أفرزت المرحلة التي تلت سقوط نظام صدام حسين في العراق، وكذلك التي تلت سقوط الأنظمة العربية في تونس ومصر بعد ثورات مايعرف بالربيع العربي حضوراً للأحزاب السياسية ذات الطابع الإسلامي أو مايصطلح عليه بالأحزاب (الإسلاموية)، هذا الحضور الكثيف انتشر سريعاً كردة فعل طبيعية لما عانته شعوب المنطقة من تسلط الأنظمة الشمولية التي ارتدت الثوب العلماني والليبرالي والتي نادت بحرية الفرد وحقوقه، لكن التطبيقات الحقيقية لهذه الأنظمة التي ظلت في السلطة لعقود أثبتت عكس هذه النظرة تماماً، فالحقبة التي حكمت بها هذه الأنظمة كانت عبارة عن سيطرة على موارد البلدان من أجل تسجيلها كأرصدة إضافية تضاف لثروة الحكام وعوائلهم في أكبر بنوك ومصارف العالم فضلاً عن سعي الحكام لتوريث حكمهم للأبناء كما في التجربة المصرية حين أراد الرئيس المتنحي محمد حسني مبارك -بعد ضغط جماهيري صاخب- توريث الحكم لابنه الذي تبوأ موقعاً متقدماً في الحزب الوطني الحاكم.

ردة الفعل هذه التي انتجت الحضور المكثف لأحزاب الإسلام السياسي لم تكتف بحضورها في المشهد فقط بل أنها تقدمت كثيراً باتجاه تحقيق نتائج انتخابية ساحقة مكنت هذه الأحزاب من السيطرة على مقاليد الحكم وإدارة بلدانها بعد سنوات من التغييب والضغط عليها من قبل الأنظمة التي كانت ترى في وجودها تهديداً خطراً حقيقياً يهدد سلطتها وطموحاتها المتنامية للبقاء فيها وتوريث الحكم للأبناء وللأحفاد حتى.

ولكن، هل قدمت التجربة الإسلامية الحاكمة المرجو منها لجماهيرها العريضة؟ وهل تبنت خلال فترة حكمها النظريات العادلة للفكر الإسلامي الذي نشأت وقامت عليه؟

في تجربتنا العراقية المعاصرة ومنذ أول انتخابات برلمانية حقيقية ولغاية اليوم كان للأحزاب الإسلامية سطوة وهيمنة على مسرح الأحداث السياسية، لكن سرعان مابدأ التذمر الجماهيري والشعبي من أدائها لتبدأ المقارنة بين النظريات التي استندت عليها في نضالها ضد الاستبداد والديكتاتورية وبشرت بها وبين التطبيقات الفعلية لها وهي واقفة في رأس الهدم الإداري للبلاد.

في كتابه المهم (عالم الغد، الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام) للمجدد الكبير آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي نجد له -رحمة الله عليه- نظرة ثاقبة بصيرة بواقع أحزاب الإسلام السياسي وكأنه تنبأ بما سيؤول إليه مصير هذه الأحزاب، وقد درس هذه الموضوعة بعناية فائقة وصلت لعد هذه الأحزاب أحد أسباب الهزيمة الحضارية التي تعاني منها الأمة الإسلامية لأنها ارتكبت أخطاء كبيرة، وقد أرجع الإمام المجدد الراحل هذه الأخطاء إلى عدة أسباب استعرضها بشكل تفصيلي في كتابه المذكور ومنها:

العنف

يعتقد المجدد الشيرازي الراحل أن شيوع العنف والقسوة كثقافة يؤدي إلى تخلف المسلمين وهزيمتهم بقوله: " واتخاذها لغة في الحديث والتعامل فيما بين الناس، مع الاخرين، وقد اتخذت بعض الحركات الإسلامية العنف منهجاً في عملها، ويحدثنا التأريخ عن جملة منها، وكانوا قبل نصف قرن من الزمن، وهو ما حال دون تحقيق التقدم والانتشار "1.

وعلى الرغم من ان المجدد الشيرازي يتحدث في هذا المقطع عن حقبة الاربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين الماضي، الا ان نظرته ورؤيته تبدو واضحة جلية في أيامنا هذه خصوصاً مع الأعمال الوحشية الإجرامية التي ترتكبها المجاميع المرتبطة بالفكر الوهابي المتطرف كتنظيم القاعدة وتنظيم داعش الإرهابيين وغيرها من التنظيمات التي تتخذ من الإسلام المستحدث والبعيد عن القيم الأصيلة والسمحاء لهذا الدين الحنيف سلماً لتبرير جرائمها الكثيرة التي ارتكبتها بحق العالم الإنساني الأمر الذي جعل الأصوات المناوئة ترتفع محذرة من الإسلام ومن يتبناه وهي النقطة التي التفت اليها الإمام الشيرازي حين تحدث عن موضوع في غاية الأهمية وهو عرض الإسلام بصورة خاطئة مستشهداً بالتنظيمات التي تسببت بنفور الناس من الإسلام كونها تريد "(إحياء الخلافة) بينما (الخلافة) ممقوتة في أذهان الناس -المسلمين منهم وغير المسلمين- لما فعله الأمويون والعباسيون والعثمانيون وغيرهم من الجرائم والموبقات. إضافة إلى أنهم يلوحون بالعصا الغليظة بحجة (اننا نريد تطبيق الحدود الشرعية من جلد الزاني وقطع يد السارق) كل ذلك بصورة مقززة ايضا، وحيث يتذكر الناس ماقرأوه في التواريخ وما رأوه في بعض الحكومات من الاعدامات وأحكام الجلد وقطع اليد أو الرجل وغيرها من العقوبات القاسية والاعتباطية في آن واحد مما يثير في النفوس الاشمئزاز والكراهية من حكم الإسلام الذي يقترن في أذهانهم بهذه الأمور "2.

وبعيداً عن التنظيمات الارهابية نجد في تجربة حكم الاخوان المسلمين مصداقاً لرؤية المجدد الراحل في تقديم الإسلام بصورته الخاطئة والتي أدت فيما بعد الى نقمة جماهيرية انتهت الى ازالتهم والاطاحة بحكمهم.

لذلك يؤكد الإمام الشيرازي على ضرورة انتهاج الأحزاب والمنظمات الإسلامية برامج تقنع الآخر وتتوافق مع المرحلة الزمنية وضرورة أن ترتبط البرامج بسلوكيات تنسجم مع أفكارها التي تتبناها، الأمر الذي سيؤدي إلى نظرة صحيحة للإسلام توفر الإطمئنان النفسي للناس مدعماً نظرته بالعديد من الأدلة والاستشهادات من الأحاديث والروايات الواردة عن الرسول الكريم وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين ومنها ماروي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله (ص):" إن الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه "3.

ترف القادة

لم يعد خافياً عن العامة في العراق حالة الترف الواضحة التي يتمتع بها قادة الأحزاب السياسية الحاكمة بعد أن تقاسموا المناصب الحكومية في بلد الخيرات بينما يرزح أبناء الشعب الذين كانوا السبب الرئيس في صعود هؤلاء القادة وهذه الأحزاب بعد وعود قطعوها للجماهير ولم تتحقق مما ولد تذمراً شعبياً منها ومن طريقة تعاطيها مع الحكم وسلوكيات قادتها وأعضائها والتي بدت مستفزة لفقراء الشعب.

وفي هذه النقطة تحدث الإمام الراحل بشكل صريح ومباشر بقوله " بعض قادة الأحزاب والمنظمات الإسلامية يسلكون سبيل البذخ والترف في حياتهم، بالسكن في القصور وشراء السيارات الفارهة والتزوج بالفتيات الجميلات ذوات المكانة المرموقة، والحرص على اقتناء الأثاث الباهض الثمين، وبذلك يوجدون مسافة بعيدة تفصلهم عن عامة الشعب، حيث ان من طبيعة الناس عدم الاعتراف بقادة يسكنون الأبراج العاجية ويرفلون بالنعيم، ثم يتكلمون باسم الفقراء والمساكين، أو باسم الإسلام والمسلمين، بالإضافة إلى أن من يتكلم باسم الدين لابد أن يكون مثل الرسول الأكرم (ص) وخلفائه الطاهرين عليهم السلام في السلوك والعمل، فإذا رأى الناس قادة المنظمات والأحزاب والجمعيات الإسلامية يسلكون خلاف سلوكهم، عرفوا أنهم ليسوا من الإسلام في شيء، فينفضوا من حولهم، ويسبب ذلك فشلهم"4.

ومثلما يضع الإمام المجدد اصبعه على الجرح في هذه الإشكالية المتعلقة بحالة الترف والبذخ عند قادة الأحزاب والمنظمات الإسلامية هو لايتركها من دون حلول حيث يكتب عن القيادة النموذجية ويقدم رؤيته لهذه القيادة التي يريد لها أن تعود إلى سيرة المعصومين الطاهرين.

وفي نقطة نجدها هي الأهم في كل الإشارات التي أشار اليها الامام الشيرازي الراحل حول أخطاء الأحزاب الإسلامية يتحدث عن عزلتها عن الجماهير (النخبوية) والتي يؤكد على أهمية الدور المجتمعي الذي تقوم به وأن اي ابتعاد عن الدور النخبوي او تجاهله يؤدي الى تحجيم تلك الأحزاب والتنظيمات وبطبيعة الحال لن تستطيع التأثير والتغيير على الصعيد السياسي والمجتمعي.

في القسم الثاني من هذه الدراسة سنطرح -إن شاء الله تعالى- الأسباب الأخرى التي أشار لها الامام الشيرازي.

........................................
1/ عالم الغد، الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته): ص217
2/ نفس المصدر السابق: ص271
3/ وسائل الشيعة: ص214
4/ عالم الغد، الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته): ص225

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0