يقدم هذا الحوار الفكري تفكيكاً شاملاً لأزمات الهوية والمواطنة والتطرف في الواقع العراقي والمجتمعات المعاصرة، مستعرضاً الطرح المعرفي لكتاب بناء الهوية الدينية الصحيحة. ويسلط الضوء على آليات الانتقال بالهوية الدينية من نطاق الشعارات والشكلانية إلى مشروع حضاري وتنموي ترعاه المرجعية الدينية العليا بوصفها صمام أمان أخلاقي وشريكاً مجتمعياً يحمي التماسك والسلم الأهلي...
في مرحلةٍ تاريخية حرجة تتشابك فيها الهويات وتتصادم فيها المفاهيم، يقف الإنسان اليوم أمام سؤالٍ مصيري: كيف نحمي وعينا من الانحراف والسطحية دون أن نتقوقع داخل أسوار العزلة؟ وكيف نتحول بالهوية الدينية من مجرد شعارٍ موروث إلى مشروعٍ حضاري يبني الإنسان ويحمي استقرار المجتمع؟
بين تجاذبات العولمة القيمية، وضغوط الإعلام الرقمي، وأزمات الانتماء لدى الشباب، يبرز كتاب "بناء الهوية الدينية الصحيحة" للدكتور مصطفى حسين عبد الرسول، التدريسي في كلية العلوم الإسلامية بجامعة كربلاء ليرسم خارطة طريق فكرية وعملية تفكك الخطاب المتطرف، وتؤصل لدور المؤسسة الدينية والمرجعية العليا بوصفها مرجعية أخلاقية وشريكاً تنموياً يحفظ التماسك الوطني والسلم المجتمعي.
نستعرض معكم في هذا الحوار المباشر إجابات هذا المشروع التجديدي حول أهم أزمات الهوية والمواطنة والتعايش في العراق اليوم.
ما هو التعريف الإجرائي الذي يقدمه الكتاب لـ "الهوية الدينية الصحيحة" في ظل صراعات الهوية التي يشهدها المجتمع المعاصر؟
ينطلق الكتاب من أن الهوية الدينية الصحيحة ليست مجرد انتماء اسمي أو موروث اجتماعي، وإنما هي منظومة متكاملة تقوم على العقيدة الواعية، والسلوك الأخلاقي، والالتزام بمنهج الوحي مع تفعيل دور العقل في فهم النصوص الشرعية. ولذلك قدمنا تعريفاً إجرائياً للهوية الدينية بوصفها عملية تربوية مستمرة تهدف إلى بناء إنسان يمتلك وعياً دينياً راسخاً ينعكس في سلوكه اليومي، ويحصنه من الانحرافات الفكرية والتطرف. كما أكد الكتاب أن الهوية الحقيقية تجمع بين الثبات في الأصول والمرونة في الوسائل، بما يحقق القدرة على التفاعل مع متغيرات العصر دون التفريط بالثوابت. وفي ظل صراعات الهوية المعاصرة تصبح الهوية الدينية الصحيحة مشروعاً لبناء الإنسان لا مجرد شعار ثقافي، لأنها تمنحه القدرة على التمييز بين الأصالة والتقليد، وبين الانفتاح الواعي والذوبان الثقافي، وهو ما يجعلها أساساً للأمن الفكري والاستقرار المجتمعي.
كيف عالج الكتاب أزمة الانتماء لدى الشباب العراقي، وهل يمكن اعتبار التربية الدينية الرصينة حلاً لهذه الأزمة؟
أرى أن أزمة الانتماء التي يعيشها بعض الشباب العراقي لا تعود إلى ضعف المشاعر الوطنية أو الدينية فحسب، وإنما إلى غياب البناء المعرفي الصحيح، وانتشار الخطابات المتطرفة أو السطحية، فضلاً عن تأثير الإعلام الرقمي والعولمة الثقافية. ومن هنا ركزنا على أن التربية الدينية الرصينة تمثل العلاج الأكثر استدامة لأنها تبني الانتماء على الوعي والبصيرة وليس على الانفعال والعاطفة المؤقتة. كما دعا الكتاب إلى تطوير البرامج التعليمية والثقافية التي تخاطب الشباب بلغة العصر، وتربطهم بالقيم الإسلامية الأصيلة، مع فتح مساحات للحوار والإجابة عن تساؤلاتهم الفكرية. وأكدنا كذلك أهمية دور الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والمرجعية الدينية في صناعة شخصية متوازنة تجمع بين التدين الواعي والانتماء الوطني، لأن الشباب إذا امتلكوا المعرفة الصحيحة أصبحوا أقل عرضة للاستقطاب الفكري وأكثر قدرة على خدمة مجتمعهم.
إلى أي مدى يتفق الكتاب مع الرأي القائل بأن الانفتاح على الآخر لا يعني بالضرورة تنازل الهوية الدينية عن ثوابتها؟
هذا من الأفكار المحورية التي أكد عليها الكتاب بصورة واضحة، إذ بينّا أن الهوية الدينية الصحيحة لا تقوم على الانغلاق، كما أنها لا تعني الذوبان في الآخر. فالانفتاح الحقيقي هو انفتاح يقوم على الثقة بالنفس والوعي بالثوابت، وليس على التنازل عن المبادئ. واستعرض الكتاب نماذج عملية من خطاب المرجعية الدينية العليا التي دعت إلى احترام جميع مكونات المجتمع، ورفضت التكفير والكراهية، مع المحافظة في الوقت نفسه على الأصول العقدية والفقهية. لذلك فإن الانفتاح الذي ندعو إليه هو انفتاح حضاري يقوم على الحوار والتعاون في المشتركات الإنسانية، مع بقاء المرجعية الدينية هي الحاكمة في تحديد ما يقبل وما يرفض. وبهذا تتحول الهوية إلى عامل تواصل وإثراء حضاري، لا إلى سبب للصدام أو الانعزال.
كيف يمكن للمؤسسة الدينية أن تلعب دوراً في تحصين الهوية الدينية من التأثر بـالعولمة القيمية دون أن تقع في فخ الانعزال؟
يشير الكتاب إلى أن مواجهة العولمة القيمية لا تكون برفض كل جديد، وإنما ببناء شخصية تمتلك القدرة على النقد والاختيار الواعي. ولذلك أكدنا أن المؤسسة الدينية مطالبة بتقديم خطاب معاصر يفهم لغة الشباب، ويستخدم وسائل الإعلام الحديثة، ويطرح القيم الإسلامية بصيغة عقلانية وإنسانية. كما شددنا على أن تحصين الهوية يبدأ من ترسيخ المرجعية الفكرية الصحيحة، وتنمية التفكير النقدي، وتعزيز الثقافة الدينية القائمة على الدليل لا على التقليد الأعمى. وفي الوقت نفسه دعا الكتاب إلى الانفتاح على العلوم والتجارب الإنسانية والاستفادة منها ما دامت لا تتعارض مع الثوابت الشرعية. فالمطلوب ليس العزلة عن العالم، وإنما الحضور الفاعل فيه مع المحافظة على الأصالة والهوية.
يطرح الكتاب مفهوم المرجعية الأخلاقية؛ كيف تختلف هذه المرجعية في أدائها عن المرجعية السياسية التقليدية؟
يفرق الكتاب بين المرجعية الأخلاقية والمرجعية السياسية من حيث طبيعة الوظيفة والغاية. فالمرجعية الأخلاقية لا تسعى إلى إدارة السلطة أو المنافسة عليها، وإنما تعمل على توجيه المجتمع وحماية منظومته القيمية، وممارسة الرقابة الأخلاقية على أداء الدولة ومؤسساتها. ومن خلال دراسة تجربة المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، أوضحنا أنها حافظت على استقلالها عن السلطة، الأمر الذي منحها مصداقية كبيرة وثقة اجتماعية واسعة.
كما أن تدخلها في الشأن العام كان دائماً من منطلق حماية المجتمع، والدفاع عن وحدة العراق، ومواجهة الفساد والتطرف، وترسيخ العدالة وسيادة القانون، وليس من أجل تحقيق مكاسب سياسية. ولذلك فإن المرجعية الأخلاقية تمثل ضمير المجتمع، بينما تنشغل المرجعية السياسية بإدارة السلطة وآليات الحكم، وهذا ما يفسر قدرة المرجعية الدينية على أداء دورها الإصلاحي مع الحفاظ على استقلاليتها.
كيف تفسر انتقال المؤسسة الدينية من المسافة الواحدة مع السلطة إلى دور الشريك التنموي في مواجهة الأزمات الخدمية والاجتماعية؟
يوضح الكتاب أن المؤسسة الدينية، ولا سيما المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، حافظت على استقلاليتها وعدم انخراطها في العمل السياسي التنفيذي، لكنها في الوقت نفسه لم تكن بعيدة عن هموم المجتمع وقضاياه المصيرية. فمبدأ "المسافة الواحدة" لا يعني الحياد تجاه معاناة الناس، وإنما يعني عدم الانحياز إلى جهة سياسية على حساب أخرى، مع الاحتفاظ بحقها في التوجيه والإصلاح والمساءلة الأخلاقية. ومن هذا المنطلق تطور دورها إلى ما يمكن وصفه بـ"الشريك التنموي"، إذ أسهمت في دعم المبادرات الإنسانية، وتشجيع العمل التطوعي، ورعاية النازحين، والدعوة إلى إصلاح مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة. فالكتاب يبين أن هذا الدور لا يمثل تحولاً عن رسالتها الدينية، بل هو امتداد طبيعي لوظيفتها الشرعية في حفظ مصالح المجتمع، وترسيخ العدالة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وبناء الإنسان والدولة على أسس أخلاقية وإنسانية.
إلى أي حد نجح الكتاب في تقديم خارطة طريق عملية للمؤسسة الدينية للقيام بدورها في السلم المجتمعي بعيداً عن أروقة السياسة؟
حرص الكتاب على الانتقال من الجانب النظري إلى تقديم رؤية عملية يمكن للمؤسسة الدينية اعتمادها في تعزيز السلم المجتمعي، وذلك من خلال مجموعة من الآليات الواضحة، منها ترسيخ ثقافة الحوار، ونبذ التكفير، وتعزيز الوعي الديني المعتدل، وتطوير البرامج التعليمية والثقافية، والاهتمام بالشباب والأسرة، إضافة إلى تشجيع المبادرات الاجتماعية والخدمية التي تعزز التماسك المجتمعي. كما أبرز الكتاب تجربة المرجعية الدينية العليا في إدارة الأزمات الكبرى التي مر بها العراق، وكيف استطاعت المحافظة على وحدة المجتمع من خلال خطاب أخلاقي وإنساني بعيد عن الاصطفافات السياسية. ولذلك يمكن القول إن الكتاب لا يكتفي بتوصيف المشكلة، بل يقدم برنامجاً عملياً يجعل المؤسسة الدينية أحد أهم عوامل الاستقرار الاجتماعي وصناعة السلام الأهلي، مع الحفاظ على استقلاليتها عن التجاذبات الحزبية.
كيف يوازن الكتاب بين الحفاظ على استقلالية المرجعية وبين ضرورة التدخل الميداني لإنقاذ المجتمع من تداعيات الأزمات الاقتصادية والسياسية؟
يرى الكتاب أن استقلالية المرجعية تمثل أحد أهم عناصر قوتها وتأثيرها، لأنها تمنحها القدرة على مخاطبة جميع أبناء المجتمع دون أن تكون جزءاً من الصراع السياسي أو طرفاً فيه. وفي المقابل فإن هذا الاستقلال لا يعني الانكفاء أو الصمت أمام الأزمات التي تهدد حياة المواطنين، بل يفرض عليها مسؤولية أخلاقية ووطنية للتدخل عندما تتعرض مصالح المجتمع للخطر. وقد استعرض الكتاب نماذج متعددة من مواقف المرجعية في مواجهة الإرهاب، ومكافحة الفساد، ودعم الإصلاح، والدفاع عن حقوق المواطنين، مع التأكيد المستمر على احترام القانون، ورفض العنف، والمحافظة على وحدة البلاد. ومن هنا فإن التدخل الميداني الذي تتبناه المرجعية ليس تدخلاً سياسياً بالمعنى الحزبي، وإنما هو تدخل إنساني وأخلاقي يهدف إلى حماية المجتمع وصيانة كرامة الإنسان، مع بقاء القرار السياسي بيد المؤسسات الدستورية.
ما هي القراءة التي يقدمها الكتاب لظاهرة التطرف، وكيف يمكن لـ فقه الهوية أن يكون سلاحاً فاعلاً في تفكيك الخطاب المتطرف؟
يقدم الكتاب قراءة شاملة لظاهرة التطرف، ويؤكد أنها ليست نتاج عوامل أمنية فقط، وإنما هي نتيجة خلل معرفي وثقافي وعقدي يؤدي إلى سوء فهم النصوص الدينية، وتحويل الاختلاف إلى صراع وجودي. ولذلك ركز الكتاب على أن المعالجة تبدأ بإعادة بناء الوعي الديني على أساس العقل والاجتهاد، وربط التدين بالأخلاق، ورفض التكفير، وترسيخ ثقافة التعايش واحترام الإنسان. وفي هذا السياق يبرز مفهوم "فقه الهوية" بوصفه إطاراً علمياً يعيد تعريف الانتماء الديني باعتباره التزاماً بالقيم الإلهية والإنسانية، وليس أداة لإقصاء الآخرين أو تبرير العنف. كما يبين الكتاب أن المرجعية الدينية العليا نجحت في تحويل هذا الفقه إلى ممارسة عملية من خلال التأكيد على حرمة الدماء، ووحدة المجتمع، والتفريق بين الإرهاب والانتماءات الدينية، الأمر الذي أسهم في تجفيف المنابع الفكرية للتطرف وتعزيز الأمن الفكري.
كيف يجسد الكتاب مفهوم المواطنة الصالحة من منظور ديني، وهل يتعارض هذا المفهوم مع الانتماءات الفرعية (العشائرية أو المناطقية)؟
يؤكد الكتاب أن المواطنة الصالحة من المنظور الديني ليست مفهوماً مستورداً أو منفصلاً عن التعاليم الإسلامية، وإنما هي تجسيد عملي لقيم العدل، والأمانة، وحفظ الحقوق، واحترام القانون، وخدمة الصالح العام. فالمواطن الصالح هو الذي يجمع بين انتمائه الديني وانتمائه الوطني، ويؤدي واجباته تجاه مجتمعه ودولته دون تمييز أو تعصب. كما يوضح الكتاب أن الانتماءات الفرعية، كالعشيرة أو المنطقة أو القومية، لا تمثل مشكلة بحد ذاتها، وإنما تصبح خطراً عندما تتحول إلى أدوات للإقصاء أو تقديم المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية. ولذلك دعا الكتاب إلى جعل الهوية الدينية الصحيحة إطاراً جامعاً يحتضن جميع الانتماءات المشروعة، ويوجهها نحو خدمة الوطن وتعزيز التعايش والسلم المجتمعي، وبذلك تصبح المواطنة امتداداً للقيم الدينية وليست منافسة لها.
ما هي الآليات التي اقترحها الكتاب لتعزيز ثقافة التعايش السلمي في مجتمع متنوع المكونات مثل العراق؟
ينطلق الكتاب من أن التعايش السلمي لا يتحقق بالشعارات، بل يحتاج إلى مشروع ثقافي وتربوي متكامل يعيد بناء الوعي المجتمعي على أساس احترام الإنسان وصيانة كرامته. ولذلك اقترح جملة من الآليات العملية، من أهمها ترسيخ ثقافة الحوار، وإشاعة خطاب الاعتدال، وتجريم التكفير وخطاب الكراهية، وتعزيز التربية الدينية القائمة على القيم المشتركة، إلى جانب تطوير المناهج التعليمية والإعلامية بما يخدم الوحدة الوطنية. كما أبرز الكتاب الدور المحوري للمرجعية الدينية العليا في ترسيخ هذا النهج من خلال مواقفها الداعية إلى حماية جميع مكونات المجتمع العراقي دون تمييز، والتأكيد على أن التعددية تمثل مصدر قوة إذا أُديرت بروح المواطنة والعدالة. ومن هنا فإن التعايش في رؤية الكتاب ليس تسوية مؤقتة، وإنما ثقافة دائمة تقوم على العدل والرحمة والتعاون واحترام الخصوصيات الدينية والثقافية.
كيف يعالج الكتاب دور المرأة والشباب كركائز أساسية في بناء هوية دينية واعية ومشاركة في صنع القرار الاجتماعي؟
يؤكد الكتاب أن بناء الهوية الدينية لا يمكن أن ينجح إذا اقتصر على المؤسسات الرسمية أو الدينية وحدها، بل يبدأ من الأسرة التي تمثل المرأة فيها الركيزة الأساسية في التربية وغرس القيم. فالمرأة ليست ناقلة للثقافة الدينية فحسب، وإنما صانعة للوعي والأخلاق والانتماء منذ السنوات الأولى من حياة الأبناء. أما الشباب فقد عدّهم الكتاب الفئة الأكثر استهدافاً من قبل التيارات المتطرفة والثقافات الوافدة، ولذلك دعا إلى الاستثمار في طاقاتهم الفكرية والعلمية، وإشراكهم في المبادرات المجتمعية والعمل التطوعي، وتهيئة برامج فكرية وإعلامية تتناسب مع تطلعاتهم. كما شدد على أهمية منحهم مساحة للحوار والإبداع وتحمل المسؤولية، لأن الهوية الواعية لا تُفرض من الخارج، وإنما تُبنى بالمشاركة والاقتناع. ومن هذا المنطلق تصبح المرأة والشباب شريكين أساسيين في صناعة الاستقرار الاجتماعي وبناء المستقبل.
إذا أردنا اختصار مشروع التجديد الذي يدعو إليه الكتاب في كلمات قليلة، فبماذا يمكننا وصفه؟
يمكن اختصار مشروع التجديد الذي يطرحه الكتاب بأنه "تجديد في الفهم لا في الثوابت، وتجديد في الوسائل لا في المبادئ". فالكتاب لا يدعو إلى تغيير أصول الدين أو التفريط بالهوية، وإنما يدعو إلى إعادة تقديم الدين بلغة العصر، وربط النص الشرعي بالعقل، وتحويل القيم إلى سلوك عملي، والاستفادة من العلوم الحديثة في خدمة الرسالة الإسلامية. كما يؤكد أن التجديد الحقيقي يعني الانتقال من التدين الشكلي إلى التدين الواعي، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات، ومن الخطاب الوعظي المجرد إلى البرامج التطبيقية التي تعالج مشكلات المجتمع. إنه مشروع يهدف إلى بناء إنسان يمتلك الإيمان والعقل والأخلاق معاً، ويكون قادراً على التفاعل الإيجابي مع العالم دون أن يفقد هويته أو أصالته.
ما هي أكبر التحديات التي قد تواجه تطبيق أطروحات الكتاب على أرض الواقع في العراق اليوم؟
يرى الكتاب أن التحديات متعددة ومتداخلة، وفي مقدمتها استمرار الاستقطاب السياسي والطائفي، وانتشار الفساد الإداري والمالي، وضعف المؤسسات التربوية والثقافية، فضلاً عن التأثير الكبير للإعلام الرقمي الذي أصبح ينقل الأفكار المتطرفة أو المنحرفة بسرعة غير مسبوقة. كما أن الفجوة بين الخطاب النظري والممارسة العملية تمثل تحدياً حقيقياً أمام ترسيخ الهوية الدينية الصحيحة، إذ لا يمكن بناء الثقة ما لم تتحول القيم إلى سلوك ومؤسسات. ويضاف إلى ذلك التحديات الاقتصادية والبطالة وضعف الخدمات، وهي عوامل قد تستغلها الجماعات المتطرفة لاستقطاب الشباب. ولذلك يؤكد الكتاب أن نجاح هذا المشروع يحتاج إلى تكامل جهود المرجعية الدينية، والأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، والدولة، لأن بناء الهوية مسؤولية وطنية مشتركة وليست مسؤولية جهة واحدة.
ختاماً، ما هي الرسالة التي يود الكتاب إيصالها لصناع القرار في العراق وللجمهور العام في آن واحد حول مستقبل الهوية الدينية؟
الرسالة الأساسية التي يحملها الكتاب هي أن مستقبل العراق لا يمكن أن يُبنى على الانقسامات أو المصالح الضيقة، وإنما على هوية دينية صحيحة تجمع بين الإيمان والإنسانية، وبين الأصالة والانفتاح، وبين الالتزام الديني والانتماء الوطني. ويوجه الكتاب إلى صناع القرار دعوة صريحة لبناء دولة عادلة تحترم القانون، وتحارب الفساد، وتصون كرامة المواطن، لأن العدالة هي البيئة الطبيعية لازدهار الهوية السليمة. أما رسالته إلى الجمهور فهي أن الحفاظ على الهوية لا يكون بالانفعال أو التعصب، بل بالعلم، والأخلاق، والعمل الصالح، واحترام الآخر، والمشاركة في بناء المجتمع.
ويخلص الكتاب إلى أن المرجعية الدينية العليا قدمت نموذجاً عملياً في توظيف القيم الدينية لخدمة الإنسان والوطن، وأن استمرار هذا النهج كفيل ببناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التطرف والتحديات الفكرية والاجتماعية، وترسيخ الأمن الفكري والسلم المجتمعي للأجيال القادمة.



اضف تعليق