أجوبة، هكذا سارت وحتى اليوم عظمة التساؤل لدى الإنسان باعتباره كائناً استطلاعياً، يتوق الى المعرفة.

لاشك ان المعطيات التقنية الحديثة قد أفردت جملة من البراهين على ان البحث العلمي يتيح مجالاً أوسع للمعرفة المنظمة، وهذه بدورها تعمل ( بأسلوب التراكم ) على ان تجعل من طرائق وحقائق العلم ميداناً خصباً للتفوق والرقي، والنماء الاجتماعي، وفي أحيان كثيرة تقود إلى الهيمنة الحضارية .

ولاغرابة ان نذكر ان حقائق التفوق في هذا العصر، لم يعد بالمال والسلاح وعدد الرجال، بقدر ما يتعلق الآمر بإنتاج المجتمع من معلومات وطرائق تختزل الطاقة، والجهد، والزمن، لقد هوى ( العدد ) أمام اختزاله وتبويبه وتوظيفه، بالدقة والسرعة، والكفاءة، الذي أوجدها البحث العلمي بوصفه جهداً مرابطاً لكل دقائق وانشطة الحياة المجتمعية .

وإذا كانت مساحة الاستخدام العلمي وتطوراته تستدعي الكثير من الكلام والوصف، فاني سأدخل الباب من الواقع الحالي، الواقع والتغيير الذي نحن بأمس الحاجة إلى أن نتكلم فيه حول العلم والإصلاح العلمي وشجونه جنباً إلى المتغيرات التي تنتظرنا كشعب يبغي الكثير من التغيير .

ولا يخفى على أحد من ان جميع المؤسسات على اختلافها وتباين ميادينها بأمس الحاجة إلى مراكز بحوث او تطوير كما جرت التسمية، تقوم بالدراسات الميدانية والكشفية، سواء ما تعلق الأمر بنتاجها، ام العاملين فيها،أو معها من شرائح المجتمع المختلفة، أي إنها بحاجة دورية إلى دراسة واقع عملها، ومشكلاتها المستجدة .

وإذا كان البحث العلمي هو الميدان والطريقة التي بموجبها تستخلص هذه المشكلات أو بوادر التطوير، فانه بذلك قد اصبح القناة الأساس لصواب القرارات، واحسب أن ( الحقيقة العلمية ) ماهي إلا معادل موضوعي لشطط ( متخذي القرارات ) الفردية، وان صدق بياناتها يعجل بنا سنوات في تحقيق أهدافنا المترامية والمؤجلة .

وإذا ماعدنا إلى مسببات كبوات بعض المؤسسات وفشلها في أحيان كثيرة، لوجدنا إنها تعود الى ( افتقاد الدراسات التقويمية للأداء )، فضلاً عن النزعة المركزية الفردية، المبنية على التصورات والجهل الوظيفي التي أرساها النظام السابق ( القاحل علمياً).

ان ضمور النشاط العلمي والبحثي في أروقة الدولة يعّد امراً مخيفاً، ومحبطاً، لحياتنا في عراقنا الجديد، وان المحزن في الأمر يتزايد تراجعاً حتى على المؤسسات المختصة به والحاضنة له، كالجامعات ومراكز البحوث، ومكاتب العلاقات العامة .

فمن خلال المتابعة، وميدان العمل، والتساؤل العلمي، أمكن لي استجماع المؤشرات في أدناه تبين حالة القصور في هذا المنحي منها:

1. القطيعة التامة بين موضوعات البحوث الجامعية ومشابهتها ( والدوائر المعنية بها )، فلو أحصينا الرسائل الجامعية التي نوقشت، او قرأت بحضور المعنيين في موضوعها، لكانت النسبة لا تتجاوز الـ( 5%) وكان الطرفان لا يجمعهما شيء.

2. ضمور المؤتمرات العلمية في القطاعات البحثية، بحيث غدت ميداناً لمنح الشهادات، وتحول الكثير منها إلى دوائر تلقين وتعليم ليس إلا، في حين ان دورها يمتد الى تدريب مهارة البحث والاستنتاج العلمي .

3. ضمور النشر العلمي، وضعف الإتاحة والتداول للبحوث والدراسات المنجزة للباحثين، وقطاعات المجتمع الأخرى المعنية، واتخذ من الاختزال لأغراض إدارية، دون النظر إلى جدواه الحقيقية ( ترقيات، مكافآت، مؤتمرات خارجية، أخرى ).

4. لازلنا نتعامل مع البحث العلمي تعاملاً وظيفياً، او بؤرياً ( وكأنه يخص طائفة او طبقة دون أخرى ) علماً ان المجتمع عليه ان يمارس دوره في هذا الجانب سواء أكان منتجاً علمياً ام مستهلكاً ( أي نشر الثقافة والوعي بالبحث العلمي وطرائقه في المجتمع ) .

5. جهل او عدم أيمان الكثير من المسؤولين، واصحاب المناصب الهامة، بأهمية دور البحوث العلمية، فالأخطاء تبقى والقرارات الشخصية تسير على هوى قلة من أصحاب القرار.

6. تهميش أساليب الثقافة البحثية في المدارس والجامعات، والذي جعل من التدريس الجامعي ( تلقيني ) وليس استقرائي، بعدما كان تدريب طرق البحث والاستكشاف الذاتي في فترة الأربعينيات والخمسينيات، يبدأ منذ المرحلة الابتدائية ( كما تثبت المطبوعات والنشرات المدرسية للفترة المذكورة ).

7. عدم الاهتمام بالدورات التأهيلية والتطويرية لتدريب المنتسبين، فنحن كما ميدان العمل بحاجة إلى تطوير و، وإضافات تجعلنا نواكب ما يدور في مجتمعات العالم من تجدد ونمو.

وإذا كنا نريد اللحاق بهذا العصر الفجائي المسير، كان لابد من نتسلح بثقافة العلم وطرقه واشاعته بين الناس، لانه خلاصنا الوحيد لخوض معترك الصراع الحضاري مع الآخر، ولابد لنا بعد ( القحط الثقافي السابق ) ان نشيع الوعي بهذا المنسي للكثيرين .....وأكثرهم مسؤولين في شرايين الدولة .

واخيراً اعتقد أن الوزارات بمجملها معنية بالأمر، وعليها ( إذا أرادت أن ترقد من هذا السبات ) أن تعيد النظر بطرق اتصالها مع المجتمع، وهذا الاتصال الجديد ( المفترض ) عسى أن يكون علمياً، تحكمه كما نتمنى ( الضرورة العلمية ) وهي الأقدس والاحق لأنها لا تحيد، او تفكر بالانا.....وهذا سمو نجاحات البعض . فالبلد يحتاج الكثير الكثير أولها التربية والثقافة في ضرورات وآليات البحوث والدراسات، واحترام نتاجات العلم، والكفاءة والتفكير المنظم، وصولاً الى مسؤولية الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني على إشاعة وتعاطي ثقافة البحث الاجتماعي التنموي ....لان استمرار القطيعة بين الباحث والمجتمع، غير منتجة، وبائسة، ولنتوكل في سلوك جديد..وعطاء جديد إبطالها ثلاث، العلم، والمجتمع، والجامعة، لبناء عراق يؤمن أبناءه بتسريع التنمية وسباق الزمن وتحشيد الجهد البشري،....وإلا فان الطامة كبرى.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2