الحقوق يلزم أن يكون لها ضمانة الإجراء، وقد كان ضمانة الأجراء للحقوق في المجتمع الإسلامي أمور:

الأول: الخوف من الله سبحانه وعقابه، ورجاء ثوابه.

الثاني: نظافة النفوس بالأخلاق الفاضلة الإنسانية والتي غرسها الإسلام في نفوس المسلمين.

الثالث: الحريات التي وفرها الإسلام للإنسان، حيث مع الحرية لا ضغوط، وحيث لا ضغوط لا مانع للإنسان من الاستقامة، مثلاً التاجر المضغوط عليه بالضرائب المرهقة والقيود والشروط الكثيرة حول تجارته من قبل الدولة لا يستعد بعد ذلك لإعطاء الخمس والزكاة، بخلاف من لا ضريبة عليه ويتمكن أن يتاجر في جو حر أخذاً وعطاءً وبيعاً وشراءً.

الرابع: تماسك المجتمع الإسلامي بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه كان كلهم راعياً وكل راع مسؤول عن رعيته، كما أشير إليه في الحديث، والمجتمع المتماسك أكثر قدرة لتنفيذ الحقوق من المجتمع غير المتماسك حيث لا رقابة اجتماعية.

الخامس: قلة الحاجات، فإن من كثرت حاجاته لابد وأن يمد يده إلى المال الحرام ويهدر الحقوق، كما أن من وقف الاجتماع أمامه فلم يتمكن من الزواج انحرف إلى الفساد وهكذا، وقد كان ذلك من أسباب إجراء الحقوق على موازينها في المجتمع الإسلامي.

السادس: بساطة المحاكم من كل النواحي، كالوصول إلى الحاكم بسهولة، حيث كان الحاكم غالباً يجلس في المسجد، كرسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن جاء بعده إلى أيام متأخرة من الإسلام، وناحية عدم رسوم للمحكمة، وناحية عدم محامين يلوون الأمور حسب أخذهم الأجرة للحق كان أو للباطل، وناحية سرعة الحكم بعد الأدلة الواضحة البسيطة كالشاهدين واليمين، إلى غير ذلك مما لا يكن يتمكن الباطل من النفوذ في المجتمع لخوف الحق الآخذ في كل الجوانب والأقطار، هكذا كان حال المجتمع الإسلامي في ضمان إجراء الحقوق وعدم التعدي عنها إلاّ نادراً.

أما في الحال الحاضر فإن ضمان إجراء الحقوق أمور:

الأول: الوقوف دون انتهاك الحق، وفي المثل: (قيراط من الحمية خير من قنطار من العلاج)، فإنه إذا خاف الحاكم من الفوضى كما في اشتداد أيام الحروب وأيام الزلازل والسيول والبراكين وما أشبه ذلك كان له الحق في منع التجول في أوقات محدودة، والضرورات تقدر بقدرها، وذلك لعدم انتشار السلاح والسراق وتعدي الأمراض الناشئة من إلقاء العدو الغازات المعدية إلى غير ذلك.

لكن لا يخفى أنه ليس معنى ذلك سلب حريات الناس والوقوف دون الاستفادة من الحقوق الطبيعية والفطرية التي منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان وبينها الإسلام.

إن بعض الحقوقيين يوسعون دائرة هذا الأمر بحجة أن المحاكم لا تتمكن من فصل القضايا الكثيرة التي تنشأ من الحرية، ولذا فمن الأفضل عندهم أن تقلص الدولة حريات الناس مهما أمكن، وذلك بجعل الجنسيات والجوازات والهويات وبطاقات العمل وأمثال هذه الأمور التي تقيد الإنسان، كما أنهم يقننون احتياج التجارة إلى الإجازة، والسفر إلى الإجازة، والزراعة إلى الإجازة، والإقامة إلى الإجازة، والعمارة إلى الإجازة، والترميم إلى الإجازة، وبناء المسجد إلى الإجازة، وبناء الحسينية إلى الإجازة، وفتح المكتبة إلى الإجازة، وإخراج الجريدة إلى الإجازة، وإخراج المجلة إلى الإجازة، والزواج إلى الإِجازة، والطلاق إلى الإجازة، وفتح الدكان إلى الإجازة، وتأسيس المستشفى إلى الإجازة، وتأسيس المستوصف إلى الإجازة، وتأسيس دار الولادة إلى الإجازة، وتأسيس دار العجزة إلى الإجازة، واشتراء السيارة إلى الإجازة، واشتراء الدار إلى الإجازة، وفتح المعهد إلى الإجازة، وحصول الولد إلى الإجازة، إلى غيرها وغيرها مما هو كثير، ذكرنا جملة منها في كتاب (الصياغة) وكتاب (نريدها حكومة إسلامية).

وفي هذا الصدد فالدولة تمنع عشرات الحريات، والإجازات ليست لكل من يراجع، بل الإجازة خاصة لأن يكون مريد تلك الأمور ممن ينطبق عليه عشرات القوانين مما يحيي القوميات الضيقة واللغويات المتشتتة والعنصريات المتباغضة والجغرافيات المخترعة واللونيات المتباعدة وما أشبه، فأنت إيراني لا تعطى في العراق الجنسية، وأنت عراقي لا تعطى في إيران اجازة اشتراء الدار، وأنت باكستاني لا تعطى فيهما إجازة التزويج، وأنت مصري لا تعطى في كل الثلاثة إجازة فتح المحل وهكذا، وأنت أسود فكذا، أو أنت لغتك عربية فكذا، وأنت من قوم فلان فكذا، مما جعل الإنسان في التقيد والتكبل فصار حاله أسوأ من الخنافس والخفافيش والطيور والأسماك والغزلان ونحوها، فإن كل تلك تعمل حسب حريتها الممنوحة لها، أما أنت الإنسان فحولك نسج حديدي من القوانين الكابتة والأنظمة الخانقة، وأية مخالفة لهذه القوانين إذا حصلت منك فبانتظارك السجن والتعذيب والمصادرة، وأحياناً القتل والتشهير.

وإذا بقيت هذه القوانين فإنها تأخذ في التضييق والتضييق، كما هي عادة جماعة يجلسون في مكان باسم مجلس الأمة أو مجلس الأعيان أو مجلس الوزراء أو مجلس قيادة الثورة ويعتمدون على السلاح ويضعون كل يوم قوانين جديدة لكبت الإنسان وتفكيك بعضهم عن بعض ومزاحمته في كل أعماله، وليس ببعيد أن أتي يوم يفصلون هؤلاء كل محلة عن محلة، وكل مدينة عن مدينة، ويحتاج الإنسان فيه إلى أن يكون خروجه صباحاً عن داره ورجوعه ليلاً إلى داره بحاجة إلى تحصيل رخصة من البلدية أو من الحزب أو مجالس المحلات أو ما أشبه ذلك، وتعمم الدولة منع التجول في كل ليلة من الغروب إلى الساعة الثامنة صباحاً، وأن كل إنسان يجب عليه إعلام الدولة كل أسبوع بما أكل وما عمل وكم مرة استحم، إلى غير ذلك.

ألسنا نحن الآن في منتصف الطريق إلى كل هذه الأمور، نعم والحجة التي يسندها السلاح والمال والسجن والإعلام وأعمدة المشانق موجودة، فمنع التجول في الليل خوفاً من وقع حادث قتل في هدوء الليل، والاحتياج إلى الإجازة الصباحية لأجل اطلاع الدولة عن حوادث قتل أو سرقة أو اغتصاب في الدور والفنادق ونحوهما في الليلة الماضية، وفصل المدن والمحلات لأجل أن لا ينتقل المجرمون من مكان إلى مكان ويهربون من قبضة العدالة، إلى غير ذلك مما ليس هذا الكتاب بصدد تفصيله، وإنما كان القصد الإلماع إلى أن اعتذار بعض الحقوقيين من هذه القوانين الكابتة واحتجاجهم بأمثال هذه الحجج التي ذكرناها لأجل جعلها وتطلبهم المزيد من جعل أمثالها وإلقائهم التبعة على الناس وجناياتهم الكثيرة تارة، وعلى القضاء وعدم تمكنه من فصل القضايا والمنازعات تارة، وعليه فمن الأفضل الوقوف دون الحريات لأن لا تقع الجرائم، ليس إلاّ من عدم العمل بنداء العقل وقوانين الفطرة التي بينها الإسلام وطبقها المسلمون قروناً كثيرة.

ومن المعلوم أن الحكام في بلاد الإسلام كانوا على الأغلب أناساً غير صالحين، إلاّ أن ذلك لم يكن يعني كبت حريات المسلمين وتأخيرهم إلى الخلف، كما هو المشاهد في العصور الحاضرة.

وليس ما ذكرناه خاصاً ببلاد الإسلام في الحال الحاضر بل كل العالم يحترق في هذا الأتون، نعم نصيب بلاد الإسلام أكثر من البلاد التي تسمى بالديمقراطية أما بلاد الشيوعية فلا أثر للحرية فيها إطلاقاً، وكأنه شيء تاريخي مذكور في القاموس فقط.

الحريات في التاريخ الإسلامي

ولا أدل على كثرة حريات الناس في الزمن الإسلامي من بساطة القضاة تلك البساطة التي قل نظيرها، فقد كان قاضي الكوفة وهي مدينة وسيعة، ذكر بعضهم أن نفوسها كانت ستة ملايين، وأن سعتها من مسجد الكوفة ـ وهو على الأغلب كان في وسط المدينة ـ إلى جانب كربلاء كانت خمسة فراسخ كما ذكره بعض المؤرخين مما يخمن أن سعة البلد كانت ثلاثة أضعاف القدر، كان القاضي شخصاً واحداً هو شريح من زمن الخليفة الثاني إلى ستة خلفاء آخرين، وكان يجلس في المسجد ليقضي بين الناس، فلم يكن هناك حاكم صلح وحاكم بداءة وحاكم جزاء وحاكم استيناف وحاكم تمييز وحاكم كذا.

وقد رأيت أنا قبل نصف قرن أن حاكماً واحداً كان يحكم مدينة كربلاء وحواليها البالغة نفوسها زهاء مائة ألف، وهو المرحوم السيد عبد الحسين الحجة، وكانت له رسالة عملية ويلقي دروس خارج الأصول والفقه على طلابه الكثيرين في الصحن الحسيني، ويصلي الجماعة مغرباً، ويقضي حوائج الناس ويكون كأحدهم في زياراته الناس وحضوره الاجتماعات وغيرها، وكان هو مع أعداد قليلة من المعاونين لا يتجاوزون أصابع اليدين يقوم بأكثر مهمات الناس من البيع والشراء والرهن والإجارة والمضاربة والزارعة والمساقاة والأوقاف والأيتام والقصر وتقسيم المواريث والوصايا والنكاح والطلاق وفصل الخصومات وغيرها، وقد ألمعت إلى ذلك في كتاب (بقايا حضارة الإسلام كما رأيت).

فإذا أراد الناس التخلص من هذه القيود والأغلال الكابتة فاللازم عليهم التخلص من هذه القوانين الكثيرة المنافية للحريات، وحيث إن اللازم أن لا يحدث الفوضى في الفترة الانتقالية من القوانين الكابتة إلى القوانين الصحيحة البسيطة، فمن الممكن تشكيل مجلس من عقلاء الأمة ومثقفيها الدينيين والزمنيين لإلغاء القوانين تدريجياً، حتى لا يبقى إلاّ المحرمات الشرعية فقط، وهي قليلة جداً، وإلاّ القوانين التنظيمية الضرورية التي لا يستقيم الاجتماع بدونها مما هي صغريات لكبريات الأدلة الشرعية الأولية أو الثانوية، كأنظمة المرور ونحوها، فيوماً يلغون قوانين الحدود، ويوماً قوانين الضرائب، ويوماً قوانين المكوس والجمارك، ويوماً قوانين التجارة الداخلية، ويوماً قوانين التجارة الخارجية، ويوماً قوانين الجناسي والهويات والكارتات والجوازات وما أشبه، ويوماً قوانين العمارة، ويوماً قوانين الزراعة، ويوماً قوانين الصناعة، ويوماً قوانين السفر، ويوماً قوانين الأحوال الشخصية، ويوماً قوانين التفرقات العنصرية واللونية والإقليمية والجغرافية إلى غيرها وغيرها.

هذا ليس بالنسبة إلى المسلمين فحسب، بل وحتى بالنسبة إلى غير المسلمين، وإذا حدث هذا الشيء فسيرى الإنسان أنه ولادة جديدة في هذا الكوكب، وأنه حر ومنطلق، يذهب كيف يشاء ويعمل كيف يشاء ويقول كيف يشاء في إطار الشريعة الإسلامية، والله المستعان.

نعم ليس من القوانين الكابتة القوانين الموضوعة لمعاقبة السارق والزاني واللاطي والمغتصب والقاتل والناهب والغاش والمختلس والمحتكر ومن يؤذي جاره أو زوجته أو سائر الناس، ومن يخالف قوانين المرور التي جعلت بقدر الضرورة انطلاقاً من دليل (لا ضرر)، ومن يقف دون تسلط الناس على أموالهم وأنفسهم وأعمالهم ونحوها، فإن أمثال هذه القوانين الموضوعة لردع المجرمين عقلية فطرية شرعية.

* مقتطف من كتاب الفقه الحقوق للمرجع الديني الراحل الامام السيد محمد الشيرازي

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0