إنَّ الخطرَ السيكولوجيَّ الحقيقيَّ يكمنُ في تطبيعِ السادية لدى الأجيالِ الجديدة، حيثُ تتحولُ الإهانةُ إلى مادةٍ للضحك، والتعذيبُ إلى ترفيهٍ يومي؛ إنها عمليةُ تفريغٍ أخلاقيٍّ مبرمجة تستهدفُ استبدالَ قِيَمِ الكرامةِ والأصالةِ بنموذجٍ تافهٍ لا يقيمُ وزناً لمشاعرِ الإنسان، مما يكرسُ معادلةَ الساديةِ والمازوشية التي استهلكت كينونةَ الشخصيةِ العربيةِ لعقودٍ طويلة...
تعود فكرة برامج المقالب إلى أكثر من ثمانين سنة، ويعدّ برنامج الكاميرا الخفية لمقدمه ألن فونت الذي بث عام 1948 على شاشة CBS الأقدم عالمياً، فيما بدأت أول برامج مقالب عربية في التلفزيون المصري في ثمانينيات القرن الماضي مع الفنان فؤاد المهندس الذي حصل على شهرة واسعة لكنه تراجع فيما بعد بسبب (استهلاكها) وسوء إدارة بعض المقالب واكتشاف حقيقة أن عدداً منها يتم بالاتفاق بين مقدم البرنامج و(الضحية) في خطة تستهدف اللعب على عواطف المشاهد الذي يستهجن استغفاله.
ولهذا السبب تحديداً عمدت برامج المقالب في التلفزيون الفرنسي إلى تنفيذ مقالب عفوية تحظى بالمصداقية يستمتع فيها المشاهد والضحية أيضاً، فيما اعتمدت برامج المقالب اللبنانية فكرة خداع الناس في الإيقاع بهم وهم يمشون في الطريق.
وتحقق برامج المقالب هذه ثلاثة أهداف: مالي بحصول الفضائية على إيرادات كبيرة من خلال الإعلانات، وشهرة واسعة لمقدم البرنامج وكادره والمحطة أيضاً، ومتعة وترفيه وتسلية للمشاهد. في رمضان (2018) قدّم رامز جلال مقلباً بعنوان (رامز تحت الصفر) حظي بمشاهدة عربية واسعة دفعتنا إلى استطلاع المشاهدين لهدفين: الأول معرفة آرائهم بالبرنامج، وبنوعية شخصية رامز جلال، وما إذا كانوا يستمتعون بمشاهدة حلقاته التي جرى تصويرها في ثلوج روسيا مستغلاً مشاركة الفريق المصري لكرة القدم في المونديال، والثاني ضمني يستهدف معرفة سايكولوجيا المشاهدين من خلال إجاباتهم.. على هذا السؤال: تقوم فكرة برنامج «رامز تحت الصفر» على وضع الضيف في مقلب بهدف إمتاع المشاهدين، فهل أمتعك ذلك؟ أم إنك ترى فيه إهانة ومزاحاً ثقيلاً؟ كانت إجاباتهم بخصوص البرنامج بأنه: (تافه، مفبرك، سخيف، مهين لشخصيات فنية واجتماعية محترمة، إسفاف ومسخرة، تهريج وعياط وصراخ، عديم اللون والطعم والرائحة، مقرف جداً، مضيعة للوقت، ابتذال يفسد الذائقة الفنية، مقالب مؤذية أكثر منها مسلية، معظم ما يقوم به مزيف يحاول التغطية عليه بالصراخ والنكات البايخة، انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، شكل من أشكال العنف قد يعرّض أحدهم لسكتة قلبية).
واتفقت غالبية العينة وعددها (2023) بينهم أكاديميون بأن شخصية رامز عدائية، لأن الاستهزاء بالآخرين والضحك على متاعبهم من سمات الشخصية العدائية، وأنه يحاول القيام بما لا يستطيع تحقيقه على أرض الواقع وهي أحد اضطرابات الشخصية العدائية، فيما وصفه أكاديميون سايكولوجيون عرب خصونا بإجاباتهم بأنه سيكوباثي، يعاني من مرض نفسي يستهوي إيلام الآخرين وتعريضهم للخطر، وأنه شخص يشعر بالنقص فيعوضه بالانتقام من النجوم، ويسدّ فشله بالوصول إلى النجومية بتعذيب ضيوفه ليشفي غليله، وأنه مجرم خطير مكانه السجن بين القتلة والمنحرفين أخلاقياً وإنسانياً، أعطته التكنولوجيا الإعلامية فرصة تحويل ميوله الإجرامية عبر الإعلاء والتسامي بها بصورة مغلفة بالكوميديا والكاريزما وهو في حقيقته ينهش في صحة وعقل وجسد ضحاياه بوحشية ودموية، وأوصى آخرون بأنه يحتاج لكورسات من العلاج النفسي لأنه معتوه.
وكان لآخرين الرأي النقيض مستشهدين بأن بدايات رامز الفنية وأدواره كلها كانت في لعب الولد المحبوب صديق البطل الفكاهي وهذه بعيدة كل البعد عن شخصية السيكوباثي، وأن البرنامج لا يعدو كونه مزاحاً ثقيلاً، وأن تصنيفه ضمن المجرمين والمرضى العقليين.. تهمة ظالمة. بين رامز تحت الصفر 2018 ورامز مجنون رسمي 2020، ورامز ليفل الوحش 2026 ما الذي تغير؟
استخدمنا نفس المنهج باستطلاع عينة مشاهدين، فوجدنا أن إجاباتهم لا تختلف عن سابقاتها: فالبرنامج تافه تخطى حدود المعقول، ورامز شخصية سادية يتلذذ بتعذيب الآخرين رغم كل السب والشتم، وهو مريض نفسياً ومجرم يفترض أن يقدم للمحاكم، فيما برر آخرون بأن رامز شخص يبحث عن رزقه، وأن المال أعمى في وسط قائم على الفلوس.
ورأى كثيرون بأن مقالب رامز هذه متفق لقاء (شيكات بأرقام صعبة). وأكد بعضهم أنه تم فعلاً إدانته لكنه عند فتح التحقيق تبين أن لديه ما يثبت موافقة الطرف الآخر للحضور إلى البرنامج ويعرف ما سيحدث له بالضبط.
واستشهد آخرون بتصريح المخرجة إيناس الدغيدي بأنهم (كلهم وافقوا على المشاركة ولكن لا يعلمون أي مقلب سيقعون فيه)، وأن الشخصية التي تقع في الفخ سرعان ما ترضى لحظة تستلم مبلغاً يسيل له اللعاب. وقدّم بعضهم تحليلاً ذكياً بقولهم إن الشعوب العربية تحب العنف وتستمتع به، وإنها تهوى السيطرة والتحكم بالآخرين لتمارس عليها أنواع التعذيب أو التلهي بها خصوصاً تلك الضعيفة..
ما يعني أن الخطر السيكولوجي فيه يتمثل بتطبيع أفكار السادية عند جيل الألفية الثالثة بجعل الضيف أضحوكة وخاضعاً للإهانة. واللافت أن مفكرين ذهبوا أبعد بقولهم إن هذه البرامج وما شاكلها هي لإعادة صياغة الشخصية الشرق أوسطية حسب مقاييس مفروضة سلفاً تستهدف تفريغ المحتوى الأخلاقي واستبداله بنموذج تافه لا قيمة له ولا أصالة فيه، وتعويم القيم وتقديم مسألة الاستهتار بمشاعر الناس.
ويستضيف البرنامج أفراداً من الوسطين الفني والرياضي غالبيتهم من الخط الثاني ويتجنب استضافة شعراء وأدباء ومفكرين مشهورين لأنه يعرف أنهم يحترمون أنفسهم، ويعرف أن الذين يستضيفهم يرتضون لأنفسهم أن يكونوا موضوع سخرية لسببين رئيسين: المال.. الذي يذلّ من لا يحترم قدر نفسه، والشهرة التي تحقق جمهوراً جديداً أوسع. ورامز وأسرة البرنامج، لديهم فكرة مسبقة عن كل شخصية تستضاف، فإذا كانت سعودية أو إماراتية فإنه يتعامل معها باحترام ولطافة (حلقة عبد الله أبو الخير مثالاً)، وإذا كانت مصرية فإنه يتعامل مع القلة بلطف، ويبهدل ضعاف الشخصية ويتجاوز عليهم بمفردات: سافل، تافه.. مع ملاحظة أنه (في رامز مجنون رسمي) حذفت (في المونتاج) مفردات المسبة والإهانة التي وجهها له بعض الضيوف. تحليل سيكولوجي: هدفان يسعى فنان برامج المقالب التلفزيونية إلى تحقيقهما، هما: المال والشهرة.. وكلاهما بلغهما الشاب رامز جلال بزمن قياسي.
ففي أقل من خمس سنوات حقق من الشهرة ما لم يبلغه فنان عربي آخر بضمنهم شقيقه الفنان الملتزم ياسر جلال بطل مسلسل (ظل الرئيس).. وصار يعدّ من أصحاب الملايين بين قلة من الفنانين. ورامز يمتلك موهبة عالية في تقديم برامج المقالب لا يمتلكها في فن التمثيل برغم أنه أسندت إليه بطولة وأدوار رئيسة في عدد من الأفلام. وله قدرة على تحمل الإهانات والضرب والشتيمة التي يجد فيها نوعين من المتع المتضادة: تعاطف مشاهدين معه، وتشّفي آخرين بما يحصل له!. فضلاً عن متعة شخصية له في ترضيته للضحية بعد اكتشاف المقلب.
وسايكولوجياً، تقوم فكرة المقلب على تصنيف البشر إلى نوعين: شرير يمثله رامز جلال، وخيّر يمثله الضحية.. وأن ما يشغل الشرير هو نصب فخ للإيقاع بالضحية التي تمثل الإنسان الطيب (وعلى نياته). ونرى أن من وصفوا رامز بأنه شخصية (عدوانية، سيكوباثية، مريضة نفسياً..)، فيها مبالغة.. ما لم تكن تصرفات رامز وسلوكه العام مع أفراد عائلته والناس الآخرين.. عدوانية وسيكوباثية فعلاً.. وليس لدينا ما يثبت ذلك.
والمفارقة.. إن معظم الذين وصفوا البرنامج بـ(التافه، السخيف..) ووصفوا رامز بـ(المريض نفسياً، والمعتوه، والسيكوباثي..) كانوا قد تابعوه ويتابعونه الآن!، ما يعني إننا جميعاً لدينا دافع غريزي للعدوان، وإن بيننا من يستمتع بالتنفيس عن عدوانه المكبوت بمشاهدة ما يقع للضحية من أذى نفسي أو جسمي. والسبب السيكولوجي الرئيس لشيوع البرنامج هو أن المزاج العربي يتقبل ذلك، فالشخصية العربية اعتادت على سلطة مارست ضدها العنف والإذلال والإهانة، ولأن البرنامج تتجسد فيه معادلة السادية مقابل المازوشية التي هي واقع حال الشخصية العربية لأكثر من ألف وأربعمائة سنة!
الأهم من هذا كلّه هو أن الخطورة في هذه المقالب، ليس علينا نحن الكبار بل على الأطفال والمراهقين، لأنهم ينفردون بصفتين: تقليد الفنانين، وأخذهم فكرة أن الواقع الاجتماعي هو هكذا (أشرار وأخيار، أذكياء وأغبياء، شطّار وغشمة..) وإن على الطفل أو المراهق أن يكون شريراً وذكياً وشاطراً ليعيش وإلا فإنه سيكون مغفلاً وفاشلاً وأضحوكة للآخرين.. وتلك مسؤولية تتحملها وزارات الثقافة والإعلام الصامتة من سبع سنوات! ما الذي يفشل البرنامج؟ كل ما يكتبه النقاد والمثقفون ونحن السيكولوجيين لن يوقف البرنامج.. ولن توقفه شكوى رئيس نادي الزمالك لوزير الداخلية المصري للسخرية التي تعرض لها لاعبه (كهربا)، ولا طلبه لوزير الصحة إيداع رامز مستشفى الأمراض العقلية. ولن يثني رامز طلب نقيب الإعلاميين طارق سعدة الموجه لرئيس القناة التي تعرض البرنامج المستند لتقرير نقابة الإعلاميين بشأن التجاوزات التي يرتكبها رامز، وقرار النقابة منع ظهور رامز على أية وسيلة إعلامية تبث داخل مصر.
فالبرنامج (لا نية لوقفه) وفقاً للمتحدث الرسمي للقناة، لأنه (حقق خلال أول يومين فقط من بدء عرضه 120 مليون مشاهدة)، معرباً عن احترامه للأشخاص الذين لا يحظى العمل بإعجابهم، لافتاً إلى أنه لا يمكن لهؤلاء حرمان الآخرين من مشاهدته. الذي يفشل البرنامج ويسقطه هو حين يصل المشاهد إلى يقين بأن المقلب متفق عليه مع الضيوف لقاء مكافأة مالية، ويدرك أنه هو (الضحية).. وأنه هو المستغفل، وأن رامز والضيف كلاهما يضحكان عليه.. عندها سيتوقف البرنامج ويخسر رامز شهرة استثنائية، مكتفياً بما حصل عليه من ملايين الدولارات كسبها من سخريته على شعوب مغفلة تستمتع بمشاهد الإهانة والتعذيب.. حتى في الكوميديا!



اضف تعليق