قطعة ارض من الجنة، تحيطها الاشجار من جميع جهاتها "كالاسوار". عندما تمر عليها الرياح تحرك ازهارها فتنثر عطرها الزكي ونسماتها الباردة على جميع منازل القرية المستظلة بظل اشجارها، كان الجميع يتمتعون بنعيمها لم يفكر أحد بدخولها يوما الى ان دخلها مجموعة اطفال ولم يخرج أحد منهم! فكر اهل القرية ان كانوا تاهوا وقرروا ارسال مجموعة من الرجال للبحث عنهم، دخلوا... يوم، يومان، شهر، سنة لم يخرج اي احد، ولم يُعثَر سوى على اسلحتهم ملقاة عند مدخل تلك الارض!.

بدأ الذعر يتسلل الى سكان تلك القرية، وباتت الشائعات تنتشر في كل منزل من منازلها " ثعبان يلتهم كل من يدخل اليها، الى غول يقطع احشاءهم ويعلقها قلائد، الى مارد يستعبد اجسادهم ويشرب ارواحهم..." بدا أهل القرية مرعوبين واصبحت هذه الارض مصدر شؤم، وبات يلقى على بابها كل من يعتبر بنظر الوالي خائن سواء كان "طفل، شيخ، مريض، عاجزة، ارملة وكل شيء" رغم ان الارض ﻻزالت تبعث نعيمها عليهم وتقيهم الشمس، إلا أنهم كلما مر عليهم عطرها هربوا وغطوا انوفهم كي ﻻيشموا عطر هذه الارض الملعونة.

بقيت هذه الارض "لعدة سنين" تلعن وتنعت بأبشع الصفات.. الى ان قرر الوالي الشاب دخولها وقتل ثعبانها بغية الحصول على لقب "الشجاعة" الذي يخوله للحكم بعد والده وفعلا دخل.

في اولى لحظات دخوله كان يمشي بحذر شاهرا سيفه متأملا اغصانها ذات البهجة "هو لم ينسَ وصايا والدته بالاحكام على قبضة سلاحه حيث ان هذه الارض تخدع كل من يدخلها بجمالها فيغفل عن سلاحه وبذلك يكون قد تجرد من كل وسيلة للدفاع "وفعلا انتبه انه فقد سلاحه الذي سقط منه فور دخوله دون ان يشعر وبقي عند مدخل الارض، واصل سيره وهو يرى كل تلك الاشجار المتدلية بأنواع الثمار والانهار الجارية والحيوانات والطيور التي لم ير مثلها من قبل، وكانت الازهار تنثر أريجها مع كل نسمة هواء وتعود لتنمو من جديد، وهناك بين شجيراتها تقبع منازل خشبية صغيرة مصنوعة من تلاحم اغصان النباتات، كان الامر اشبه بحلم أيقظته منه ضحكات اطفال! انتبه ليرى انه وسط مجموعة من الاطفال يحدقون به ببراءة وهم يجرونه من يديه وينادون "جائنا ضيف، جاءنا ضيف" كان الترف بادياً على وجوههم وهم يضحكون بعمق ويمرحون، رفع رأسه ليرى انه اصبح وسط جمع من الشباب والكهول، تقدمه احدهم يبدو انه الاكبر عمرا بينهم، رحب به ومد يده اليه ليصافحه، الا ان الشاب لم يبادر بالمثل بل ظل واقفا مسبلا يديه، الغريب ان هذه الوجوه كلها مألوفة لديه "الم يرسلكم والدي ليأكلكم الغول؟"

فوجئ الجميع من ردة فعله تلك، ابتسم الرجل وقال يابني: ﻻغيلان سوى البشر، وﻻثعابين سوى ألسنتهم. الا تراهم يأكلون بخيرات هذه الارض ويتمتعون بظلها وهم ينثرون سمومهم باسمها، يسبونها في مجالسهم ويرمونها بما اقترفت ايديهم، دون التحقق من صحة ادعاءاتهم !! اما نحن فأنعم الله علينا وعوضنا بهذه الجنة ليخلصنا من جور أبيك نعيش فيها الى آجالنا المقررة. يابني قد تستغرب اننا دخلنا ولم نخرج، نحن لم نخرج منها ولم نلج في دنياكم الا خوفا من غيلانها وان الغيلان لبريئة مما تصفونها وإن سم الثعابين عاجز. يابني ان كل من دخل هنا رمى سلاحه ﻻنه ادرك ان ﻻ سلاح اقوى من التسامح، اما انت فقد دخلت هنا وانت مرحب بك فإن احببت البقاء فأهلا بك وسهلا وان قررت العودة فنرجو منك ان ﻻتذيع سرنا".

لقمة الحرام كانت تغلف قلب الشاب الذي لم يفقه قول الحكيم وطمع بتلك الجنة خصوصا بعد أن اطمئن ان ﻻ خطر فيها وعاد مهروﻻ يحمل البشرى لوالده الجشع والسكان الظالمين. وشى بأمر الارض لوالده الذي ما لبث ان خرج مع حاشية كي يقتلوا من فيها ويضمها الى اراضيه، فوجئ الجميع فور وصولهم برؤيتها وقد تحولت الى ارض قفار ﻻشيء سوى اغصان متيبسة وجثث هؤﻻء المساكين والتي سرعان ما تحولت الى رماد وتطايرت من اول عصفة ريح، اكتشف السكان ان هذه الارض كانت تحول بينهم وبين بحيرة سوداء عفنة.

كانت الارض قطعة من الجنة ارسلها الله ليختبر صدق نوايا اهل القرية، لكن رفعها الله اليه بعد الاساءة لها، مع ارواح سكانها الطاهرين الى جنانه ليعيشوا ويتعرفوا على غيرهم دون خوف او كتمان سرهم.

وابدل اهل القرية الجاحدين بتلك البحيرة يغرق فيها كل من حاول الاقتراب بل يموت قبل ان يصل، ﻻ تحجب عنهم الشمس وﻻ تقيهم حرّها، كانت اذا امطرت السماء تفيض فتسيل على اراضيهم حاملة معها الوباء فتقتل انعامهم وزرعهم، واذا هبت عليها ريح خنقتهم برائحتها الكريهة فيموت كل من يشمها في محله الى ان قضوا واحدا تلو الاخر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1