لابد من تزويد العقول بمزايا أخرى جديدة في هذا الشهر المبارك، وتعبئتها بما يسعفها ويساعدها على أن تكون عقولا نموذجية، وهذا حتما سوف ينعكس على جميع مكونات المجتمع، ومطلوب تنظيف النفوس من أدرانها في هذا الشهر، لأنه أكثر الأوقات قدرة على جعل الإنسان عصاميا قويا متماسكا ومنتميا للخير بما لا يقبل التشكيك...
(إن غبار الحياة قد يتراكم على قلب الإنسان فيجرّده عن رؤية الحقيقة،
وشهر رمضان يزيح الغبار عن العقول) الإمام الشيرازي
يكنُّ المسلمون لهذا الشهر المبارك، شهر رمضان، محبة كبرى، ويعطونه مكانة عالية في حياتهم، وينظرون إليه شهرا حافلا بالخيرات والمكرمات واللطائف الإلهية التي لا حدود لها، وفي هذا الشهر تسود الألفة بين الناس، وتخيّم الطمأنينة على قلوبهم وتملأ نفوسهم، لدرجة أن الإنسان يكون في هذا الشهر على أتم الاستعداد للتوبة.
فهذا الشهر فرصة مثالية لتصحيح الناس لمسارات حياتهم، وتفكيرهم، وسلوكهم، وهو يمثل نقطة للبدايات الصحيحة، ومسح التصرفات المنحرفة التي تُغضب الله تعالى، لذلك يكون الناس في حالة شغف كبرى لقدوم شهر رمضان وحلوله بينهم، لكي يستثمروه كمحطة تصحيح وتوبة عمّا ارتكبوه من أقوال وأفعال وأعمال خاطئة.
لهذا يرى الناس في هذا الشهر اختلافا جوهريا عن الشهور الأخرى، ويعدّونه لحظة أمل مليئة بالرحمة والاستكانة والهدوء والطمأنينة، لاسيما وأنهم يستمعون إلى النصائح والكلمات والأفكار التي تسمح لهم بتنظيف قلوبهم وأيديهم مما انحرفوا إليه من أعمال وأفعال وأفكار.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيِّم الموسوم بـ (شهر رمضان شهر البناء والتقدم):
(يطلّ علينا كل عام شهر رمضان بعطره الزاكي بنسيمه الفوّاح، الذي ما أن يلمس النفوس حتى يجعلها على أهبّة الاستعداد لتلقي كلمات الانابة والتوبة الصادقة إلى الله سبحانه وتعالى).
غالبا ما يبحث الإنسان المعذَّب عن محطة أمان واستقرار، أما مصدر العذاب فهو الأخطاء التي يقترفها الإنسان في حياته، ليقع فريسة لتأنيب الضمير، لذلك يجد راحته وسعادته في حلول هذا الشهر المبارك، الذي يقدم لجميع الناس فرصا كبيرة لتعديل أفعالهم التي تجعلهم في حالة من القلق وصولا الى اليأس، لكن حلول شهر رمضان تمنحهم بارقة أمل جديدة.
الأمل الجديد في صنع الحياة الجديدة
فتضمِّد قلوبهم الجريحة، وتخفف عنهم ثقل الحياة وأعبائها الكبيرة، وتمنحهم الأمل بالله ومنحهم التوبة المقبولة في هذا الشهر المبارك، لتبدأ حياتهم مع الأمل الجديد، ويسعون مع الناس الصالحين نحو التقدم، سواء على الصعيد الفردي أو المجتمعي، فالتوبة الرمضانية هي فرصة للتقدم الكبير المتواصل، وهي الأمل في بناء مجتمع متقدم متماسك ومؤمن.
حيث يرى الإمام الشيرازي في شهر رمضان بأنه:
(البلسم الذي يبعث الارتياح والطمأنينة إلى النفوس المعذّبة والقلوب المنكسرة والأجساد المنهكة، انّه ضماد لجراحات القلب والجسد؛ يخفّف عنها عناء الحياة ومشاق العمل والكدّ، في لياليه المقمرة بالآمال وبأيامه الزاخرة بالعلاقات والزيارات وبالمحبة المتبادلة).
ونظرا للمزايا الكبيرة التي ترافق هذا الشهر، وخاصة ما يتعلق بتجديد الأمل، والعودة إلى الله تعالى، حيث يبتعد الناس عن الأخطاء بكل أشكالها، ويحمون أنفسهم من الشيطان بحصانة هذا الشهر الذي يفتح لهم أبواب التوبة والرحمة والأرزاق، ويجعل نفوسهم أكثر استقرارا وثباتا وقناعة عمّا عليه في الأوقات الأخرى، فتصبح قلوبهم مطمئنة وممتلئة بالإيمان.
وتُسعَد نفوسهم بتلك الفرص الكبيرة التي يحصلون عليها والتي تجعلهم قادرين على العودة إلى جادة الصواب، وينقذون قلوبهم وأنفسهم من أحابيل الشيطان، حيث تُغَلُّ يد الشيطان في هذا الشهر ويصبح عاجزا عن إغواء النفوس، إلا من لا يستثمر هذا الشهر، أما الإنسان الذي يرغب وينوي التوبة، فإن شهر رمضان يمنحه هذه الفرصة الإلهية كي يستفيد منها.
إن شهر رمضان يمتاز بالتجدّد، وفي نفس الوقت ينعكس هذا التجديد على الإنسان أيضا، لكن هذا التجديد ينبغي أن لا يكون شكليا أو سطحيا وإنما يكون تجديدا جوهريا وعميقا يطال جوهر الإنسان وأعماقه، وليس ظاهره فقط، كأن يلبس الملابس الجديدة أو يأكل الطعام الجديد، وهذا بالضبط ما يفعله بعض الصائمين وهو فعل خاطئ.
الإمام الراحل يقول حول هذه النقطة:
(شهر رمضان هو شهر مختلف عن بقية الشهور لأنه يمتاز عنها بأشياء كثيرة، يريد للمؤمن ان يكون جديداً في كل أيامه، جديداً ليس بملبسه.. حيث اعتاد البعض ان يرتدوا أجمل ما عندهم من الملابس. جديداً ليس بمأكله.. حيث اعتاد بعض الناس ان يأكلوا في هذا الشهر كل شيء جديد).
لذا فإن بعض الناس يستثمرون هذا الشهر بشكل مغاير للجودة والتغيير الصحيح، فينحصر التغيير لديهم في نوعية الأكل، أي أنهم يجددون في نوع الطعام الذي يتناولونه في شهر رمضان، ويغدو الطعام لديهم هو كل شيء في هذا الشهر، بيد أن الصحيح ليس هذا الفعل المغالط للحقيقة، كما أن هناك من يسعى لارتداء الملابس الجديدة في شهر رمضان!
ما الغاية من صوم شهر رمضان؟
لكن هل هذه هي الغاية من هذا الشهر الممتلئ بالرحمة والغفران؟، هل تجديد الملابس فيه هو الهدف من الصيام، وهل تنويع الطعام غاية الناس في شهر رمضان؟
كلا بالطبع، إنما الغاية الأولى هي تغيير الإنسان في فكره وكلامه وسلوكه نحو الأفضل، كذلك يعدّ شهر رمضان درس للأغنياء والقادرين على العيش الرغيد، كي يشعروا بما يعانيه الفقير من شظف العيش، والعسر في شراء الطعام أو سواه، بمعن عليك أيها الصائم المتمكن، أن تعيش ما يعيشه الفقير في هذا الشهر حتى تساعده وتمد له يد العون وتخفف عليه من وطأة الحاجة ومن شحة القدرة حتى على سدّ الرمق.
لذلك فإن شهر رمضان فرصة من الله تعالى للأغنياء والمتمكنين لكي يشعروا بشعور الفقراء، ويعيشوا ما يعيشوه، ويلامسوا طبيعة معاناتهم وحياتهم التي يعصف بها الفقر، وليس شهر رمضان فرصة لتجديد الملابس ولا لتنويع الأكل.
من هنا يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:
(في هذا الشهر يأكلون كل ما لم يعتادوا على أكله.. ويبتاعونه في هذا الشهر ليتناولوه وكأنه ليس شهر الصيام بل شهر الطعام. وكأن الهدف ليس هو التدريب على الجوع والعطش كي يتذكّر الإنسان المؤمن جوع وعطش الفقراء والمساكين حتى يواسيهم، وليتذكّر جوع وعطش يوم القيامة بل الهدف هو التعود على تناول ألذّ الأطعمة!).
وتوجد فرصة كبرى للإنسان في شهر رمضان، وهي تخص ذات الإنسان وشخصيته، من حيث التغيير، ففي هذا الشهر حين يدخله الإنسان ويخرج منه، يجب أن يتغيّر نحو الأفضل، ولا يصحّ أن يدخله ويخرج منه وهو في نفس الحال، يجب أن تتغير نفسه، وجلو قلبه، ويتحسن فكره، ليصبح بعد شهر رمضان إنسانا آخر، غير ذلك الإنسان عند دخوله.
إن إصلاح فرد واحد هو إصلاح للمجتمع كله، وهذا الشهر يجب أن يكون مناسبة جيدة لتغيير الأفراد، من ناحية العقيدة والإيمان والتوبة، والعمل الصالح، حتى يكون المسلمون أو المجتمع الإسلامي نموذجا مثاليا للبشرية كلها.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(على المؤمن أن يصمم في هذا الشهر مع نفسه ان يكون أفضل مما كان عليه، وان يعاهد الله سبحانه وتعالى ان يكون لبنةً جديدة تُضاف إلى صرح الإسلام المتين، ليرتفع هذا الصرح شامخاً في سماء الدنيا باعثاً الهداية والأمل إلى كل البشرية).
بالنتيجة لابد من تزويد العقول بمزايا أخرى جديدة في هذا الشهر المبارك، وتعبئتها بما يسعفها ويساعدها على أن تكون عقولا نموذجية، وهذا حتما سوف ينعكس على جميع مكونات المجتمع، ومطلوب تنظيف النفوس من أدرانها في هذا الشهر، لأنه أكثر الأوقات قدرة على جعل الإنسان عصاميا قويا متماسكا ومنتميا للخير بما لا يقبل التشكيك.



اضف تعليق