مضحيٍ فاقت تضحيته الخيال، ليس شهيداً قد رخص دمه للدفاع عن الوطن وعن القيم الإسلامية وترك عائلته برعاية الله وليس مفكراً وعالماً قد أمضى وقته وسهر ليله بالتعلم والتحقيق والاكتشاف وليس عاملاً مكافحاً يرفع فوق ظهره الأكياس الثقيلة من الإسمنت والأحجار والحديد كي يبني مسكناً آمناً لسكان وطنه والعمارات والشركات والمدارس والجامعات، ليس هذا ولا ذاك بل هو مضحيٍ قد ضحى بدمائه وعروقه وراحته وفكره وحياته بل كل كيانه لأجل أن يصنع جيلاً جديداً يستمد الناس قوتهم منه وينير درب البشرية جمعاء هي الأم بكل ما في الكلمة من معنى للتضحية في سبيل أبنائها.

أين يوجد كائن في هذا العالم من هو مستعدٌ بأن يضحي ولو بشيء واحد من ما تضحي به الأم وبدون أي مقابل؟! لاسيما أننا نعيش في زمان أصبحت الموازين فيه مرهونة بالتجارة وجني الأموال، فحتى الأراضي والمياه والطبيعة وكل ذلك الذي وهبه الله للإنسان قاموا بوضع قانون له بأنك عليك دفع مبلغ من المال على ذلك كي تستطيع أخذه، لقد أضحت الإنسانية في هذا الزمن لا تمتلك أي قيمة عندهم، ومع ذلك فهنالك بشرٌ يعيشون على فطرتهم السليمة ويتمنون كل الخير للناس.

(الخير منه مأمول) كلمةٌ صارعت العصور رغم كل الأحداث المريرة التي وقعت في التاريخ كي تبقى وتنير درب كل من يملك الفطرة كي يتحلى بتلك الإنسانية التي أشار لها مولى الموحدين أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، نعم إنها الأمومة التي هي إحدى مصاديق الفطرة السليمة التي وهبها الله للإنسان.

إن الأم التي نتحدث عنها هي من فاقت الخيال بتضحياتها، هي من قال عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما سألوه عن حق الوالدة؟ "هيهات هيهات، لو أنه عدد رمل عالج، وقطر المطر أيام الدنيا، قام بين يديها (أي لخدمتها)، ما عدل ذلك يوم حملته في بطنها"، فحديثنا عن الأم المثالية التي هي مصداق للتضحية بكل ما في الكلمة من معنى وليس حديثنا عن الأم التي بمجرد ولادتها لطفلها تسمى أماً بالظاهر.

وما أجمل ما ترنم به الشاعر

الأم مدرسة إذا أعدتها، أعددت شعباً طيب الأعراق.. نعم إنها الأم معلمة الأجيال وصانعتهم ولكن ذلك بشرط وهو أن تكون الأم أهلاً للقيام بدور الأمومة، أن تكون متأهبة ومستعدة للقيام بهذا الدور، وذلك لا يتم إلا بتعلمها هي وثقافتها قبل أي شيء آخر، فهنالك من يقول أن الفتاة عندما تتزوج ستتعلم كيف تصبح أمّاً، وهنالك من يقول أن الفتاة عندما تحمل جنينا وتلد سوف تتعلم ولا ريب كيف تصبح أمّاً مثالية، لكن الأمر المهم هنا هو أن من يطمح أن تصبح ابنته أمّاً مثالية في المستقبل عليه أن يعلمها عدداً من العلوم والثقافات قبل زواجها كي تستطيع أن تكون مسؤولة عن أولادها وعائلتها، وتعلمهم النهج الصحيح للحياة.

فبإمكاننا القول هنا بأن وقت تعلم دور الأم المثالية يبدأ منذ الطفولة للفتاة، وقد شهد التاريخ على أمهات حيرنَ البشرية بأكملها وأصدق مثال على ذلك هو السيدة فاطمة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) إذ تلقت العلم من لدن والدها الرسول (صلى الله عليه وآله) ووالدتها أم المؤمنين السيدة خديجة (عليها السلام)، هذه السيدة الجليلة التي كان لها شرف الأمومة للسيدة الزهراء (عليها السلام)، كيف علمتها وثقفتها منذ الطفولة، حيث أنها بعد شهادة السيدة خديجة (عليها السلام) كانت هذه الطفلة تقوم بدور الأمومة اتجاه والدها العزيز الرسول (صلى الله عليه وآله) وكانت دائما ما تشاركه أحزانه وآلامه وتنشف دمعه من على وجهه الشريف وكانت تقف بوجه المشركين بكل شجاعة وتمنعهم عن إيصال الأذى لوالدها وكانت تنظف ملابسه من الأوساخ التي كان يرميها المشركون عليه وتمسح وجهه بيديها الصغيرتين من الدماء السائلة على وجهه بسبب الأحجار التي كانوا يرمونها عليه، لقد كانت هذه الأم الصغيرة مثقفة ومتعلمة إلى درجة أن النبي الأكرم لقبها بأم أبيها (عليها السلام).

نعم فباستطاعة الفتاة أن تقوم بدور الأمومة في أي وقت من عمرها، ولا يتوقف دور الأمومة على زواج الفتاة وإنجابها للأولاد فحتى ولو لم تتزوج الفتاة فيوجد مسؤوليات أخرى عليها القيام بها اتجاه اخوانها واخواتها وأولادهم مثلاً أو تعليم أولاد الجيران وأولاد الاقارب كذلك، فكانت روحي فداها بلسماً لقلب النبي المليء بالجراحات ابتداء من فقد زوجته العزيزة المضحية لأجله وللإسلام السيدة خديجة وانتهاء بما يسببه المشركين من أذى وإساءة للنبي الأكرم وللإسلام.

كما وكانت شبيهتها طفلة الحسين السيدة رقية (عليهما السلام) بلسماً لقلب سيد الشهداء المليء بالجراحات، لقد كانت روحي فداها تبذل كل جهدها لإسعاد والدها وحبيب قلبها الحسين (عليه السلام) وكانت دائماً تهيّئ له مكان صلاته وتنتظره على السجادة كي تصلي معه، حتى في ما بعد عصر عاشوراء مع شدة عطشها كانت دائما ما ترفض الطعام والشراب وتقول إن والدي الحسين قُتل عطشاناً حتى جاء ذلك اليوم الموعود الذي قطّع قلبها فيه الفراق عن والدها حتى باتت ترفض كل شيء يشغلها عنه وتريد لقاءَه إلى أن لاقت رأسه الذبيح المليء بالدماء والتراب والرماد فجعلت تمسح رأسه بيديها النحيلتين وتغسله بدمع عينها المذروف وتناجيه وتحدثه حتى فارقت روحها بدنها الصغير الذي كان قد أصبح أشبه بجثة ممزقة متورمة من شدّة ضرب السياط والجراحات التي لحقت به، فرحلت روحها اللطيفة عن هذا الجسد الصغير للقاء والدها والبقاء بجواره هناك بعيداً عن كل تلك القسوة والظلم الذي حلّ بها، بعيداً عن نظرات الأعداء الشامتة بها وبعماتها المخدرات، بعيداً عن سخرية أطفال الشام وضحكاتهم عليها ومناداتها بالخارجية، بعيداً عن سياط أعداء أبيها التي كانت تلحق بها أينما اتجهت، بعيداً عن النيران التي أكلت ثيابها وأحرقتها، نعم فهي هناك بجوار والدها وملاذها بأمان.

فإن الثقافة والمعرفة هي الشيء الأساس للتربية ولا يعتبر العمر شيئاً أساسياً لتلقي العلم كما كان موالو أهل البيت (عليهم السلام) يعلمون أولادهم وبناتهم منذ الصغر، فكم من طفلٍ صغير فاقت معرفته رجالٌ كبار، مثلا عندما أراد الإمام السجاد إلقاء الحجة على أهل الشام وطلب من يزيد التحدث مع أهل الشام فأبى يزيد الحديث وقال إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقا، فالعلم هو الشيء الثمين الذي لا يضاهيه ثمن ولأجل تكوين أمّ مثالية علينا تعلم عدد من العلوم والثقافات وسنقسم المهم منها هنا على أقسام ونبينها:

1ـ الثقافة الاجتماعية وأسلوب التعامل مع كل من يعيش حولها

الثقافة الاجتماعية وهي تشمل تعلم أصول المعاملة مع الأقارب والأصدقاء والمعارف من النساء والرجال والأطفال، وهذا ما سيجنبنا من الوقوع في الأخطاء أثناء المعاملة مع أطرافنا في المجتمع، فهنالك العديد من الفتيات اللاتي ينحرفن بسبب زميلات لهن في الدراسة أو العمل، فإن ظاهر الزملاء يكون أنيقا لكن الباطن لا يعلمه إلا الله، فمن الواجب علينا تعلم كيفية التعامل معهم ولا ننخدع بظواهر كلامهم من داعي الثقة والمحبة فإن الثقة بالآخرين لها حدود كذلك فإن في بعض المواضيع لا تكون المسألة مسألة ثقة وإنما تكون مسألة أصول علينا مراعاتها في الذهاب لبعض الأماكن مثلاً وما شابه من الأمور الأخرى كالبوح بالأسرار الشخصية، فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): لا يطّلع صديقك من سرك إلا على ما لو اطلع عليه عدوك لم يضرك فإن الصديق ربما كان عدوا.

وإن الصديق بمعنى الصاحب والحبيب ومع ذلك فإن الإمام ينهانا عن الثقة العمياء أثناء معاملتنا مع الأصدقاء والأقارب، فإن للحديث مع الأصدقاء طريقة مناسبة وللحديث مع الأقارب طريقة أخرى وللحديث مع الأجانب من الرجال طريقة أخرى كذلك، فكم من حديث بسيط مع رجل أجنبي بطريقة غير مناسبة تؤدي بالعديد من الفتيات إلى الهلاك والدمار، فإن الحديث مع صاحب المحل أو الأستاذ الأجنبي أو أولاد الأخوال والأعمام ليس محرماً بالكلمة وإنما محرماً إن رافقه شيءٌ من أفعال الحرام كالضحك وترقيق الصوت للمرأة وعدم مراعاة الحجاب الشرعي وما شابه من ذلك وينبغي الاقتصار على الحديث الضروري آنذاك مع طريقته المناسبة لا الحديث الجانبي.

وللحديث مع الأقارب من النساء أيضاً طريقته الخاصة بهِ كمراعاة حق الوالدة واحترام رأيها ومراعاة حق الأخوات وحق الخالات والعمات وما شابه فإن للمقربين منا حق علينا لا يملكه غيرهم من الغرباء وحتى في حال وجود خلاف بين الأقارب فهذا لا يبرر سقوط حقهم عنا، فمن الواجب علينا مساعدتهم ومداراتهم وتنبيههم على الأخطاء الموجودة لحل الخلافات في ما بين الطرفين، وهذا التعلم سيجعل من الفتاة تمتلك أدباً عالياً وطريقة لبقة تتعامل بها مع المجتمع.

2ـ الثقافة الدينية والعقائدية

نحن نعيش في عصر يسمى عصر التكنولوجيا فإن فرص التعلم متوفرة بسهولة لدينا، وقد أصبحت المرأة في عديد من البلدان جزءا من المتعلمين ولله الحمد لكنه ومن ضمن هذه العلوم التي نتعلمها ينبغي لها تعلم المسائل الدينية التي تحتاجها من مسائل الطهارة والصلاة والصيام وكل ما يخص حياتها اليومية وواجباتها الشرعية وهذا هو ما أوجبه لها الشرع المقدس، أما المسائل التي لا تخصها كأحكام الذبيحة ومسائل البيع والشراء إن كانت لا تقوم بهذه الأعمال فلا يجب عليها تعلم أحكامها، وليس هنالك سلاح أبلغ من سلاح العلم فما أجمل من أن تتسلح الفتاة بهذا السلاح.

والموضوع الذي يزداد أهميةً يوماً عن يوم هو أنه على الفتاة تعلم أصول عقائدها، فما أكثر سرّاق العقائد في هذا الزمان فينبغي علينا الحذر أشد الحذر من أن يسرقوا عقيدتنا ويبدلوا مكانها عقيدة أخرى واهمة ونحن لا نعلم ولسنا منتبهين إلى ما قاموا بسرقته منّا بمكرهم وكلامهم المصطنع بأنهم يتحدثون من جانبنا لكنهم وفي الوقت ذاته يطعنون بنا.

حيث قاموا بتضعيف عدد من رواياتنا وبدؤوا بنفي الشخصيات العظيمة المهمة لدينا من التاريخ في حادثة عاشوراء وحادثة الهجوم على دار السيدة الزهراء (عليها السلام) بخرافاتهم ومغالطتهم واستدلالاتهم الواهية، كما وأوهموا العديد من الشيعة بكلامهم بالوحدة مع المخالفين لنا في العقيدة وبالحرية المطلقة للمرأة وما شابه من الأمور والأفكار الخاطئة، في حين أننا لو تأملنا ودققنا في كلامهم ومغالطتهم لدقائق معدودة لوجدنا بأنهم لا يعتمدون على أي سند معتبر في كلامهم، حيث يفندون عقائدنا ويشوهون فكرتها الصحيحة، هكذا بدون أي مستند في حين أننا نمتلك العشرات بل المئات من الشواهد والدلائل المستندة المعتبرة الصحيحة التي تعتمد عليها عقائدنا، فلا يجدر بنا التصديق بسهولة بكلام لا يملك أي حجة على ما يقول، بل علينا البحث والتحقيق والمثابرة من أجل الحفاظ على عقيدتنا السليمة التي تعب من أجل إيصالها لنا أنبياء وأوصياء كُثُر بتصريح من القرآن نفسه عن يوم الغدير الأغر بقوله: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.

3ـ الثقافة العامة الضرورية

الثقافة العامة كالثقة بالنفس وتحمّل المسؤولية والمثابرة والاجتهاد في التعامل الصحيح مع الظروف التي نمر بها خلال حياتنا، فلا يجب أن نسمح للظروف بالتغلب علينا وتغيير جوهر أخلاقنا التي تعبنا من أجل الحصول عليها كثيراً بل علينا التغلب على هذه الظروف القاسية ومواجهتها بكل حكمة وقوة وتدبير كي نستطيع الوصول إلى أهدافنا وتحقيقها.

فينبغي على الفتاة تعلم تقبّل المسؤولية اتجاه أهلها وإخوانها وأخواتها كي تستطيع تحمل المسؤولية اتجاه عائلتها وأولادها لاحقا، فمن لم تتعود تقبّل المسؤولية ستواجه العديد من المشكلات في حياتها بسبب سلوكها وتصرفاتها المتهورة الغير مناسبة وهذا ما سيشتت من العلاقات بين المرأة والرجل والأولاد، وإن أكثر أمور الطلاق المتزايدة في عصرنا هذا هو بسبب المشاكل الحاصلة عن عدم تحمّل المسؤولية من كلا الطرفين، فإذا كانت الفتاة أهلاً لتقبّل المسؤولية لن تنتج مثل هذه المشاكل وستحرص على تربية أولادها بشكل سليم وستهتم براحة عائلتها.

كما ويلزم تعلم تقنية هذا العصر كذلك كالعمل على الكمبيوتر واستعمال الانترنت والهاتف النقال وتعلم العمل عليهم بشكل صحيح بلا إفراط ولا تفريط بما يتناسب مع ديننا وعقائدنا، فإن الجاهل بهذه العلوم كالسائر في الصحراء يمكن أن تأتيه الريح من أي جانب وترمي به بعيداً دون أن يدري، كما هو حال مع بعض الناس الذين يستغلون الجهال من الفتيات ويفعلون ما شاء وطاب لهم بهاتفها بحجة أنهم يصلحون عطلا لها في جهازها مثلاً وهي غافلة عن ما يصنعون بمعلوماتها الشخصية المختزنة في الجهاز، فلأجل الحفاظ على نفسها من استغلال الآخرين لها في أي من المجالات ولأجل الحفاظ على أولادها وتربيتهم تربية سليمة وتوجيههم التوجيه الصحيح، ينبغي عليها تعلم هذه التقنية كي تكون بالمستوى العلمي المطلوب الذي يؤمنها من الوقوع في المشاكل، وغير ذلك من الأمور الضرورية للفتاة بأن تتعلمها.

وأخيراً نقول كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قيمة كل امرء ما يحسنه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1