كيف نكتسب الحكمة؟

قراءة قرآنية وروائية في سيرة لقمان الحكيم (عليه السلام)

الحكمة قوَّة تبصر الإنسان بحقائق الأمور، وتمنحه القدرة على وضع الأشياء في مواضعها المناسبة، وتحصِّنه من الانحراف والاندفاع، وتجعله أكثر اتِّزانًا في مواجهة فتن الحياة وتقلباتها. ومن هنا كانت الحكمة من أعظم النِّعم الإلهيَّة؛ لأنَّها تبني الإنسان الواعي الذي يعيش الدُّنيا بعقلٍ وقلبٍ متوازنَين، ويتعامل مع النِّعم والابتلاءات...

تمثِّل سِيَر الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) والأولياء والحكماء الذين خلَّد القرآن الكريم ذِكرهم، وأكَّدت روايات أهل البيت (عليهم السلام) على الاقتداء بهم، مدرسةً معرفيَّةً وتربويَّةً متكاملة تهدي الإنسان إلى سبل الرُّشد والصَّلاح النَّفسي والاجتماعي. فالقرآن الكريم لا يعرض الشَّخصيات الرِّسالية بوصفها أحداثًا تاريخيَّة جامدة، وإنَّما يقدِّمها نماذج لبناء الإنسان وإصلاح فكره وعمله؛ قال الله (تعالى): (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(1).

 ومن الشَّخصيات التي خصَّها القرآن الكريم بمقامٍ رفيعٍ، وجمع لها بين الثَّناء الإلهي والتَّوجيه التَّربوي شخصيَّة لقمان الحكيم (عليه السلام)، الذي ارتبط اسمه بالحكمة والتَّقوى والبصيرة. قال الله (سبحانه): (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)(2). وتكشف هذه الآية المباركة عن حقيقة غنيَّة بالمعاني، وهي أنَّ الحكمة حالة وعيٍ تُثمر معرفة الله (تعالى)، وتدفع الإنسان إلى الشُّكر العملي، وحسن إدارة النَّفس والحياة. 

ولا نريد من هذه الصَّفحات دراسة الخلافات التَّاريخيَّة المتعلِّقة بشخصيَّة لقمان (عليه السلام)، من حيث كونه نبيًّا أو عبدًا صالحًا أو حكيمًا؛ لأنَّ تلك المسائل -على أهميَّتها- لا تمثِّل المحور الأساس لهذا المقال، وإنَّما ينصبُّ الاهتمام على البعد التَّربوي والمعرفي في شخصيَّته، ولا سيَّما الكيفيَّة التي بلغ بها مقام الحكمة حتَّى استحق هذا التَّكريم الإلهي. فالقرآن الكريم عدَّ الحكمة من أعظم العطايا الربَّانيَّة، فقال الله (عزَّ وجلَّ): (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)(3). الأمر الذي يكشف عن سعة آثارها في بناء شخصيَّة الإنسان، وتوجيه مسيرته العلميَّة والعمليَّة.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ دراسة الحكمة في حياة لقمان (عليه السلام) تفتح آفاقًا واسعة لفهم الأصول التي تُبنى عليها الشَّخصيَّة المؤمنة، كما تمنح رؤية أوضح للعلاقة بين المعرفة والإيمان وآلية التَّصرُّف. فالحكمة منهج ينعكس على علاقة الإنسان بربِّه (جلَّ جلاله)، وبنفسه، وبأسرته، وبالمجتمع الذي يعيش فيه.

لذلك، سنحاول دراسة مفهوم الحكمة في ضوء النَّص القرآني والرِّوايات الشَّريفة، وبيان السُّبل التي تقود الإنسان إلى اكتسابها، مع تحليل آثارها الفكريَّة والتَّربويَّة والاجتماعيَّة، وقراءة الامتدادات العمليَّة التي تظهر في سلوك الفرد والأسرة والمجتمع. ولأجل تحقيق هذا الهدف، ستُبحث المسألة ضمن أربعة محاور تتكامل فيما بينها لرسم صورة شاملة عن الحكمة في مدرسة لقمان (عليه السلام).

المحور الأوَّل: تعريف الحكمة

الحكمة لغةً من "حَكَمَ أصله: مَنَع منعاً لإصلاح، ومنه سميت اللِّجام: حَكَمةَ الدَّابة... والحكمة إصابة الحقِّ، بالعلم والعقل"(4).

أمَّا اصطلاحًا: "معرفة مواضع الأشياء، وعلم الارتباط بين الأسباب والمسببات"(5).

أو "العلم الذي يرفع الإنسان عن فعل القبيح، مستعار من حَكَمة اللجام؛ وهي ما أحاط بحنك الدَّابة، ومنعها الخروج... وسمِّيت حكمة؛ لأنَّها مانعة من الجهل"(6).

 وهذه التَّعاريف تكشف عن أبعاد واسعة لمعنى الحكمة، وتُظهر أنَّها قوَّة نفسيَّة تجعل الإنسان يضع كلَّ شيءٍ في موضعه الصَّحيح. فالجذر اللغوي لكلمة "حَكَمَ" المرتبط بالمنع والإصلاح يفتح بابًا مهمًّا لفهم حقيقة الحكمة؛ وأنَّ الحكيم مَن تمنعه معرفته من الانحراف، كما يمنع اللجامُ الدَّابةَ من التَّفلُّت. 

كما أنَّ تعريفها بـ"إصابة الحقِّ بالعلم والعقل" يلفت النَّظر إلى أنَّ الحكمة قدرةٌ على الوصول إلى الحقيقة، والتَّمييز بين الصَّواب والخطأ، والنَّافع والضَّار. فقد يمتلك الإنسان ثقافة واسعة؛ لكنَّه يفتقد الحكمة حين يعجز عن اتِّخاذ الموقف الصَّحيح أو توظيف علمه في الخير.

أمَّا التَّعريف الاصطلاحي الذي يربط الحكمة بـ"معرفة مواضع الأشياء، وعلم الارتباط بين الأسباب والمسببات" يبيِّن أنَّ الحكيم يرى نتائج الأفعال قبل وقوعها، ويدرك أنَّ لكلِّ تعاملٍ أثرًا، ولكلِّ قرارٍ تبعات، ولذلك لا يتعامل مع الحياة بعشوائيَّة أو اندفاع.

ويزداد المعنى جمالًا في التَّعريف الذي يجعل الحكمة "علمًا يرفع الإنسان عن فعل القبيح"؛ لأنَّه ينقل الحكمة من دائرة الفكر إلى دائرة المنهج العملي. فالحكمة الحقيقيَّة تظهر في الأقوال وفي قدرة الإنسان على كبح شهواته، والسَّيطرة على غضبه، ومنع نفسه من الانحدار نحو الخطأ.

ومن مجموع هذه التَّعاريف يمكن القول: إنَّ الحكمة نورٌ يهدي العقل، وضابطٌ يحفظ النَّفس، وبصيرةٌ تكشف حقائق الأمور، وقوَّةٌ تدفع الإنسان إلى اختيار الخير وترك القبيح. ولذلك كانت الحكمة من أعظم النِّعم التي يمنحها الله (تعالى) لعباده؛ لأنَّها تصنع الإنسان المتوازن الذي يرى بعين الحقيقة، ويتحرَّك وفق ميزان الحقِّ.

وقد تناولت روايات أهل البيت (عليهم السلام) مفهوم الحكمة ببيانات متعدِّدة تكشف عن سعتها وعمقها، وتوضِّح أنَّ الحكمة حقيقة جامعة ترتبط بالعقل والمعرفة والطَّاعة والبصيرة. ومن النُّصوص الواردة في ذلك ما رُوي عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في وصيته لهشام بن الحكم (رضوان الله عليه): "يا هِشامُ، إنّ اللَّه (تعالى) يَقولُ في كِتابِهِ: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ)(7) يعني العقل، وقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)(8) قَالَ: الفَهمَ والعَقلَ"(9). وتكشف هذه الرِّواية عن أنَّ الحكمة ترتبط بسلامة التَّعقل؛ لأنَّ العقل هو الأساس الذي تنطلق منه الرُّؤية الصَّحيحة للأشياء، وبه يستطيع الإنسان أن يميِّز بين الحقِّ والباطل، وبين ما ينفعه، وما يضره.

كما ورد عن الإمام محمَّد الباقر (عليه السلام) حين سأله أبو بصير عن قول الله (تعالى): (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)، فَقَالَ: طَاعَةُ اللَّهِ، وَمَعْرِفَةُ الْإِمَامِ"(10). ويظهر من هذا التَّفسير البعد العملي والعقائدي للحكمة؛ إذ لا تنفصل الحكمة في النُّصوص الشَّريفة عن الارتباط بالله (تعالى)، ولا عن الهداية التي تتمثَّل بمعرفة الإمام الحقِّ (عليه السلام) والسَّير في خطِّ الطَّاعة والالتزام. فالمعرفة التي لا تقود إلى الطَّاعة تبقى معرفة ناقصة الأثر، أمَّا الحكمة الحقيقيَّة فهي التي تُثمر استقامةً في الفكر والسِّيرة.

وعن سليمان بن خالد: سَأَلتُ أبا عَبدِ اللهِ (عليه السلام) عَن قَولِ اللهِ –سبحانه-: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا)، فَقالَ: إنَّ الحِكمَةَ المَعرِفَةُ والتَّفَقُّهُ فِي الدّينِ، فَمَن فَقِهَ مِنكُم فَهُوَ حَكيمٌ"(11). وتُبيِّن هذه الرِّواية أنَّ الحكمة فهم نافذ لحقائق الدِّين، ينعكس على معرفة الإنسان وخُلُقه، حتَّى يصبح عنصر هداية وإصلاح في المجتمع.

ولا يوجد تعارض بين هذه التَّعريفات المتعدِّدة للحكمة؛ لأنَّ كلَّ رواية تناولت جانبًا من جوانبها أو ركنًا من أركانها. فالعقل والفهم يمثِّلان الأساس المعرفي للحكمة، وطاعة الله (تعالى) ومعرفة الإمام (عليه السلام) يجسِّدان بعدها الإيماني والعملي، أمَّا التَّفقه في الدِّين فيعبِّر عن رؤية واضحة وإدراك للواقع. ومن مجموع هذه المعاني تتكوَّن الصُّورة الكاملة للحكمة بوصفها حالة من النُّضج العقلي والإيماني والأخلاقي، تقود الإنسان إلى السَّعادة الحقيقيَّة، وتحفظه من الانحراف والضياع في الدُّنيا والآخرة.

المحور الثَّاني: من آثار الحكمة

إنَّ الحصول على الحكمة يُعدُّ فوزًا بخيرٍ كثير؛ لما تتركه من آثارٍ في شخصيَّة الإنسان وأسلوبه وعلاقاته؛ ومن هذه الآثار:

أوَّلًا: الفوز المطلق

قال الإمام عليٌّ (عليه السلام): "ثَمَرَةُ الْحِكْمَةِ الفَوْزُ"(12).

والفوز في هذه الحكمة يُراد به مطلق الظَّفر بما يطلبه الإنسان من خيرٍ وصلاحٍ، سواء في بُعده الدِّيني، أو الاجتماعي، أو النَّفسي، أو العلمي.

ومن يتدبر في القرآن الكريم يجد أنَّ الله (تعالى) ربط الحكمة بالخيرات الواسعة، قال الله (سبحانه): (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)(13). والتَّعبير بـ"خيرًا كثيرًا" يكشف عن سعة آثار الحكمة، وامتداد نتائجها في مختلف شؤون الحياة؛ لأنَّ الحكيم يمتلك بصيرةً تمكِّنه من تشخيص الحقائق، واتِّخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، فيكون أقرب إلى النَّجاح، وأبعد عن مواطن النَّدم والخسارة.

والفوز الذي تمنحه الحكمة يبدأ من داخل الإنسان قبل أن يظهر في واقعه الخارجي؛ إذ تمنحه حالةً من الطَّمأنينة الفكريَّة، فلا تسيطر عليه الأهواء العابرة، ولا تنحدر به العاطفة غير المنضبطة نحو المواقف الخاطئة. 

كما أنَّ الفوز بالحكمة يمتدُّ أثره إلى المجتمع بأسره؛ لأنَّ الإنسان الحكيم يكون أكثر قدرةً على نشر العدل، وإصلاح العلاقات، واحتواء النزاعات، وبناء بيئةٍ قائمةٍ على الوعي والتعقُّل. ولهذا كانت الحكمة من الصِّفات البارزة في سيرة الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام)؛ إذ استطاعوا بواسطتها أن يقودوا الأمم، ويواجهوا الانحرافات، ويصنعوا نماذج خالدة في الإصلاح والهداية.

وعند التَّدقيق في النُّصوص الشَّريفة يتَّضح أنَّ أعظم صور الفوز هي تلك المرتبطة بالقرب من الله (عزَّ وجلَّ) والفوز برضوانه، قال الله (سبحانه): (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)(14)، وعن الإمام عليٍّ (عليه السلام): "ثَمَرَةُ الْحِكْمَةِ التَّنَزُّهُ عَنِ الدُّنْيَا وَالْوَلَهُ بِجَنَّةِ الْمَأْوَى"(15).

ثانيًا: العصمة

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "اَلْحِكْمَةُ عِصْمَة"(16)، وتُصوَّر الحكمة في هذا النَّص الشَّريف بوصفها قوّةً تحفظ الإنسان من الوقوع في الخطأ، وتمنحه قدرةً على التَّمييز بين ما ينفعه وما يضرُّه، وبين طريق الهداية ومسالك الضَّلال. والعصمة في هذا السِّياق لا يُراد بها العصمة المطلقة المختصَّة بالأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام)، وإنَّما حالة من الحفظ المعنوي والبصيرة الواعية التي تجعل الإنسان أكثر احترازًا من الزَّلل، وأكثر قدرةً على مقاومة دوافع الهوى والشَّهوة والغضب؛ فالحكمة تمنح العقل حضورًا فعَّالًا في لحظة القرار، فتجعل الإنسان أكثر اتِّزانًا وأشدّ تمييزًا بما يترتَّب على ممارساته. ومن هنا كانت الحكمة نوعًا من الحصانة الفكريَّة التي تحمي الإنسان من التَّسرُّع والانخداع بالمظاهر. 

ثالثًا: الهيبة في عيون النَّاس

يشير قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "مَنْ عُرِفَ بِالحِكْمَةِ لاحَظَتْـهُ العُيُونُ بِالوَقارِ"(17). إلى أثرٍ اجتماعيٍّ ونفسيٍّ للحكمة، يتمثَّل في اكتساب الإنسان حالةً من الهيبة والاحترام في نفوس الآخرين. فالوقار الحقيقي ينشأ من قوَّة الشَّخصيَّة ورجاحة العقل وحُسن السيرة. ولهذا فإنَّ الإنسان الحكيم يفرض احترامه بطريقةٍ طبيعيَّة؛ لأنَّ النَّاس تنجذب بالفطرة إلى من يمتلك حسن التَّدبير، وسلامة التَّفكير، والقدرة على التَّعامل المتَّزن مع المواقف المختلفة.

والهيبة النَّاتجة عن الحكمة تختلف عن الهيبة القائمة على الخوف أو السُّلطة؛ إذ إنَّ الأولى تنبع من القناعة، بينما تقوم الثَّانية على الرَّهبة المؤقتة التي تزول بزوال أسبابها. أمَّا الحكيم فإنَّ كلماته ومواقفه المدروسة، وابتعاده عن التَّسرُّع والعجلة، تجعل حضوره باعثًا على الطَّمأنينة والثِّقة، فينظر إليه النَّاس بعين التَّقدير والتَّبجيل.

المحور الثَّالث: كيف نحصل على الحكمة؟

 تحصيل الحكمة رحلة معرفيَّة وعمليَّة تعتمد على مجموعة من العوامل؛ ومن أهمِّها:

1. الإخلاص لله (سبحانه)

يمثِّل الإخلاص لله (تعالى) أحد أهمِّ المفاتيح لاكتساب الحكمة واستقرارها في قلب الإنسان، كما بيَّن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله: "ما أخلَصَ العَبدُ الإيمانَ بِاللهِ (عزّ َوجلَّ) أربعينَ يَومًا إلَّا زَهَّدَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فى الدُّنيا، وبَصَّرَهُ داءَها ودَواءَها، فأثبَتَ الحِكمة فى قَلبِه، وأنطَقَ بِها لِسانَه"(18). وهذا النَّصُّ يكشف عن علاقة سببيَّة دقيقة بين إخلاص النيَّة لله (تعالى) وبين انفتاح البصيرة وولادة الحكمة في النَّفس. والإخلاص في جوهره يعني: تحرير العمل والفكر من كلِّ دوافع الرِّياء والمصالح الذَّاتيَّة، بحيث يصبح توجُّه الإنسان إلى الله (تعالى) هو المحرِّك الأساس لحركته وفكره. وعندما يتحقَّق هذا الإخلاص، تتطهر النَّفس من التَّشويشات التي تفرضها الأهواء، فيصبح العقل أكثر قدرة على رؤية الحقائق كما هي، لا كما تمليها الرَّغبات أو الضُّغوط الاجتماعيَّة. ومن هنا يبدأ أثر الإخلاص في تحويل المعرفة إلى حكمة، والعلم إلى بصيرة.

 وقد أكَّد القرآن الكريم هذا المعنى في قول الله (تبارك وتعالى): (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(19)، فالإخلاص هو الأساس الذي تُبنى عليه العبادة الصَّحيحة، ومنها تنطلق آثار الهداية. كما أنَّ قوله (تعالى): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)(20) يشير إلى أنَّ التَّقوى ـ وهي ثمرة الإخلاص العملي ـ تفتح باب التَّعليم الإلهي الذي هو أرقى مراتب الحكمة.

2. المعرفة والتَّفقُّه في الدِّين

 العلم من أهمِّ الأبواب التي يدخل الإنسان عن طريقها إلى عالم الحكمة؛ لأنَّ الحكمة تحتاج إلى استيعاب يُبصر حقائق الأشياء، ويفهم سنن الحياة، ويُميِّز بين الصَّواب والخطأ. ومن هنا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "بِالْعِلْمِ تُعْرَفُ الْحِكْمَةُ"(21). فالعلم يمثِّل الأساس الذي تتكوَّن عليه الحكمة؛ وكلَّما ازداد الإنسان معرفةً اتَّسعت قدرته على فهم الواقع، وتحليل المواقف، واتِّخاذ القرارات الصَّائبة.

 كما أكَّد الإسلام على التَّفقُّه في الدِّين بوصفه طريقًا لصناعة الإنسان الواعي القادر على فهم نفسه ومجتمعه وعلاقته بالله (تعالى)؛ قال الله (سبحانه): (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ)(22)، والتَّفقّه عمليَّة بناءٍ للعقل والرُّوح، تجعل الإنسان أكثر قدرةً على إدراك مقاصد الشَّريعة وحِكَمها، ويحرِّر الإنسان من السَّطحيَّة والتَّقليد الأعمى؛ فالحكيم ينظر بعين الفحص والتَّدبر.

3. ترك اللذَّات ومقت الفانيات

عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "أوَّلُ الْحِكْمَةِ تَرْكُ اللَّذّاتِ، وَآخِرُها مَقْتُ الفانِياتِ"(23).

من القضايا التي يجمع عليها أهل الحكمة أنَّ الحكمة لا تنمو في نفسٍ أسيرةٍ للملذَّات، منشغلةٍ باللهاث خلف الرَّغبات الآنيَّة؛ لأنَّ الانغماس المفرط في الشَّهوات يضعف قدرة الإنسان على التَّفكير المتَّزن، ويجعله أكثر خضوعًا للانفعال والاندفاع. ومن هنا كانت بداية الحكمة مرتبطةً بقدرة الإنسان على ضبط رغباته، وعدم جعل اللذّة معيارًا وحيدًا لاتِّخاذ القرار.

ولا يُراد بترك اللذَّات الدَّعوة إلى حرمان النَّفس من الطَّيِّبات التي أباحها الله (تعالى)، وإنَّما المقصود عدم الاستسلام للشَّهوات بحيث تتحكَّم في إرادة الإنسان وتوجّه مسار حياته. فالإنسان الحكيم ينظر إلى النَّتائج البعيدة والعواقب المستقبليَّة، ولهذا قد يترك لذّةً مؤقّتة حفاظًا على مصلحةٍ أعظم أو قيمةٍ أبقى. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قول الله (جلَّ جلاله): (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)(24)، فالنَّهي عن الهوى يمثِّل حالةً من السَّيطرة على الرَّغبات، وهي من أبرز علامات الحكمة.

ثمَّ ينتقل الإمام (عليه السلام) إلى مرتبةٍ أعلى من مراتب الحكمة حين يصف غايتها بأنَّها "مقت الفانيات"؛ أي: إنَّ الإنسان كلَّما ارتقى في مدارج الحكمة ازداد بصيرةً بحقيقة الدُّنيا وسرعة زوالها، فلم يعد قلبه أسيرًا بالأشياء المؤقَّتة التي سرعان ما تفنى وتنتهي، ولا غدت الدُّنيا مركز اهتمامه وغاية سعيه، وأصبح ينظر إليها بوصفها معبرًا إلى الآخرة، ووسيلةً تُستثمر في طريق الخلود والقرب من الله (تعالى).

وفي كلمات أهل البيت (عليهم السلام) تتكرَّر الإشارة إلى أنَّ التَّعلُّق المفرط بالدُّنيا من أبرز أسباب العمى واضطراب البصيرة؛ عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): "حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ"(25)؛ لأنَّ القلب إذا امتلأ بالتَّعلُّق بالفانيات ضعفت قابليته لإدراك الحقائق الكبرى، وانشغل بما يزول عمَّا يبقى.

4. مداراة النَّاس

يُبيِّن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: "كَسْبُ الحِكْمَةِ إجْمالُ النُّطْقِ، وَاسْتِعْمالُ الرِّفْقِ"(26). بُعدًا اجتماعيًّا راقيًا من أبعاد الحكمة، يتمثَّل في حسن إدارة العلاقة مع النَّاس عبر الكلمة الطَّيبة والأسلوب الليِّن. فالحكمة تتجلَّى في طريقة تعامل الإنسان مع محيطه، وفي قدرته على اختيار ألفاظه، وضبط انفعالاته، وتقديم الموقف المناسب بأسلوبٍ يحقِّق الإصلاح، ولا يثير النِّزاع.

و"إجمال النُّطق" يعني: الاقتصاد في الكلام، وتجنُّب الإسهاب غير النَّافع، والابتعاد عن العبارات التي قد تُفهم على غير وجهها أو تُثير الحساسيَّة. فالحكيم يزن كلماته بميزان العقل والعاقبة؛ لأنَّ الكلمة قد تبني علاقةً، وقد تهدم أخرى، وقد تُصلح قلبًا أو تُفسده. 

أمَّا "استعمال الرِّفق" فهو التَّعبير العملي عن روح الحكمة في التَّعامل مع النَّاس؛ لأنَّ الرِّفق يفتح القلوب، ويُقرِّب النُّفوس، ويجعل الموعظة أكثر قبولًا، والإرشاد أكثر تأثيرًا. وقد أكَّد القرآن الكريم هذا المعنى في قول الله (تعالى): (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(27)، فإنَّ ليونة الخطاب والرِّفق في التَّعامل كانت أحد أسباب نجاح الرِّسالة واستمرار أثرها.

5. الزُّهد في الدُّنيا

يرتبط الزُّهد في الدُّنيا ارتباطًا وثيقًا ببناء الحكمة في قلب الإنسان، كما بيَّن الإمام الصَّادق (عليه السلام) بقوله: "مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَثْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا دَاءَهَا وَدَوَاءَهَا، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الدُّنْيَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَامِ"(28). وهذا النَّصُّ يكشف عن منظومة متكاملة تربط بين التَّحرُّر من التَّعلُّق بالدُّنيا وبين انفتاح البصيرة وامتلاء القلب بالحكمة؛ لأنَّ التَّعلُّق الزَّائد بالدُّنيا يخلق حجابًا نفسيًّا يحجب الإنسان عن رؤية الحقائق كما هي.

كما أنَّ الزُّهد يفتح أمام الإنسان أفقًا واسعًا لفهم طبيعة الدُّنيا، فيدرك حقيقتها بوصفها دار ابتلاء لا دار بقاء، وممرًّا لا مقرًّا. ومن هنا تتكوَّن لديه رؤية واعية لعيوبها وآفاتها، فيميِّز بين ما هو ثابت وما هو زائل، وبين ما يستحق التَّعلُّق وما لا يستحق. وهذا الإدراك هو من صميم الحكمة؛ لأنَّ الحكيم هو الذي يرى الأشياء في حجمها الحقيقي، دون تضخيمٍ أو تهوين.

وقد أكّد القرآن الكريم هذا المعنى في قول الله (تعالى): (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)(29)، فالدنيا حين تُفهم على حقيقتها تُضعف سلطانها على القلب، وتفتح المجال أمام التَّوجّه إلى الآخرة بوصفها الغاية الكبرى. 

6. التَّواضع

عن نبيِّ الله عيسى بن مريم (عليهما السلام)، أنَّه قال: "يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةٌ اقْضُوهَا لِي قَالُوا: قُضِيَتْ حَاجَتُكَ يَا رُوحَ اللهِ، فَقَامَ، فَغَسَلَ أَقْدَامَهُمْ، فَقَالُوا: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا يَارُوحَ اللهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْخِدْمَةِ الْعَالِمُ؛ إِنَّمَا تَوَاضَعْتُ هَكَذَا لِكَيْمَا تَتَوَاضَعُوا بَعْدِي فِي النَّاسِ كَتَوَاضُعِي لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ عِيسَى (عليه السلام): "بِالتَّوَاضُعِ تُعْمَرُ الْحِكْمَةُ لَا بِالتَّكَبُّرِ، وَكَذَلِكَ فِي السَّهْلِ يَنْبُتُ الزَّرْعُ لَا فِي الْجَبَلِ"(30).

وهذا التَّشبيه يضع التَّواضع في موقع الأرض الخصبة التي تحتضن بذور الحكمة وتنمِّيها، بينما يجعل الكبر حالةً صلبةً تمنع نموّها، وتمنعها من الامتداد في النَّفس والتَّعامل.

فالحكمة، وإن كانت نورًا ومعرفةً، إلَّا أنَّها تحتاج إلى قابليَّةٍ تستقبلها وتزيدها، وهذه القابليَّة لا تتكوَّن إلَّا في نفسٍ متواضعةٍ منفتحةٍ على الحقِّ، مستعدَّةٍ لقبول النَّقد، وقادرةٍ على مراجعة الذَّات. أمَّا التَّكبر؛ فإنَّه يغلق منافذ التَّعلم، ويجعل الإنسان أسير رؤيته الخاصَّة، فيفقد القدرة على التَّطوّر، مهما امتلك من معرفة ظاهريَّة. ولهذا كان التَّواضع شرطًا أساسيًّا لاكتساب الحكمة واستمرارها.

ومن اللافت في النَّصّ أنَّ النَّبيَّ عيسى (عليه السلام) جسَّد التَّواضع بالفعل قبل القول، حين قام بخدمة حوارييه وغسل أقدامهم، ليؤكِّد أنَّ القيم لا تُعلَّم بالكلام فقط، وإنَّما تُرسَّخ بالفعل والأسوة العمليَّة. ثمَّ بيَّن أنَّ أحقَّ النَّاس بالخدمة هو العالم، في إشارةٍ إلى أنَّ العلم الحقيقي لا ينفصل عن التَّواضع، ويزداد به رفعةً؛ لأنَّ العالم كلَّما ازداد معرفةً ازداد إدراكًا لحقيقة نفسه، وضعفها أمام عظمة الخالق (سبحانه).

7. مجالسة الحكماء

من الوسائل التَّربويَّة التي تُسهم في بناء العقل، والحصول على الحكمة (مجالسة الحكماء)، كما يتَّضح هذا من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "مَنْ كَشَفَ مَقالاتِ الحُكَماءِ اِنْتَفَعَ بِحَقائِقِها"(31). وعنه (عليه السلام): "جالِسِ الحُكَماءَ يَكْمُلْ عَقْلُكَ، وَتَشْرُفْ نَفْسَكَ، وَيَنْتَفِ عَنْكَ جَهْلُكَ"(32). فالرِّوايتانِ ترسمانِ بوضوح أثر البيئة الفكريَّة في تشكيل فَهْمِ الإنسان وتوجيه مسيرته نحو الكمال.

وكشف مقالات الحكماء يعني: التَّفاعل مع تجارب العقول الرَّاجحة، لا الاكتفاء بالاطلاع السَّطحي أو القراءة العابرة. أمَّا مجالسة الحكماء، فهي مرحلة أعمق من مجرَّد القراءة؛ وتعني التَّواصل المباشر بالعقول التي تجسِّد الحكمة في أعمالها قبل قولها. فالمجالسة تُحدث نوعًا من التَّفاعل التَّربوي غير المباشر، حيث يكتسب الإنسان من أسلوب الحديث، وطريقة التَّفكير، وهدوء الانفعال، واتِّزان الموقف. ولهذا أكَّد الإمام (عليه السلام) أنَّ هذه المجالسة تُنتج ثلاث ثمار مترابطة: كمال العقل، وسمو النَّفس، وزوال الجهل.

فكمال العقل يتحقَّق حين يتعرَّض الإنسان لخبرات فكريَّة تصحِّح رؤيته وتوسِّع أفقه، فلا يبقى أسير زاوية واحدة من التَّفكير. وسمو النَّفس يتحقَّق عندما يتأثَّر الإنسان بأخلاق الحكماء في التَّواضع والحلم وضبط النَّفس، فيرتقي سلوكه تدريجيًّا نحو السَّداد. أمَّا زوال الجهل فهو نتيجة طبيعيَّة لانكشاف زوايا من التَّفكير لم يكن يدركها الإنسان من قبل.

وقد أشار القرآن الكريم إلى أهميَّة اختيار الصُّحبة المؤثِّرة في بناء الشَّخصيَّة، قال الله (تعالى): (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ)(33)، فالملازمة والجلوس مع أهل العلم والذِّكر لها أثر مباشر في تهذيب النَّفس، وتوجيه الفكر. 

8. ترك التَّكلُّف فيما لا يعني

عن الإمام الكاظم (عليه السلام): "قيلَ لِلُقمانَ عليه السلام: ما يَجْمَعُ مِن حِكْمتِكَ؟

 قالَ: لا أسْألُ عَمّا كُفِيتُهُ، ولا أتَكَلّفُ ما لا يَعْنيني"(34). وهذا النَّص يكشف عن قاعدة تربويَّة دقيقة تُعدُّ من أصول بناء الحكمة، وهي ضبط دائرة الاهتمام؛ فالحكمة هنا القدرة على التَّمييز بين ما هو داخل في نطاق المسؤوليَّة وما هو خارج عنها. فالإنسان الحكيم لا يستهلك طاقته في تتبع ما تكفَّل الله (تعالى) به من أمور قد لا تعود عليه بنفعٍ عملي، ولا ينشغل بما لا يرتبط بمصيره أو واجباته، ويوجِّه جهده إلى ما يُصلح نفسه، ويُقيم حياته على أساس صحيح.

وقول لقمان (عليه السلام) "لا أسأل عما كُفيته" يشير إلى حالة من التَّسليم الواعي لحكمة التَّدبير الإلهي، حيث يدرك الإنسان أنَّ كثيرًا من تفاصيل الحياة قد تكفَّل الله (سبحانه وتعالى) بها، فلا يحتاج إلى القلق أو التَّكلُّف أو التَّعمُّق غير النَّافع. وهذا المعنى ينسجم مع قوله (عزَّ وجلَّ): (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)(35)؛ إذ يفتح التَّقوى باب الثِّقة بالتَّدبير الإلهي بدل الانشغال المفرط بالشكوك.

أمَّا قوله "ولا أتكلف ما لا يعنيني" فهو تأسيس لمبدأ أخلاقي مهم، وهو ترك التَّورُّط في ما لا يرتبط بمصلحة الإنسان الحقيقيَّة، سواء في الفكر أو الكلام أو الفعل. وقد ورد في وصايا أهل البيت (عليهم السلام) تأكيد واضح على هذا المعنى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال :"سمعت أبي يقول: "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" (36)؛ لأنَّ الانشغال بما لا يعني الإنسان يشتِّت الفكر، ويضعف التَّركيز، ويصرفه عن بناء ذاته.

ومن النَّاحية التَّربويَّة، فإنَّ هذا الأصل يحرِّر الإنسان من الفوضى الفكريَّة وكثرة التَّشتت، ويمنحه قدرة أعلى على إدارة وقته وطاقته في الاتِّجاه الصَّحيح، ممَّا يجعله أكثر استقرارًا في قراراته. فالحكمة في معرفة ما ينبغي تركه قبل معرفة ما ينبغي فعله.

المحور الرَّابع: كيف أوتي لقمان الحكمة؟

ورد عن الإمام الصَّادق (عليه السلام) رواية يبيِّن فيها العوامل التي كانت سببًا في إيتاء لقمان (عليه السلام) الحكمة وتكوّنها في شخصيته. ومن الجدير بالإنسان أن يمعن النَّظر في هذه الرِّواية بعناية، ويفهم مضامينها، ويعمل على تطبيقها في حياته؛ لما في ذلك من آثارٍ تربويَّةٍ ومعرفيَّةٍ تُثمر في بناء الحكمة واكتسابها. والرِّواية هي: "أَمَا وَالله مَا أُوتِيَ لُقْمَانُ الْحِكْمَةَ بِحَسَبٍ وَلَا مَالٍ وَلَا أَهْلٍ وَلَا بَسْطٍ فِي جِسْمٍ وَلَا جَمَالٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا قَوِيًّا فِي أَمْرِ الله، مُتَوَرِّعاً فِي الله، سَاكِتاً سَكِيناً، عَمِيقَ النَّظَرِ، طَوِيلَ الْفِكْرِ، حَدِيدَ النَّظَرِ، مُسْتَغْنٍ بِالْعِبَرِ. 

لَمْ يَنَمْ نَهَاراً قَطُّ، وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى بَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَا اغْتِسَالٍ لِشِدَّةِ تَسَتُّرِهِ، وَعُمُوقِ نَظَرِهِ، وَتَحَفُّظِهِ فِي أَمْرِهِ. وَلَمْ يَضْحَكْ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ مَخَافَةَ الْإِثْمِ، وَلَمْ يَغْضَبْ قَطُّ، وَلَمْ يُمَازِحْ إِنْسَاناً قَطُّ، وَلَمْ يَفْرَحْ لِشَيْءٍ إِنْ أَتَاهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَا حَزِنَ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ قَطُّ. 

وَقَدْ نَكَحَ مِنَ النِّسَاءِ وَوُلِدَ لَهُ الْأَوْلَادُ الْكَثِيرَةُ، وَقَدَّمَ أَكْثَرَهُمْ إِفْرَاطاً، فَمَا بَكَى عَلَى مَوْتِ أَحَدٍ مِنْهُمْ.

 وَلَمْ يَمُرَّ بِرَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ أَوْ يَقْتَتِلَانِ إِلَّا أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَمْضِ عَنْهُمَا حَتَّى تَحَاجَزَا، وَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلًا قَطُّ مِنْ أَحَدٍ اسْتَحْسَنَهُ إِلَّا سَأَلَ عَنْ تَفْسِيرِهِ وَعَمَّنْ أَخَذَهُ، وَكَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةَ الْفُقَهَاءِ وَالحُكَمَاءِ.

 وَكَانَ يَغْشَى الْقُضَاةَ وَالمُلُوكَ وَالسَّلَاطِينَ، فَيَرْثِي لِلْقُضَاةِ مِمَّا ابْتُلُوا بِهِ، وَيَرْحَمُ المُلُوكَ وَالسَّلَاطِينَ لِغِرَّتِهِمْ بِالله وَطُمَأْنِينَتِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَيَعْتَبِرُ وَيَتَعَلَّمُ مَا يَغْلِبُ بِهِ نَفْسَهُ وَيُجَاهِدُ بِهِ هَوَاهُ وَيَحْتَرِزُ بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ. 

وَكَانَ يُدَاوِي قَلْبَهُ بِالتَّفَكُّرِ، وَيُدَارِي نَفْسَهُ بِالْعِبَرِ، وَكَانَ لَا يَظْعَنُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ، فَبِذَلِكَ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ وَمُنِحَ الْعِصْمَةَ. 

وَإِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَرَ طَوَائِفَ مِنَ المَلَائِكَةِ حِينَ انْتَصَفَ النَّهَارُ وَهَدَأَتِ الْعُيُونُ بِالْقَائِلَةِ؛ فَنَادَوْا لُقْمَانَ حَيْثُ يَسْمَعُ وَلَا يَرَاهُمْ فَقَالُوا: يَا لُقْمَانُ! هَلْ لَكَ أَنْ يَجْعَلَكَ اللهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ تَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ؟.

فَقَالَ لُقْمَانُ: إِنْ أَمَرَنِي رَبِّي بِذَلِكَ فَالسَّمْعَ وَالطَّاعَةَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ فَعَلَ بِي ذَلِكَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ، وَعَلَّمَنِي وَعَصَمَنِي، وَإِنْ هُوَ خَيَّرَنِي قَبِلْتُ الْعَافِيَةَ. فَقَالَتِ المَلَائِكَةُ: يَا لُقْمَانُ! لِمَ قَالَ.

 قَالَ لُقْمَانُ : لِأَنَّ الحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ بِأَشَدِّ المَنَازِلِ مِنَ الدِّينِ، وَأَكْثَرُ فِتَنًا وَبَلَاءً مَا يُخْذَلُ وَلَا يُعَانُ وَيَغْشَاهُ الظُّلَمُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَصَاحِبُهُ مِنْهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِنْ أَصَابَ فِيهِ الحَقَّ فَبِالحَرِيِّ أَنْ يَسْلَمَ، وَإِنْ أَخْطَأَ أَخْطَأَ طَرِيقَ الجَنَّةِ. وَمَنْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا ذَلِيلًا وَضَعِيفًا كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ فِي المَعَادِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَكَمًا سَرِيًّا شَرِيفًا. وَمَنِ اخْتَارَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ يَخْسَرُهُمَا كِلْتَيْهِمَا تَزُولُ هَذِهِ وَلَا تُدْرَكُ تِلْكَ.

قالَ : فتَعَجَّبَتِ المَلائكةُ مِن حِكمَتِهِ واستَحسَنَ الرَّحمنُ مَنطِقَهُ، فلَمّا أمسى وأخَذَ مَضجَعَهُ مِن اللّيلِ أنزَلَ اللهُ علَيهِ الحِكمَةَ فغَشّاهُ بها مِن قَرنِهِ إلى قَدَمِهِ وهُو نائمٌ وغَطَّاهُ بالحِكمَةِ غِطاءً، فاستَيقَظَ وهُو أحكَمُ النَّاسِ في زَمانهِ، وخَرَجَ علَى النَّاسِ يَنطِقُ بالحِكمَةِ ويُثبِتُها فيها..."(37).

وتكشف هذه الرِّواية الشَّريفة عن أنَّ الحكمة التي أُوتيها لقمان (عليه السلام) لم تكن نتيجة جاهٍ اجتماعي، أو مالٍ، أو قوَّةٍ ظاهريَّة، وإنَّما ثمرة بناءٍ نفسيٍّ وعقليٍّ وأخلاقيٍّ. فقد قدَّمت الرِّواية لقمان (عليه السلام) بوصفه نموذجًا للإنسان الذي ربَّى نفسه على التَّقوى، وضبط الشَّهوات، وطول التَّفكُّر، وكثرة الاعتبار، حتَّى أصبحت الحكمة حالةً راسخةً في نفسه وشخصيَّته.

وتُظهر الرِّواية أنَّ من أهمِّ أسباب وصوله إلى هذا المقام قوَّة ارتباطه بالله (تعالى)، وشدَّة ورعه، وتحفُّظه في أقواله وأفعاله، وابتعاده عن العبث والانفعال، فضلًا عن انشغاله الدَّائم بمحاسبة النَّفس ومجاهدتها. كما تكشف عن دوره الاجتماعي الإصلاحي؛ إذ كان يسعى إلى الإصلاح بين النَّاس، ويحرص على الاستفادة من العلماء والحكماء، ويتعامل مع التَّجارب والأحداث بوصفها مصادر للتَّعلُّم واكتساب البصيرة.

ومن الأبعاد المهمَّة في الرِّواية أنَّ لقمان (عليه السلام) كان يمتلك فطنةً بخطورة المناصب والمسؤوليات، ولذلك لم يندفع إلى طلب الحكم أو السُّلطة، ونظر إليها بعين التَّكليف والمحاسبة، لا بعين الجاه والمكسب. وهذا التَّعقل يكشف عن إرتقاء في الإدراك جعله يدرك ثقل العدالة بين النَّاس، وما يحيط بها من ابتلاءات وفتن.

كما تؤكِّد الرِّواية أنَّ الحكمة ثمرة مجاهدةٍ طويلة للنَّفس، وتربيةٍ مستمرَّة للعقل والقلب والسُّلوك. ولهذا جاءت الحكمة الإلهيّة كلحظة تتويج لمسيرة طويلة من الإخلاص والتَّفكُّر والزُّهد والانضباط النَّفسي، حتَّى أصبح لقمان (عليه السلام) أحكم أهل زمانه، ينطق بالحكمة ويجسِّدها في حياته ومواقفه.

وفي ضوء ما تقدَّم، يتَّضح أنَّ الحكمة في المنظور القرآني والرِّوائي هي ثمرة مسارٍ طويلٍ من تهذيب النَّفس، وتصحيح العلاقة بالله (تعالى)، ومجاهدة الهوى، وملازمة الفكر والتَّأمُّل. وقد قدَّمت سيرة لقمان الحكيم (عليه السلام) نموذجًا حيًّا للإنسان الذي ارتقى بالحكمة؛ لأنَّه بنى شخصيَّته على الإخلاص، والتَّقوى، والصَّبر، والتَّواضع، وحسن التَّعامل مع النَّاس، حتَّى أصبحت الحكمة نورًا يوجِّه فكره ومواقفه.

كما تكشف النُّصوص الشَّريفة أنَّ الحكمة قوَّة تبصر الإنسان بحقائق الأمور، وتمنحه القدرة على وضع الأشياء في مواضعها المناسبة، وتحصِّنه من الانحراف والاندفاع، وتجعله أكثر اتِّزانًا في مواجهة فتن الحياة وتقلباتها. ومن هنا كانت الحكمة من أعظم النِّعم الإلهيَّة؛ لأنَّها تبني الإنسان الواعي الذي يعيش الدُّنيا بعقلٍ وقلبٍ متوازنَين، ويتعامل مع النِّعم والابتلاءات بمنظار الآخرة لا بمنظار الهوى والرَّغبة العابرة.

ومن أهمِّ ما تؤكِّده تجربة لقمان (عليه السلام) أنَّ الحكمة تبدأ من إصلاح النَّفس قبل إصلاح الخارج؛ وكلَّما ازداد الإنسان صدقًا مع الله (تعالى)، ومحاسبةً لنفسه، وتحرّرًا من التَّعلُّق بالفانيات، واتِّصالًا بأهل العلم والحكمة، انفتحت بصيرته، وتهيَّأت نفسه لتلقِّي نور الحكمة. 

إنَّ العالَمَ المعاصر، بما يحمله من اضطراب فكريٍّ وتسارعٍ في الشَّهوات والمغريات، أحوج ما يكون إلى إحياء ثقافة الحكمة في الفرد والأسرة والمجتمع؛ لأنَّ كثيرًا من الأزمات تنشأ من غياب البصيرة وسوء التَّقدير. وانطلاقًا من ذلك؛ فإنَّ العودة إلى مدرسة القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام) في صناعة الإنسان الحكيم تصبح ضرورةً تربويَّةً وحضاريَّةً؛ لبناء شخصيَّاتٍ تمتلك القدرة على التَّمييز بين الحقِّ والباطل، وتتعامل مع الحياة باتزانٍ ومسؤوليَّة.

نسأل الله (تعالى) أن يرزقنا نور الحكمة، ونفاذ البصيرة، وحسن المعرفة به، وأن يجعلنا من الَّذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، إنَّه وليُّ التَّوفيق والهداية.

............................................

الهوامش:

1. سورة يوسف/ الآية: 111.

2. سورة لقمان/ الآية: 12.

3. سورة البقرة/ الآية: 269.

4. مفردات ألفاظ القرآن: ص249.

5. تقريب القرآن إلى الأذهان: ج4، ص266.

6. مجمع البحرين: ص315.

7. سورة ق/ الآية: 37.

8. سورة لقمان/ الآية: 12.

9. الكافي: ج1، ص16.

10. الكافي: ج1، ص453.

11. بحار الأنوار: ج1، ص215.

12. عيون الحكم والمواعظ: ص208.

13. سورة البقرة/ الآية: 269.

14. سورة آل عمران/ الآية: 185.

15. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص59.

16. م. ن: ص59.

17. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص59.

18. الكافي: ج2، ص16. 

19. سورة البينة/ الآية: 5.

20. سورة البقرة/ الآية: 282.

21. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص59.

22. سورة التوبة/ الآية: 122.

23. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص59.

24. سورة النازعات/ الآيتان: 40 ـ 41.

25. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص142.

26. م. ن: ص211.

27. سورة آل عمران/ الآية: 159.

28. الكافي: ج2، ص128.

29. سورة الحديد/ الآية: 20.

30. الكافي: ج1، ص88.

31. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص61.

32. عيون الحكم والمواعظ: ص223.

33. سورة الكهف/ الآية: 28.

34. قصص الأنبياء (الراوندي): ص 179.

35. سورة الطلاق/ الآيتان: 2-3.

36. الزهد (حسين بن سعيد الكوفي): ص10.

37. قصص الأنبياء (الراوندي): ص181 ـ 183.

اضف تعليق