إسلاميات - الإمام الشيرازي

الحداثة بين دلالات اللفظ وتنوع المضامين

قراءة في المشروع التجديدي للإمام الشيرازي

من أهم الأشياء التي تميز الفكر الحداثي في أي مشروع نهضوي ينطلق من الفكر الإسلامي؛ هو تنوع المضامين التي يمكن استخراجها من ذات لفظة (الحداثة) بما يناسب المشروع التجديدي.

ومثل هذه الثيمة تفرد بها الإمام المجدد السيد محمد الشيرازي (قدس سره) مرتكزاً على مزاوجة الفكر الإسلامي الأصيل الذي ينطلق منه بين الساكن والمتحرك على صعيد النظرية والتطبيق*، الأمر الذي يجعل المشروع واقفاً على أرضية صلبة وأساس متين، على العكس من المشاريع التي تنطلق من نظريات لاسبيل للحركة فيها.

يبدو لي أن لفظة الحداثة في مفهوم الإمام الشيرازي هي بمثابة الشحنات الكهربائية (الأفكار) المنتشرة في الأسلاك (العقول) بتدفق من دون توقف، شريطة متانة هذه الأسلاك وعدم قابليتها للتلف (الفساد). والارتكاز على قيمة النص الشرعي؛ يضمن عدم انفلات المشروع، وانحرافه عن أهدافه التي ينشدها.

أهمية الحداثة أدركها الإمام الراحل، واستوعب إشكالياتها فيما يترتب على تبنيها على نحو لايتقاطع مع الخصوصية الإسلامية والنص الديني، خصوصاً مع التقاطعات التي قد تحدثها التفسيرات غير الصحيحة لهذه النصوص، والتي تؤصل القناعات الباحثة عن التجديد الذي سيكون بالآليات الخاطئة، بينما قد لانحتاج للمصطلح أصلاً في حال سارت الأمور "سيراً صحيحاً تبعاً لمعطيات النص الذي ينطوي بصورة تلقائية على قابلية لإطلاق حركة الواقع" ** . وهنا تتحقق القناعة بأن الحداثة الحقيقية هي التي تؤصل الترابط بين النص والمجتمع، وتعمل على ديمومة حركيته، وعدم تعطيله. هذا الترابط إذا انفصل؛ فإن دلالات الحداثة والتجديد على مستوى المعنى والمضامين؛ ستكون سلبية، وتؤتي ثمارها غير الناضجة.

خطورة التحولات

يقول الشيخ مرتضى معاش : "تحولات التاريخ المعاصر تمثل التحدي الأكبر الذي تعيشه الأمة الإسلامية، حيث برزت مخاطر الانهيار عندما تداعت مظاهر الخلافة الاسلامية المتمثلة بالعثمانيين والتي كانت في جوهرها تعيش تخلفاً مستشرياً في جميع جوانبها، في مقابل ذلك وجود هجوم تغريبي تقوده حضارة ناشئة تحمل طموحات توسعية وثقافية واقتصادية كبيرة.

وبين الزمنين تصبح التحولات البنيوية والجذرية أخطر الإرهاصات التي تقف في مواجهة المصير الحتمي القادم. وتكمن خطورة التحول عندما تفقد الأمة قدرتها على فهم عناصر التغيير وهضم الحوادث المستجدة والتطورات المتسارعة، وبالتالي تفقد قدرتها على اختيار البدائل السليمة؛ فالقديم قد أصبح بالياً وغير قادر على تحقيق أحلام العصر الجديد بل إنه قد يثير النفور بما خلفه من ممارسات غير إنسانية في تاريخه، والجديد يحمل في شعاراته الأحلام والأماني والطموحات الجميلة وهو يرتدي ثوباً زاهياً يتموج بإغراءات الحضارة والتجديد.

وما بين ذا وذاك تُضيَّع الأمة قيمها ومبادئها وتنسلخ عن جذورها، خصوصا أن من يمتلك القديم قد انغمس كلياً في تعصبه وتطرفه حتى التحجر، وأن من استولى بالجديد قد طغى بعنفوانه وقدرته وخياله ومظهره حتى الانصهار"***.

ولعل أكثر قضية أرقت فكر الإمام الشيرازي الراحل؛ هي تلك التي تعلقت بالمسببات التي أنتجتها الحروب التدميرية، خصوصاً الحرب العالمية الثانية والتحولات الخطيرة التي أحدثتها؛ بسبب النزعات التي نشأت في الغرب "(النازية) و(الفاشية) اللتين أغرقتا العالم، وحيث تراجع الدين عن الساحة، وأخذت المادة مكانه، وجد الاستعمار والاستغلال للشعوب الأخرى؛ لأن المادة ضيقة المجال، فتوجب التشاجر والتناحر والاستعمار والاستغلال، أما الدين الحق فهو رحب يسع صدره مختلف الأقوام والشعوب" **** ، إذ بدأت ملامح ومكونات الحداثة الغربية تنتشر في المجتمعات الإسلامية؛ وسبب هذا الانتشار طبعاً هو تلاشي أبعاد النصوص الدينية ذات المعاني الحقيقية والأصيلة، كون مضامين النصوص الأصلية تبتعد بمسافات شاسعة بانسجامها مع فحوى التجديد والمعاصرة؛ لواقعيتها وترابطها على مستوى النص والإنسان.

الجانب الآخر من المضمون الحداثوي، والذي يحذر منه الإمام المجدد؛ هو الذي يحاول العبث بالأفكار من أجل حرفها عن مسارها في محاولة للفصل بين العقل والنص القدسي ــ تحدثنا عن التفسيرات المنحرفة للنص ــ وصولاً لتلوين ظلال الشك والانحراف من خلال خلط الأوراق والإيهام، مثلاً : يقول (بيكو باريك) في كتابه (سياسة جديدة للهوية) : "على الرغم من أن الالتزام بحرفية النص القدسي له طابع الاستمرار، وله تأثير كثير على المتدينين؛ إلا أن به خللاً كبيراً" ***** .

لن نناقش هنا قوله أن للنص القدسي تأثيراً على المتدينين، فهذا أمر مفروغ منه ولم يأت بجديد، غير أننا نسأل عن الخلل الذي ادعاه في الوقت الذي يعترف فيه وبنفس الجملة أنه ــ أي النص القدسي ــ له طابع الاستمرار!

المشكلة الرئيسة في قضية الحداثة؛ تكمن تحجر الرؤية ــ إذا صحت العبارة ــ حيث انحياز كل طرف إلى رؤاه، ضارباً بعرض الجدار قيم التواصل مع الآخر، ومحاورته للوصول إلى نتائج، أو احترام كل طرف وجهة نظر الآخر، وهذه الوسطية في مشروع الحداثة هي مايتبناه الإمام الشيرازي الراحل، فالوصول لنقطة وسطية الحداثة؛ أصبح ضرورة من الضرورات الملحة التي تجعل العالم الإنساني بمنأى عن أخطار التطرف الجهوي والفكري والفقهي، نقطةٌ تعمل على أفول كل ما يمت للتعصب وتقطع الطريق أمام إنشاء حضارة قائمة على أحادية الفكر والسلوك، نقطة تجعل العالم أكثر مرونة في التعاطي مع الآخر، وأقل عدائية تجاه المشاريع الفكرية والتنموية الناضجة، وذلك من خلال تهيئة متعددة الاتجاهات أهمها الثقافة بشقيها الفردي والجماعي، فضلاً عن عملية تقريب العلاقة بين المجتمعات على الأسس المشتركة مع احتفاظ كل مجتمع بهويته وتراثه وخصوصيته على صعيد المتبنيات الدينية أو الفكرية رغم صعوبة المهمة.

...................................
المصادر:
*يُنظر: قضايا المعاصرة والتجديد في المنظومة الفكرية الشيرازية، مقال لـ عبد الله الفريجي، مجلة النبأ، العدد 69 ، كانون الثاني 2003 ، ص68
* نفس المصدر السابق : ص69
*مرتضى معاش، مجلة النبأ، العدد:69 ، كانون الثاني2003، ص6
*السيد محمد الحسيني الشيرازي، عالم الغد ، ص70
*بيكو باريك، سياسة جديدة للهوية، ترجمة وتحقيق: حسن محمد فتحي، ص210

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0