تعاني أوساط العلماء والمثقفين والنابغين من حالة طالما اشتكى منها المفكرون المتميزون عبر حواراتهم وكتاباتهم وحتى في جلساتهم الخاصة، تلك الحالة هي احتفاء الجهات المعنية الحكومية والأهلية وحتى الأفراد بالعقول المتميزة بعد رحيلها، أما في حياتها فيندر أن ينال النابغة المتميز في عطائه وأفكاره ونشاطاته ودأبهِ المكانة التي يستحقها في الواقع الذي يعيش فيه، ولكن حالة التهميش والإقصاء للعقول المفكرة في تميّز ستنتهي بقدرة قادر في تعرّضت للاغتيال أو التصفية أو أي سبب يؤدي إلى فقدان الحياة!.

ففي ليلة وضحاها ينتفض الناس من سباتهم ويتركوا صمتهم ويقيموا احتفالات وتأبينات مساندة للراحل الذي كان يتمنى أن يعيش هذا الاحتفاء في حياتي، والأمثلة عديدة ولكننا طالما نكتب في ذكرى رحيل المفكر السيد الشهيد حسن الشيرازي، فإننا لابد أن نتوقع بأن هذه الشخصية الفذة في ميدان النضال ومقارعة الدكتاتورية عانت من مشكلة محاربة العقل المبدع في حياته، والتاريخ يقول أن السيد حسن الشيرازي كان في حياتا مطارَدا معرَّضا للقمع، لكن شخصيته من النوع الذي لا يلجأ للاستسلام أو الركون لليأس حتى لو تم إقصائه أو عزله أو حتى مطاردته ومحاربته كما حدث هذا بالفعل من قبل الزمر الدكتاتورية التي طاردته وانتهت لاغتياله.

إن هذا النوع من الألم والشعور بالغبن الذي كان يعيشه السيد الشهيد حسن الشيرازي، لم يحدّ بالطبع من مقارعته للسلطات الظالمة في العراق أو سوريا أو لبنان أو سواها، ولكنه في نفس الوقت أعلن بأنه يرفض عدم الاهتمام والتكميم واللامبالاة ومحاربة النشاطات الثقافية والفكرية التي تسعى لإقامتها وديمومتها العقول الناهضة، ونلاحظ ذلك في حجم كبير من الألم والغبن الذي كان يشعر به المفكر عبر بعض الكلمات والسطور التي يبثّها هنا وهناك.

فقد جاء في بعض أقوال السيد الشهيد حسن الشيرازي: (الناس يخذلون العبقري في حياته، فينبذونه لأنه يحاول تغيير مجرياتهم، ويلتفون حوله بعد وفاته، فيعظمونه لأنهم يتاجرون به).

وهناك الكثير من الأقوال التي كان يرددها أو يكتبها الشهيد حسن الشيرازي في هذا المقال أو تلك المحاضرة، فالكلام عنده كحد السيف، والعمل والنشاط بنفس الأهمية، فقوة الكلام لدى الشهيد حسن الشيرازي لا تعوض قوة الفعل ويصح العكس أيضا، إنما كلاهما متلازمان ويدعمان الآخر، ومن أهم ما كان يركّز عليه السيد الشهيد التحلّي بالضمير الحي، فهو قادر في حالة الصفاء والسمو أن يرتفع بصاحبه إلى القمم العالية في اتخاذ القرار وتطبيقه أيضا.

عن ذلك يقول السيد الشهيد حسن الشيرازي: (اللحظات التي يستطيع فيها الإنسان أن يلتقي بضميره، هي لحظات ارتفاع الإنسان الى قمته).

إن التقاء الإنسان للحظات بضميره يرفعه نحو القمة، فكيف إذا كان لقاؤه مع ضميره أبديّا، هذا يعني أن من لا يغيب عنه ضميره العادل والمخلص سوف يبقى في القمة طوال حياته، وهذه هي القمة التي كان يعتليها الشهيد حسن الشيرازي في حياته، فهو العقل الذي لا يكف عن البحث والتجدد والتفكير بالمستقبل، وهو الجسد الذي لا يركن إلى الراحة ولا تعنيه الراحة أو السكون وترك الأعمال التي تسعة لتغيير المجتمع نحو وجهة أكثر تقدّما وتجديدا.

وكان السيد الشهيد يعتمد في منجزاته الكثيرة على منجزات السابقين التاريخية من الأخيار، فكان يوظف التاريح لصالح انجاز أهدافه، ويؤكد على أن كل عمل أو مخطط لانجاز عمل يترك التاريخ والتجارب خلف ظهره لن ينجح، خصوصا في المجال السياسي لأنه على تماس مباشر باحتياجات الناس، فالسياسي أو القادة السياسيين الذي لا يقرأون التاريخ، أو يقرأونه ولا يعيرونه الاهتمام اللازم، فإن هؤلاء سوف يفشلون بالنتيجة ويفقدون حاضرهم ومستقبلهم، وهو في الواقع ينطبق على بعض قادرة العرب والمسلمين، فهؤلاء لا يعيرون التاريخ اهتمامهم، وإذا حدث ومنحوه بعض الاهتمام فإنهم يقرأونه لا لكي يتعلموا، بل لكي ينسوا ما قرأوه، هذا هو السبب الذي جعل من الساسة غير قادرين على خدمة شعوبهم وأمتهم.

وينجلي هذا في كلمات السيد الشهيد الشيرازي: (إن فرض أي هدف في غيبة من التاريخ يصبح غيبوبة سياسية لا تحقق شيئا) كذلك نقرأ (لا تترك أخطاءك تطمس تأريخك). ومما عُرف عن الشهيد الشيرازي أنه لا يركن لليأس ولا الخمول، بل كان علة من الحماس والنشاط العملي المدعوم بالفكر والتبليغ والثقافة والتوعية عبر سلسلة من الأنشطة العملية المتواصلة، ليس في العراق وحده أو في دولة إسلامية بعينها، فهو مجد بالغ الدأب همام ونشيط في حركته الدائبة بالتزامن مع فكره المتوقد، كما نقرأ في هذه الكلمة المقتبسة من كتاب للأديب الفاضل نور الدين الشاهرودي، حيث جاء فيه بخصوص نشاط السيد الشهيد في الثقافة والسياسة:

منذ سنوات شبابه نهض بأعباء المسؤولية التي يلقيها على عاتقه واجبه الديني، ووازعه الروحي، من كتابة وتأليف وتدريس وتحقيق وتوجيه، وإدارة مجلات ونشرات إسلامية، وندوات وجمعيات ثقافية دينية ساهمت بشكل فاعل في توعية الشباب المسلم، وتهذيبه، وتربيته بالآداب والأخلاق والسجايا الإسلامية. ونطلع أيضا على مقال بعنوان (التلميذ والأستاذ) يتحدث فيه كاتبه عن دور السيد الشهيد حسن الشيرازي في تأسيس المؤسسات الفكرية والخيرية في سوريا ولبنان، وكذلك تأسيس المكتبات العامة في الحسينيات والمساجد.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
مااجمل اقوال الشهيد الشيرازي وصحتها على أرض الواقع
الناس بالفعل ترفض من يدلها الى طريق الصواب وتتبع افاق يتلاعب بالمسامع
وهناك مثل حى لأفاق مصري يقول أنا العصفور المغرد بالتنوير وهو من سرق أموال الكنيسة والجامع
أحبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه.....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الارض
جمال بركات...مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-02-20

مواضيع ذات صلة

3