ما زال الاقتصاد الإيراني يعاني تبعات الحصار الاقتصاد العالمي الذي أعاق من تقدمه وقضى على الكثير من البنية التحتية، خاصة بعد تراجع الاستثمار الأجنبي إلى حد كبير في قطاع البترول، ولم يشعر المواطنون بتحسن ملموس كما كان يصوره “روحاني” بعد رفع الحصار الجزئي، عن اقتصاد إيران، فمازال هناك تخوف لدى المستثمر الأجنبي من الدخول إلى السوق الإيراني وكذلك حجم التجارة يظل متواضعا، وتأمل إيران في توقيع اتفاقات رائدة مع شركات نفط عملاقة مثل توتال ولوك أويل هذا العام حيث من شأن إعادة انتخاب الرئيس الإصلاحي حسن روحاني تعزيز الاستثمارات، حيث صرح وزير النفط الإيراني المخضرم بيجن زنغنه إنه يتوقع أن تزيد بلاده طاقتها الإنتاجية في قطاع النفط بنحو 25 بالمئة في السنوات الخمس القادمة بفضل مشروعات جديدة مع شركات دولية، ومن المنتظر أن يؤدي تطوير الحقول الجديدة وتحسن مستويات استخراج الخام من الحقول الناضجة إلى السماح لإيران، ثالث أكبر منتج في أوبك، بالوصول بطاقتها الإنتاجية إلى خمسة ملايين برميل يوميا، أو خمسة بالمئة من الخام العالمي، مقارنة مع أربعة ملايين برميل حاليا، وايضاً من المنتظر أن ترتفع طاقة إنتاج مكثفات الغاز إلى مليون برميل يوميا من 600 ألف برميل حاليا.

وإنه يأمل أن توقع إيران اتفاقات نفطية هذا العام مع توتال الفرنسية ولوك أويل الروسية وميرسك الدنماركية وربما برتامينا الإندونيسية، بيد أنه أشار إلى أن الطاقة الإنتاجية الإيرانية لا ينبغي أن تعرقل التعاون مع أوبك التي طلبت من أعضائها تقليص إنتاجهم لمدة تسعة أشهر إضافية لكبح تخمة المعروض من الخام في الأسواق العالمية، وأن جميع قرارات أوبك قصيرة الأجل، وكما هو معلوم أن الطاقة الإنتاجية جزء من خطط طويلة الأجل"، وأضاف زنغنه الذي تصادم مع منافسة إيران السعودية في اجتماعات سابقة لأوبك أنه تفاجأ على نحو إيجابي بالتعاون الجيد مع المنظمة وشراكتها مع روسيا غير العضوة بها بالإضافة إلى مستوى الالتزام القوي من جانب أوبك والمنتجين المستقلين بخفض الإمدادات.

من جهة أخرى ذكرت مصادر مطلعة إن الهند تخطط لخفض وارداتها من النفط الخام الإيراني نحو الربع عن العام الماضي مع قيام شركات التكرير الحكومية بتقليص صفقات الشراء محددة المدة بسبب الخلاف بين نيودلهي وطهران بخصوص ول تطوير حقل للغاز الطبيعي، ويأتي تراجع الكميات عقب تهديد الهند بأنها ستأمر شركات التكرير الحكومية، هندوستان بتروليوم وبهارات بتروليوم ومنجالور للتكرير والبتروكيماويات ومؤسسة النفط الهندية، بخفض مشترياتها من إيران إذا لم ترسي طهران على كونسورتيوم هندي حقوق تطوير حقل الغاز الإيراني الضخم فرزاد ب، وإن الخفض سيجعل كميات الخام الإيراني التي تستورها الهند في السنة المالية الحالية 370 ألف برميل يوميا.

وتعد الهند أكبر مشتر للنفط الإيراني بعد الصين واستوردت العام الماضي نحو 510 آلاف برميل يوميا من الخام من إيران بحسب بيانات ملاحية على تومسون رويترز ايكون، وإن خفض واردات 2017-2018 يتضمن نحو 199 ألف برميل يوميا من شركات التكرير الحكومية في تراجع بحوالي الثلث عن السنة السابقة. وأضافت أن المصفاتين الخاصتين إيسار واتش.ام.إي.ال جددتا عقود العام الماضي محددة المدة لشراء 120 ألف برميل يوميا و20 ألف برميل يوميا على الترتيتب.

مباحثات مع الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي حول اتفاق للتجارة الحرة

ذكرت وسائل إعلام حكومية إن إيران تجري مباحثات مع الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي الذي تقوده روسيا لإبرام اتفاق للتجارة الحرة وسط مشاكل في تأمين استثمارات غربية جديدة على الرغم من رفع معظم العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على طهران، وتعافى الاقتصاد الإيراني ببطء منذ أن قيدت طهران نشاطها النووي المثير للخلاف بموجب اتفاق في عام 2015 مع قوى دولية نظرا لأن الكثير من المستثمرين الأجانب ما زالوا حريصين خشية الوقوع تحت طائلة عقوبات من التي ما زالت الولايات المتحدة تفرضها من جانب واحد.

وفي توجهها إلى الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي ستبني إيران على العلاقات التجارية والاقتصادية والعسكرية المتنامية مع روسيا، بما في ذلك دعم البلدين للرئيس السوري بشار الأسد في حربه ضد المعارضة المسلحة والمتشددين الذين يحاولون الإطاحة به، وبحسب المصادر فإن إيران أعدت قائمة تضم 200 بند للتجارة مع الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي. وانه إذا تم التوقيع على اتفاقية للتجارة الحرة ستمنح ايران لأعضاء الاتحاد رسوما تفضيلية لثلاث سنوات قبل تدشين التجارة الحرة، ومن شأن هذا أن تقرب التجارة الحرة الجمهورية الإسلامية من الانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي الذي تقوده روسيا والذي تأسس عام 2015 ويضم كلا من أرمينيا وروسيا البيضاء وقازاخستان وقرغيزستان.

وزاد حجم التجارة بين روسيا وإيران إلى المثلين تقريبا خلال الفترة من يناير كانون الثاني 2016 إلى يناير كانون الثاني 2017 بحسب بيان من وزارة التنمية الاقتصادية الروسية، ويذكر انه تم توقيع عقد بين جازبروم، أكبر شركة غاز في روسيا، وشركة النفط الوطنية الإيرانية مذكرة بشأن التعاون في مجال الغاز في مارس آذار عندما زار الرئيس الإيراني حسن روحاني موسكو، وتمثل العلاقات المتنامية بين روسيا وإيران مبعث قلق للسعودية، منافسة إيران الرئيسية على النفوذ في الشرق الأوسط، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي عبر عن رغبته في تعاون استراتيجي مع موسكو وإن كان يرى إيران عدوا.

معاناة الصناديق الأجنبية في ايران

زاد نشاط مستثمري الأسواق المبتدئة، وهم فئة المستثمرين المستعدين للدخول في أسواق أقل تطورا وتنطوي على مخاطر أعلى، بعد توقيع إيران الاتفاق النووي مع القوى العالمية الست الكبرى عام 2015 لرفع الحظر عن النفط ومعظم العقوبات المالية عنها مقابل قيود على برنامجها النووي، ويبدو أن ارتفاع نسبة الشباب بين سكان إيران البالغ عددهم 80 مليون نسمة وتلقيهم تعليما جيدا، واحتياج البنية التحتية إلى التمويل وسوق الأسهم الضخمة في البلاد وقاعدتها الصناعية المتطورة نسبيا كلها عوامل توفر تربة خصبة للاستثمار، لكن الأمور اللوجستية والسياسية سواء في الداخل والخارج جعلت من الصعب ترجمة حماس المستثمرين إلى تدفقات فعلية من الأموال الأجنبية.

ولذلك أهمية كبيرة لأن مستثمري المحافظ وصناديق الاستثمار المباشر عادة ما يكونون في طليعة الوافدين على السوق قبل أن تبدأ الاستثمارات المباشرة الملموسة في التدفق، وتعكس تجربة كيرن تجارب شركات كبرى في مجالي الطاقة وصناعة السيارات علقت هي الأخرى طموحاتها الخاصة بإيران وعزت ذلك إلى الروتين الحكومي واحتمال عودة العقوبات وكذلك احتمال فوز أحد المتشددين المعارضين للغرب في انتخابات الرئاسة، غير أن منظمة البورصة والأوراق المالية الإيرانية تحرص على التأكيد على زيادة الاهتمام الأجنبي وأن الأمور تمضي قدما. وذكرت المنظمة إن الاستثمارات الأجنبية في الأوراق المالية الإيرانية وصناديق الاستثمار المشتركة ارتفعت بين 100 و250 في المئة منذ إبرام الاتفاق النووي.

وإن الأجانب يملكون 871 رخصة استثمار وإن إجمالي حيازاتهم من الأسهم زاد لثلاثة أمثاله إلى نحو 17.5 تريليون ريال، وهو ما يعادل 539 مليون دولار بناء على سعر الصرف الرسمي و466 مليون دولار وفقا لسعر السوق الحر، لكن البعض يرون أن نصيب صناديق استثمارات المحافظ لا يزال ضئيلا. ويقدر كليمنتي كابيلو، مدير الاستثمار في شركة ستيرجن كابيتال لإدارة الأصول التي أسست صندوقا إيرانيا متخصصا في أواخر 2015، أن أقل من 50 مليون يورو تدفقت من المحافظ على الأسهم الإيرانية في العامين الأخيرين، وستيرجن ليس الصندوق الأجنبي الوحيد في إيران. فقد أقامت شركة شارلمان كابيتال مشروعا مشتركا مع تركواز بارتنرز الإيرانية في يناير كانون الثاني 2016.

ولم تثني الظروف الحالية بعض المستثمرين ومنهم ماسيج ووجتال الذي يعمل على تدشين صندوق للتحوط باسم أمتيلون كابيتال باستثمارات تتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين يورو، غير أنه خاض صعوبات الروتين الحكومي واستغرق تسعة أشهر لفتح حساب مصرفي إيراني، وتقر منظمة البورصة بالصعاب التي تكتنف تحويل الأموال إلى داخل أو خارج إيران. ولا تزال البنوك الدولية محجمة عن المشاركة بسبب القيود الأمريكية.

يذكر انه أعيد ربط البنك المركزي بشبكة المعاملات المصرفية الدولية سويفت مما أتاح للبنوك الإيرانية فرصة استئناف المعاملات عبر الحدود. لكن شركة ستيرجن لم تتمكن من تحويل أموال إلى خارج إيران عبر شبكة سويفت لأول مرة سوى قبل فترة قصيرة، وأسهم ذلك في تقليص تكاليف المعاملات إلى أقل من 50 نقطة أساس مقارنة بأكثر من أثنين في المئة كان الصندوق يدفعها في العام الماضي، يذكر أنه قد انخفض التضخم الذي تجاوز 40 في المئة في السابق إلى أقل من 10 بالمئة ونما الاقتصاد 7.4 في المئة بالقيمة الحقيقية خلال العام الأخير.

وبينما ارتفعت الأسهم الإيرانية أكثر من ستة في المئة فقط منذ فبراير شباط الماضي، بما يقل عن نسبة الزيادة البالغة 12 في المئة المسجلة على مؤشر إم.إس.سي.آي للأسواق المبتدئة، قدر زاندية متوسط عوائد توزيعات الأرباح عند 15 في المئة، كما إن ثلث الشركات الإيرانية المدرجة البالغ عددها 600 مثيرة للاهتمام مشيرا إلى تمتعها بميزة إضافية وهي عدم تأثر هذه الأسهم عادة بالأحداث العالمية مثل تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي أو سياسة مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي).

مباحثات بشأن تمويل صادرات طائرات واستثمارات في شبكة الانترنت

صرح مسؤول إيراني كبير إن بلاده تجري مباحثات مع وكالة ائتمانات الصادرات في بريطانيا لتسهيل تمويل مبيعات طائرات لشركة الطيران الوطنية إيران اير ضمن اتفاق طهران مع القوى العالمية لرفع العقوبات التي كانت مفروضة عليها بسبب برنامجها النووي، وخطة إيران اير لشراء أكثر من 180 طائرة من شركتي ايرباص وبوينج هي الصفقة الاقتصادية الأكثر جلاء على الطاولة بعد أن رفعت القوى العالمية العام الماضي العقوبات التي كانت مفروضة على طهران مقابل فرض قيود على أنشطتها النووية.

لكن توفير تمويل للمشتريات ظل صعبا بسبب إحجام البنوك الغربية نظرا لقلقهم بشأن مستقبل اتفاق عام 2015 بعدما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه سيء وأمر بمراجعته، وإلى الآن تسلمت إيران اير ثلاث طائرات فقط من ايرباص سددت قيمتهم نقدا حسبما قالت مصادر في القطاع، وذكر نائب وزير الطرق والتطوير الحضري الإيراني أصغر فخرية كاشان إن وكالة تمويل الصادرات البريطانية (يو.كيه.إي.إف)، ذراع ائتمانات التصدير بالمملكة المتحدة، عرضت مؤقتا تقديم الدعم لبعض الطائرات المصنعة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا واسبانيا من طراز ايرباص، وأضاف أنها قد تقدم بعض الدعم أيضا للمنافسة الأمريكية بوينج، وأكد مصدران في قطاع صناعة الطائرات أن المباحثات جارية.

من جهة أخرى اتفقت مجموعة ام.تي.ان الجنوب أفريقية على استثمار أكثر من 295 مليون دولار في شبكة إيرانيان نت لخدمات النطاق العريض من خلال خطوط الهاتف الثابت حيث ستشتري حصة مبدئية قدرها 49 بالمئة فيها، وتظهر الخطوط العريضة للصفقة التي أعلنت يوم الاثنين اهتمام ام.تي.ان بسوق الاتصالات الإيرانية التي فتحت أبوابها للمستثمرين الأجانب بعد رفع العقوبات الدولية وهو ما أتاح أيضا للشركة الجنوب أفريقية استرداد مليار دولار أرباحا متراكمة من حصتها البالغة 49 بالمئة في إيران سيل المشغلة لشبكة اتصالات لاسلكية.

والصفقة الأخيرة، التي لا تزال غير ملزمة، هي الثانية من نوعها لشركة ام.تي.ان في إيران هذا العام بعدما استثمرت أكبر مجموعة مشغلة لشبكات الاتصالات اللاسلكية في أفريقيا في إيران انترنت جروب التي تدير تطبيقا لخدمات نقل الركاب، وأفادت ام.تي.ان إنها ستدفع 540 مليون راند (40 مليون دولار) لشراء 49 بالمئة في إيرانيان نت ثم تستثمر 3.4 مليار راند أخرى في أسهم وقروض لمساعدة الشركة الإيرانية في تطوير شبكة ألياف على مدى السنوات الخمس القادمة.

وكخلاصة يمكن القول شهد الاقتصاد الإيراني تحسن ملحوظ في ظل ولاية روحاني الأولى إذ استطاع أن يصل بمعدل التضخم لأقل من 10% للمرة الأولى خلال ثلاثة عقود، ورفعت العقوبات بموجب الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015، علاوة على استقرار سعر الصرف على مدار الأعوام الأربعة الماضية، غير أن هذا التحسن صُدم بانهيار السوق العالمي، إذ جاءت اتفاقيات الانفتاح في ظل وضع اقتصادي عالمي صعب ونمو اقتصادي ضعيف، ولم تؤدي هذه الاتفاقيات إلى تحسن كبيرفي مستويات الاقتصاد القومي ومن ثم أثر التحسن على المواطن لم يكن كما كان متوقعاً.

لاشك أن زياده الإنفاق العسكرى الذى جاء في الموازنة الأخيرة على حساب الإنفاق على التطوير و الاهتمام بالبنية التحتية يفسر أهم معوقات بناء اقتصاد إيراني قوى، حيث أن الإنفاق العسكري بلغ 22.38 مليار دولار في الموازنة الجديدة بزياده قدرها 128% عن العام السابق، علاوة على أن عقد الآمال على استثمار الأموال المفرج عنها في غير محله فمازال الغموض يكتنف حجم هذه الأموال وكيفية استعادتها، وهل ستقوم الولايات المتحدة بتسييلها أم لا؟ أي أن عائد تلك الأموال على الاقتصاد المدني ستكون ضعيفة ناهيك عن تواضع حجم الاستثمار الأجنبي الداخل إلى السوق الإيراني، ويبقى تحسين مستوى معيشة الأفراد في ظل ولاية روحاني الثانية، رهينة تحسن بنية الاقتصاد الإيراني وتسهيل الحصول على السلع المحلية والمستوردة على السواء.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0