ما مدى المساحة المتوافرة أمام صناع السياسات الوطنية لإجراء زيادة في الإنفاق أو تخفيض في الضرائب؟ إنه سؤال صعب يكتسب أهمية بالغة في فترات الهبوط الاقتصادي حين يُطلَب من الحكومة تنشيط الاقتصاد، لكنه يكتسب أهمية مماثلة في فترات الصعود الدوري، كالتي نمر بها حاليا؛ لأن الإجابة عنه تشكل عاملا حاسما لفهم مدى السرعة المطلوبة لإعادة بناء هوامش الأمان في البلدان المعنية، ومهما كانت الظروف، فحتى تكون الإجابة مفيدة ينبغي أن تأتي في شكل تقدير لمدى "الحيز المالي"، أو المساحة المتوافرة للبلدان كي تزيد من عجز موازناتها العامة بصفة مؤقتة دون التأثير في نفاذها إلى الأسواق، أو بقاء مديونيتها في حدود يمكن تحملها.

ويقصد بالحيز المالي هو تطوير منهجيات طرق تخفيف وسداد الديون العامة وتشجيع الاستثمار الخارجي المباشر عبر مساحة في الموازنة العامة التي تسمح بتوفير موارد استثنائية لغرض منشود من دون تعريض استدامة مركزها المالي أو استقرار اقتصادها للخطر في ظل انفاق حكومي جدير بالاهتمام. وتستطيع الموازنة العامة كذلك أن تنشىء حيزاً مالياً بعدة طرق أخرى كايجاد القروض وتوظيفها بشكل فعلي منتج مع الزام دفع رسوم خدمتها وتسديد أصل القرض للحيلولة دون تناميها من خلال تراكم فوائدها وتضخمها والبحث عن منح ومساعدات خارجية، ومن جانب أخر يمكن زيادة بعض أنواع الرسوم الضريبية والوعاء الضريبيوتحسين جودة اللوائح والانظمة والاجراءات والاداء الخاص بادارة الضريبة.

وقد كشف البنك الدولي في تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية بأن لبلدان النامية بحاجة إلى إعادة بناء الحيز المالي لمساندة النشاط الاقتصادي في حالة بطء النمو. وقد أتاح انخفاض أسعار النفط فرصة مواتية لكثير من البلدان النامية كي تفعل ذلك، فالبلدان التي يرتفع فيها مستوى الدين المحلي أو معدل التضخم، تواجه خيارات السياسة النقدية قيودا في التعامل مع الركود المحتمل. وفي المستقبل القريب، قد تحتاج هذه البلدان إلى توظيف إجراءات التحفيز المالي لمساندة النمو. لكن كثيرا من البلدان النامية لديها الآن حيز مالي أقل مما توفر لها قبل عام 2008 حيث استخدمت الحافز المالي خلال الأزمة المالية العالمية. وفي السنوات الأخيرة، ارتفعت مستويات الدين الخاص ارتفاعا ملموسا في بعض البلدان النامية.

ويعد الحيز المالي قضية هامة وعاجلة لبعض الدول لأن احتياجاتها للانفاق أكثر الحالحاً في الحاضر ولكن الأمر يتضمن قضايا أطول أجلاً، فمثلاً تدفقات المُنح والمساعدات الخارجية الى الداخل من الممكن أن توفر بوضوح حيزاً مالياً أكثر مما توفره القروض حيث يتعين أن تؤخذ في الاعتبار اعتبارات القدرة على تسديد الديون عندما تكون القروض ميسرة بصورة كبيرة وأكثر التزاماً عندما تكون شروط القرض عكس ذلك، ولكن ليس من المؤكد تدفق المُنح على نحو مستدام، ويمكن التنبؤ به وحده وهو الذي أن يسمح بزيادة الانفاق ويقلل انعدام اليقين مما اذا كانت المساعدة أو المنُحة ببساطة من النوع الذي يتم منحه لمرة واحدة أو هناك مجال لمساعدات ومُنح جديدة وهو أمر قد يضر بوضع الاقتصاد الكلي مثل ارتفاع سعر الصرف الحقيقي.

ونشر صندوق النقد الدولي تقرير حديث عن سياسة الحيز المالي، مبيناً فيه إن من المكن أن تتحسن نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي بالفعل مع مرور الوقت، مما يخلق حيزا ماليا إضافيا. وعلى ذلك، يتجنب الإطار الذي وضعه الصندوق أي مقياس محدد، ويعتمد بدلا من ذلك على منهج متعدد الأوجه باستخدام مؤشرات وأدوات تم بناؤها على مدار سنوات طويلة، ويوصي صندوق النقد الدولي باستخدام الحيز المالي دعما للنمو الأطول أجلا في ألمانيا وهولندا والفلبين وتايلند؛ لتعويض بعض التكاليف التي قد تنشأ عن مرحلة الإصلاحات الهيكلية القوية المطلوبة في الصين، وللسماح بإبطاء وتيرة التصحيح المالي في بعض البلدان المنتجة للنفط، وبالنظر إلى المستقبل، وعلى الطرف النقيض، نجد أن الحيز المالي محدود للغاية في البرازيل وإيطاليا وباكستان، على سبيل المثال. ويعكس هذا الحيز المالي المحدود بدرجات متفاوتة، ارتفاع المخاطر المتعلقة بالتمويل من الأسواق المالية ومستويات الدين المرتفعة نسبيا، واحتياجات التمويل أو خدمة الدين. واعتمادا على درجة الضغوط، يمكن أن تواجه البلدان ذات الحيز المحدود مخاطر مثل فقدان القدرة على النفاذ إلى الأسواق تهدد استخدامها لسياسة المالية العامة. وينتظر أن تكون خريطة الطريق التي وضعناها لكيفية تقييم الحيز المالي عاملا مساعدا لكل البلدان الأعضاء في التعرف على حيز المناورة المتاح لها بصفة منتظمة، وأن تتعاون كل بلد في اختيار السياسات الصحيحة المناسبة لظروفه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5