إن تفضيل رئيس الوزراء الحالي في هذا السياق لا يمثل انحيازًا سياسيًا بقدر ما يعكس التزامًا صريحًا بجوهر الديمقراطية، واحترامًا لقيمة الصوت الانتخابي، وتأكيدًا على أن رئاسة الوزراء يجب أن تكون امتدادًا لإرادة الناس كما عبّرت عنها صناديق الاقتراع، لا نتيجة لتجاوزها أو الالتفاف عليها...

عندما ينحصر خيار رئاسة الوزراء في العراق بين رئيس وزراء سابق لم يشارك في الانتخابات الأخيرة ولا يمتلك هو أو أنصاره أي تمثيل برلماني، وبين رئيس وزراء حالي أفرزت العملية الانتخابية كتلته البرلمانية بواقع 46 مقعدًا وحصل على أكثر من مليون صوت ناخب، فإن معيار الاختيار لا ينبغي أن يُبحث في التوازنات الظرفية أو التسويات السياسية، بل في جوهر الشرعية الديمقراطية نفسها ومعناها العملي.

الديمقراطية ليست مجرد آلية إجرائية لتدوير السلطة، بل هي منظومة متكاملة قوامها التفويض الشعبي واحترام نتائج الاقتراع وربط السلطة التنفيذية بالإرادة العامة التي عبّرت عن نفسها عبر صناديق الانتخابات، ومن هذا المنطلق فإن أي اختيار لرئيس الوزراء يتجاوز الوزن الانتخابي الفعلي والتمثيل البرلماني الحقيقي يضع العملية السياسية في حالة تناقض مع الأسس التي تقوم عليها.

إن ترجيح رئيس الوزراء الحالي لولاية ثانية في هذه الحالة لا يمثل مكافأة سياسية، بل ترجمة طبيعية لنتائج الانتخابات واحترامًا لمبدأ الأغلبية السياسية بوصفه تعبيرًا عن التوازن الاجتماعي القائم، كما أنه يؤكد أن الانتخابات ليست حدثًا شكليًا أو إجراءً رمزيًا، بل أداة حقيقية لتحديد من يمتلك الحق الدستوري والأخلاقي في قيادة السلطة التنفيذية.

في المقابل، فإن تكليف شخصية سياسية لم تخض الانتخابات ولم تنل أي تفويض شعبي مباشر أو غير مباشر يفضي إلى فصل خطير بين السلطة والشرعية، ويعيد إنتاج نمط من الحكم القائم على التوافقات المغلقة لا على الإرادة العامة، وهو ما يضعف ثقة المواطنين بالمسار الديمقراطي ويكرّس قناعة بأن نتائج الانتخابات يمكن تجاوزها متى ما تعارضت مع حسابات القوى السياسية.

ومن منظور ديمقراطي صرف، لا تُقاس الأهلية السياسية بالتجربة السابقة وحدها ولا بالرمزية التاريخية، بل بمدى الارتباط الراهن بإرادة الناخبين وبالتمثيل النيابي المنبثق عنها، فالديمقراطية لا تعمل بأثر رجعي ولا تمنح شرعيتها خارج الزمن الانتخابي، بل تستمد قوتها من الحاضر السياسي وما أفرزه من وقائع رقمية واضحة.

كما أن منح رئيس الوزراء الحالي فرصة الولاية الثانية في ظل هذا التفويض الشعبي يعزّز مبدأ المحاسبة، إذ يبقى أداؤه خاضعًا للتقييم الشعبي في الاستحقاق الانتخابي اللاحق، بينما يؤدي اختيار رئيس وزراء بلا قاعدة انتخابية إلى تعطيل هذه الحلقة الجوهرية بين القرار السياسي والمساءلة الديمقراطية.

وبناءً على ذلك، فإن تفضيل رئيس الوزراء الحالي في هذا السياق لا يمثل انحيازًا سياسيًا بقدر ما يعكس التزامًا صريحًا بجوهر الديمقراطية، واحترامًا لقيمة الصوت الانتخابي، وتأكيدًا على أن رئاسة الوزراء يجب أن تكون امتدادًا لإرادة الناس كما عبّرت عنها صناديق الاقتراع، لا نتيجة لتجاوزها أو الالتفاف عليها.

اضف تعليق