احتلت العقيدة المهدوية في الفكر الإسلامي، والشيعي بصورة أخص، مكانة الثوابت والضروريات، بسبب تأكيد نصوص، لا حصر لها، عليها، حتى أصبحت من البديهيات العقدية. فقد اتفقت كلمة المسلمين: إمامية وغيرهم، على أنه سيظهر في آخر الزمان رجل يتم إصلاح العالم على يده المباركة، بغض النظر عن اختلافهم في بعض الخصوصيات.

إذ توافر في أصل ثبوت العقيدة المهدوية من الروايات ما بلغت رقما إحصائيا لم يتوافر لأية قضية مشابهة من قضايا الإسلام، بلغت بها أعلى درجات التواتر، ونقلتها الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً، المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها، واجتمعت على إخراج تلك الروايات. وتعددت الطرق إليها تعدداً تحيل العادةُ تواطؤهم على الكذب، فأفادت علما يقينيا بصحتها وثبوتها، وصار الاعتقاد بها من ضروريات الإسلام.

كما ثبت ذلك لكثير من مسائل الغيبيات، كالإيمان بالملائكة وبالجن وبعذاب القبر وبسؤال المَلَكين (منكر ونكير) وبالبرزخ، وبغير ذلك من المغيبات التي جاء بها القرآن الكريم، أو نطق بها الرسول الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهذا الغيب سواء تعقله الإنسان وأدرك جوانبه، أو لم يستطع إدراك شيء منه وخفيت عليه أسراره، فإنه مأمور بالإيمان به، غير معذور بإنكاره، بلحاظ أن مثل هذا الإيمان هو من لوازم الاعتقاد بالله تعالى، وبصدق سفرائه وأنبيائه الذين يُنبئون ويخبرون بما يوحى إليهم، وهو جزء لا يتجزأ من العقيدة، فكـل تشـكيك بشـأنها ـ أي قضية المهدي (عليه السلام) ـ إنما يتعلق بأصـل التصـديق بالغيب.

وقد روي عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) في قول الله عز وجل (هُدىً لِلْمُتَّقين ‏الَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب‏) قال: من أقرّ بقيام القائم (عليه السلام) أنه حق.

كما أن قضية المهدي (عليه السلام) هي قضية أمل وترقب، مرت بها الطائفة الإمامية تجربةً وقضيةً وحقيقةً تاريخية، وتمثّل في أدبياتها شعورا وأملا وترقبا، وانتظارا إيجابيا فاعلا ومؤثرا في حياتها وجهادها المستمر في مواجهة الظلم والظالمين والطغاة والجبارين.

إنها تدفع الإنسان لمراقبة الحالة الإنسانية السائدة، والتفاعل معها، ومسايرتها، والتكيف مع ظروفها، مع الحفاظ على هوية المسلم الموالي، الملتزم بأحكام الشريعة، إذ لا ريب أن انقطاع النيابة والسفارة في غيبة الإمام (عليه السلام) لا يعني الانقطاع القلبي والمعنوي عنه عليه السلام، بل اللازم على المؤمن القيام بالوظائف الشرعية في فضاء وجو الاعتقاد بإمامة المهدي (عليه السلام)، والتولي له، والتبرؤ من خصومه ومناوئيه ومنكريه، ومعايشة هذا الاعتقاد.

إن العقيدة المهدوية ليست عقيدة فردية يعيشها الفرد في نفسه أو في ظرفه وميدانه الخاص، بل هي عقائد تقتضي الارتباط بالمجتمع وتحمل المسؤولية بالموقف السياسي والاجتماعي، فهي عقائد لها تداعيات وتوجّهات وتأثيرات خارجية فعلية، يقودها الأمل بظهوره الذي به يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً، وهذه هي حالة (الانتظار) التي ذكرتها جملة من الروايات وأكّدت عليها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1