إسلاميات - الإمام الشيرازي

نقاء السريرة

العاقل لا يقصد الشرّ، لأنّه من يزرع الشرّ لا يحصد سوى الشرّ. لذا صاحب الضمير النظيف في أكبر راحة، وخير سعادة، وذلك لأنّ سلامة الصدر تعود أولا وبالذات إلى الإنسان السليم، فتراه يعمل ويفرغ، ويجتمع ويفترق. مثلوج الفؤاد، فارغ البال، خفيف المنكب عن أعباء الحسد والحقد والغلّ والاعتلاء...

إنّ المسلم نقي السريرة، طيّب القلب، سليم النفس، طاهر الروح، فهو لا يحسد، ولا يرائي، ولا يتكبّر، ولا يعتلي، ولايحقد، ولا ينوي الشرّ.. فالإسلام يريد أن يكون ضمير الشخص وقلبه أشدّ بياضاً من الثلج، وأنقى من اللجين، وأصفى من الماء العذب، يطوي على الخير، ويثني على الحقّ، يسع الدنيا برحبها، ويشرق إشراق الشمس في رابعة النهار.

وكما قال تعالى: (فَمَنْ يُرِدْ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَيُؤْمِنُونَ)(1).

ومن المعلوم: إنّ إرادة الله تعالى ليست كالطفيليات التي تنبت مع الزرع لا بذر لها ولا سابقة، فالحكمة العليا لا تأتي عبثاً، بل إنّ المرء إذا اتّبع عقله، ولبّى نداء فطرته، وكفّ نفسه عن الهوى، أخذ الله تعالى بيده، وشرح للحقّ صدره، بينما المرء إذا اتّبع شهواته، وتنكّب الطريق، ولوى عن الحقّ، وثنى عطفه، تركه الله وهواه، ووكّله إلى نفسه، فلم يزدد عن الله إلاّ بعداً، وعن المنهج القويم إلاّ ضلالا، فيضيق صدره عن قبول الحقّ.

ولا يخفى أنّ المسلم الحقيقي يسعى دائماً لأنّ يكون طاهر النفس، سليماً في سجاياه، وكما قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً)(2).

فكيف يحسد المسلم ـ أو بالأحرى: العاقل ـ وهو يعلم أنّ تفوّق الآخرين عليه، ليس إلاّ من فضل الله وحسن بلائه؟ ناهيك إنّه إذا شكر وصبر كان له الأجر، وإن حسد وأدبر، كانت عاقبة أمره شرّاً والعياذ بالله. بل إنّ العاقل لا يقصد الشرّ، لأنّه من يزرع الشرّ لا يحصد سوى الشرّ.

ولذا تجد أنّ صاحب الضمير النظيف في أكبر راحة، وخير سعادة، وذلك لأنّ سلامة الصدر تعود أولا وبالذات إلى الإنسان السليم، فتراه يعمل ويفرغ، ويذهب ويأتي، ويجتمع ويفترق.. مثلوج الفؤاد، فارغ البال، خفيف المنكب عن أعباء الحسد والحقد والغلّ والاعتلاء.

وذلك كما قال الشاعر:

اصبر على حسد الحسود فإنّ صبرك قاتله

النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله(3)

فما أجمل هذا التعبير حيث شبّه الحسد بالنار التي تأكل صاحبها، وكذا الحال بالنسبة للغلّ والحقد والكبر إذ أنّ كلّها نيران محرقة، لا تبقي ولا تذر.

وكما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (قلب المؤمن أجرد. فيه سراج يزهر، وقلب الكافر أسود منكوس)(4).

فالقلب السليم كالتربة النقيّة ينبت فيها كل خير، فيؤتي أكله الشهيّة. أمّا القلب المريض فهو كالتربة المالحة، لا تكون إلاّ عفنة مجّة، تتكوّن فيه الجراثيم، وتنتشر منه الأوبئة... ففساد الأعضاء وصلاحها ناجمة من صلاح القلب وفساده.

وكما قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ منزلة القلب من الجسد: بمنزلة الإمام من الناس الواجب الطاعة عليهم. ألا ترى: إنّ جميع جوارح الجسد شُرط للقلب، وتراجمة له، ومؤدّية عنه: الاُذنان، والعينان، والأنف، والفم، واليدان، والرجلان، والفرج؟ فإنّ القلب إذا همّ بالنظر فتح الرجل عينيه، وإذا همّ بالاستماع حرّك اُذنيه وفتح مسامعه فسمع، وإذا همّ القلب بالشمّ استنشق بأنفه، فأدّى تلك الرائحة إلى القلب، وإذا همّ بالنطق تكلّم باللسان، وإذا همّ بالحركة سعت الرجلان، وإذا همّ بالشهوة تحرّك الذكر. فهذه كلّها مؤدّية عن القلب بالتحريك..)(5).

ومن البديهي: أنّ سلامة القلب لا تحصل عبثاً واعتباطاً، بل تحتاج إلى مراقبة مستمرّة، وكدح دائم، ومواظبة طويلة، وتنقية إثر تنقية.

هذا وللقلب تعاريج ومنعطفات، ربما يظن الشخص: أنّها صفاء نفسه عن كدر الرذيلة، حتّى إذا طغى في القلب عرق الحسد أو الحقد أو.. أو.. حينها يصعب على المرء امتلاك زمام نفسه. فقد تنبعث الحركة عن النفس عفواً، فيظنّ الشخص فيها خيراً، ولكنّها ـ في واقع الأمر ـ ليس إلاّ تنفّس حقد مكتوم، أو حب جاه مخمود، أو نوايا شرّ مكظوم.. وحقّاً إنّ مرض القلب من أخطر الأمراض، إذ أنّه إذا فسد يفسد الجسد كلّه، فهو كالسرطان الذي ينبت في اللحم ثمّ لا يزال يمدّ يده ورجله إلى سائر الأعضاء، حتّى إذا صادف موضعاً حسّاساً أهلك المريض وأودى بحياته العزيزة.

بل إنّ مرض القلب يفسد العاجلة والآجلة، فكل مرض لايعدّ شيئاً بالنسبة إليه، حتّى وإن أودى بروح الحي، فاُلحد مقبوراً.

ولذلك فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في حديث له: (في الإنسان مضغة، إذا هي سلمت وصحّت، سلم بها سائر الجسد، فإذا سقمت، سقم لها سائر الجسد وفسد، وهي القلب)(6).

وقد أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) ابنه، فقال: (يا بني! إنّ من البلاء الفاقة، وأشدّ من ذلك مرض البدن، وأشدّ من ذلك مرض القلب، وإنّ من النعم سعة المال، وأفضل من ذلك صحّة البدن، وأفضل من ذلك تقوى القلوب)(7).

وعلى أي حال: فصاحب القلب السليم في أعظم النعم، فهو يرضى بالقسمة ولا يحزن، ويعلم أنّ ما آتى الله غيره لحكمة فلا يحسد، ويدري أنّ عزّ الدنيا لا ينفع فلا يتكبّر، ويتيقّن بأنّ الأعمال الخالصة هي المقبولة فلا يرائي.

وكما أنّ مرض القلب الصنوبري يسبّب ضعفاً عاماً في جميع المشاعر، وصاحبه عادةً ما يكون معرّضاً لكارثة السكتة، كذلك مرض القلب الروحي، فهو يوجب خبالا شاملا في الأعضاء، إذ أنّ اضطراب الحواس دليل على اضطراب القلب.

فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): (لقد علّق بنياط هذا الإنسان بضعة هي أعجب ما فيه وذلك القلب، وذلك أنّ له موادًّ من الحكمة وأضداداً من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ، وإن أسعده الرضى نسي التحفّظ، وإن غاله الخوف شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمر استلبته الغِرّة، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن عضّته الفاقة شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به الشبع كظّته البطنة، فكلّ تقصير به مضرّ، وكل إفراط له مفسد)(8).

يبقى القول: إنّ سليم القلب سليم الأعضاء والمشاعر، ومريض القلب مريض الأعضاء والمشاعر. ولا يختلف اثنان أنّ السليم ـ أي شخص كان ـ أفضل من المريض.

* مقتطف من كتاب: الأخلاق الإسلامية، لمؤلفه: المرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي

............................
(1) سورة الأنعام: 125.
(2) سورة محمد: 17.
(3) بحار الأنوار: ج70 ص258.
(4) بحار الأنوار: ج67 ص59 ح39.
(5) بحار الأنوار: ج58 ص304 ح9، علل الشرائع: ج1 ص109 ح8.
(6) بحار الأنوار: ج67 ص50 ح4، روضة الواعظين: ج2 ص413.
(7) بحار الأنوار: ج67 ص51 ح8، أمالي الطوسي: ص146 ح240.
(8) نهج البلاغة: ص487 ق ح108.

اضف تعليق