ثقافة وإعلام - كتب

فنّ المواجهة.. كيف نحول الخلاف من تهديد للعلاقات إلى فرصة لفهمها؟

قراءة في كتاب «فنّ المواجهة: القوة التحويلية للخلاف»

يتناول الكتاب الى كيفية التعامل مع الخلافات داخل الأسرة والعمل والمجتمع، فتجنب المواجهة لا يحمي العلاقات بالضرورة، وأن التصعيد قد يزيدها تعقيدًا. ويدعو إلى فهم أسباب الاختلاف والاحتياجات الكامنة وراءه، واختيار ما يستحق المواجهة، وإدارة المحادثات الصعبة بعناية، مع تقبّل احتمال استمرار الخلاف أو انتهاء بعض العلاقات دون اتفاق...

تقدم بريا باركر، المتخصصة في إدارة الحوارات والتجمعات الإنسانية، في كتابها «فنّ المواجهة.. القوة التحويلية للخلاف»، الصادر عام 2026، رؤية لكيفية التعامل مع الاختلاف داخل الأسرة والعمل والمجتمع. وتنطلق من أن تجنب الخلاف لا يحمي العلاقات بالضرورة، وأن المواجهة لا ينبغي أن تتحول إلى خصومة أو إيذاء. ويبحث الكتاب في فهم أسباب الخلاف، وتحديد ما يستحق المواجهة، وإدارة المحادثات الصعبة، والتعامل مع نتائجها حتى عندما يتعذر الوصول إلى اتفاق.

تبدأ بريا باركر من مفارقة مألوفة في العلاقات الإنسانية: قد يحرص أشخاص على بقاء علاقتهم إلى درجة أنهم يتجنبون الحديث عمّا يزعجهم فيها، وقد يختار آخرون المواجهة لكنهم يخوضونها بطريقة تزيد المسافة بينهم. في الحالتين، يبقى الخلاف حاضرًا، سواء جرى إخفاؤه أو التعبير عنه بصورة جارحة. يبحث كتاب «فنّ المواجهة» في إمكان سلوك طريق ثالث: الاعتراف بالاختلاف، وفهم ما يدور حوله، ثم التعامل معه بطريقة لا تجعل الإنكار أو الإيذاء الخيارين الوحيدين المتاحين.

الخلاف ليس نقيض العلاقة

تضع بريا باركر الخلاف في قلب الحياة المشتركة، لا على هامشها. فالأسرة وفريق العمل ومجموعة الأصدقاء ليست تجمعات ثابتة، وإنما علاقات تتغير مع تغير أفرادها واحتياجاتهم وتوقعاتهم. ولهذا ترفض المؤلفة الفكرة التي تجعل غياب الخلاف دليلًا كافيًا على جودة العلاقة، وترى أن قدرة الأشخاص على التعامل مع اختلافاتهم جزء مما يسمح للجماعة بالنمو والاستمرار. فحين يجتمع أشخاص مختلفون، لا يكون السؤال الواقعي هو كيف نمنع ظهور أي اختلاف بينهم، بل كيف يتعاملون معه عندما يظهر.

ولا تقصد باركر بذلك أن كل مواجهة مفيدة أو أن كثرة المشاجرات علامة على قوة العلاقة. فالكتاب يميز بين وجود الاختلاف، وهو أمر متوقع، والطريقة التي يُدار بها، وهي التي تحدد ما إذا كانت المواجهة ستفتح مجالًا للفهم أو ستزيد الضرر. ومن هنا تنطلق أطروحته: يمكن للخلاف أن يؤدي دورًا بنّاءً، لكن ذلك يتطلب معرفة متى ينبغي خوضه، وما الذي يستحق المواجهة، وكيف يمكن البقاء في المحادثة الصعبة من دون تحويلها إلى معركة هدفها إلحاق الهزيمة بالطرف الآخر.

وتربط المؤلفة هذه الفكرة بمفهوم الجماعة نفسه. فنحن نرغب في صداقات متينة وأسر مترابطة وفرق عمل قادرة على الإنجاز، لكن الرغبة في الانتماء لا تكفي وحدها لبناء تلك العلاقات. فالجماعة التي لا تستطيع التعامل مع الاختلاف قد تجد نفسها عاجزة عن مواجهة التحولات التي تمر بها. وفي المقابل، لا تضمن المواجهة وحدها بقاء الجماعة؛ إذ قد يكشف الخلاف أن بعض العلاقات تحتاج إلى تغيير جوهري، أو أن استمرارها بصورتها السابقة لم يعد ممكنًا.

بين السلام غير الصحي والخلاف غير الصحي

تصف باركر مأزقًا يتكرر في العلاقات: عندما تظهر مشكلة، قد يتجنب الأطراف الحديث عنها حفاظًا على الهدوء، أو يدخلون في مواجهة تتصاعد حتى يصبح الخلاف نفسه مصدرًا لضرر إضافي. وتسمي الحالة الأولى «السلام غير الصحي»؛ إذ يبدو التفاهم قائمًا في الظاهر، بينما تبقى الموضوعات المهمة خارج النقاش. أما الحالة الثانية فهي «الخلاف غير الصحي»، حيث تتحول المواجهة إلى سلوك جارح أو محاولة للهيمنة بدل أن تكون سبيلًا لمعالجة المسألة المختلف عليها.

وتشير المؤلفة إلى أن تجنب المحادثات الصعبة قد يترك العلاقات سطحية والجماعات هشة. فالصمت لا يعني بالضرورة أن المشكلة اختفت؛ قد يعني فقط أن أحدًا لم يعد مستعدًا لطرحها. وفي هذه الحالة، يفقد الأشخاص فرصة معرفة ما يحتاج إليه الآخرون أو ما يعترضون عليه فعلًا. وتربط باركر بين النفور من الخلاف والشعور بالعزلة، لأن العلاقة التي لا تسمح بالتعبير عن الاختلاف قد تظل قائمة من الخارج، من دون أن تتيح لأفرادها قدرًا كافيًا من الصراحة والتواصل.

لكن البديل الذي تقترحه ليس إطلاق العنان لكل غضب أو اعتراض. فالكتاب لا يستبدل الصمت بالتصعيد، وإنما يبحث عن طريقة تجعل الخلاف قابلًا للخوض من دون أن يتحول إلى إيذاء. وهذا هو معنى «الحرارة الصحية» في عرضه: ألا يكون النقاش باردًا إلى درجة إخفاء المشكلة، ولا مشتعلًا إلى درجة فقدان القدرة على التعامل معها. فالمطلوب هو إتاحة مساحة للاختلاف الحقيقي، مع العناية بالطريقة التي يجري بها التعبير عنه.

لا تبدأ المواجهة قبل أن تعرف طبيعة الشرخ

ينظم الكتاب مسار الخلاف في ثلاثة أجزاء رئيسية. يبدأ الجزء الأول بما تسميه باركر «الشرخ»، أي اللحظة التي يظهر فيها تصدع داخل العلاقة أو الجماعة. وقد يكون الشرخ محدودًا، وقد يكون أعمق وأشد أثرًا، لكن المؤلفة لا تتعامل مع جميع الخلافات كما لو أنها من نوع واحد. فقبل اختيار طريقة المواجهة، ينبغي تحديد ما الذي حدث بالفعل، وما طبيعة العلاقة التي تأثرت به، وما إذا كانت المسألة المطروحة تستحق الدخول في مواجهة بشأنها.

وتوضح باركر أن ظهور الخلاف قد يرتبط بلحظات متوقعة في حياة الجماعات، ولا سيما عندما تتغير ظروفها أو يتعين عليها اتخاذ قرار يؤثر في أفرادها. لذلك لا تنظر إلى الشرخ بوصفه حادثًا منفصلًا دائمًا عن مسار العلاقة؛ فقد يكون علامة على أن الطريقة السابقة في العيش أو العمل المشترك لم تعد تستوعب ما طرأ من تغيرات. وتصبح مهمة الأطراف في هذه المرحلة تسمية الخلاف وفهم حجمه، بدل الانتقال مباشرة إلى مواجهة لا يعرفون بعد ما الذي يريدون معالجته فيها.

ومن الأسئلة التي يثيرها الكتاب هنا: هل توجد رغبة متبقية في التواصل بين الأطراف؟ وما الحاجة الأساسية التي لم تُلبَّ داخل العلاقة أو الجماعة؟ فوجود اعتراض معلن لا يكفي وحده لفهم ما يجري؛ إذ قد يكون وراءه مطلب أعمق يتصل بما يريده الشخص من علاقته بالآخرين. ويمنح هذا التمييز الأطراف فرصة لتحديد موضع الخلاف قبل اختيار وسيلة التعامل معه.

ليست كل معركة جديرة بالخوض

لا تجعل باركر المواجهة واجبًا في جميع الظروف. فجزء من فن الخلاف، كما تقدمه، هو القدرة على تقرير ما إذا كانت المسألة تستحق المواجهة أصلًا. وقد يتطلب هذا القرار النظر إلى أهمية الموضوع، وطبيعة العلاقة، وما الذي يمكن أن يتغير نتيجة الحديث عنه. ولذلك يأتي سؤال جدوى المواجهة في بداية الكتاب، قبل الانتقال إلى كيفية إجرائها.

وتقر المؤلفة بإمكان اختيار تجنب بعض الخلافات بصورة مقصودة، أو تغيير شكل التفاعل مع شخص ما، أو إنهاء علاقة أو مغادرة جماعة عندما يكون ذلك هو المسار المناسب. وهذا يوضح أن دعوتها إلى الخلاف الصحي ليست دعوة إلى المحافظة على كل علاقة مهما كانت ظروفها، ولا إلى الإصرار على مناقشة كل مسألة حتى الوصول إلى اتفاق. فقد يكون القرار الذي يتخذه الشخص بشأن خوض الخلاف، أو عدم خوضه، جزءًا من الطريقة التي يتعامل بها مع العلاقة نفسها.

وفي هذا المعنى، لا يُقاس نجاح التعامل مع الاختلاف بعدد المواجهات التي يخوضها الشخص، بل بقدرته على التمييز بين ما يحتاج إلى حديث صريح وما لا يستدعيه. فالكتاب يضع الاختيار قبل المواجهة، ثم يضع فهم الحاجة الحقيقية قبل البحث عن طريقة النقاش. ومن دون هاتين الخطوتين، قد يدخل الأطراف في جدال طويل حول موضوع لا يمثل أصل المشكلة، أو يخوضون معركة لا يعرفون ما الذي يريدون الوصول إليه منها.

ما وراء الشكوى الظاهرة

ينتقل الجزء الثاني من الكتاب إلى مرحلة «الاشتباك مع الخلاف»، وهي المرحلة التي يحاول فيها الأطراف التعامل مع المسألة التي أحدثت الشرخ. وتبدأ باركر هنا من فكرة أن الخلافات لا تدور دائمًا حول ما تبدو أنها تدور حوله. فقد تكون الشكوى المعلنة تعبيرًا عن حاجة أخرى، ولذلك لا يكفي الاكتفاء بالكلمات الأولى التي يستخدمها الطرف المعترض، بل ينبغي البحث عن الحاجة الكامنة وراءها.

وتمنح المؤلفة هذه الخطوة أهمية خاصة؛ لأن الدخول في مواجهة حول الشكوى السطحية وحدها قد يترك المسألة الأساسية من دون معالجة. فحين يتضح ما يحتاج إليه الأطراف فعلًا، يصبح بالإمكان تحديد موضوع المواجهة بصورة أدق. ولا يعني ذلك افتراض أن كل اعتراض يخفي بالضرورة معنى واحدًا أو أن أحد الأطراف يعرف حاجة الآخر أكثر منه؛ بل إن الكتاب يجعل اكتشاف الحاجة جزءًا من العمل الذي يسبق المحادثة الصعبة ويرافقها.

ويظهر هنا الفرق بين الرغبة في الرد على اعتراض والرغبة في فهمه. فالرد السريع قد ينشغل بإثبات صحة موقف أحد الطرفين، بينما يتطلب فهم الخلاف معرفة ما الذي يجعل المسألة مهمة بالنسبة إلى المشاركين فيه. ومن هذا المنطلق، لا تتعامل باركر مع الشكوى بوصفها نهاية عملية الفهم، وإنما نقطة بداية للوصول إلى موضوع المواجهة الحقيقي.

التخطيط للمواجهة جزء من إدارتها

بعد تحديد طبيعة الخلاف والحاجة التي تقف وراءه، تنتقل باركر إلى كيفية خوض المواجهة. وتعرض فكرة إعداد خطة للمحادثة تراعي المكان الذي ستجري فيه، والسؤال الأساسي الذي ينبغي مناقشته، والشكل الملائم للتفاعل بين الأطراف. فالخلاف داخل الأسرة ليس مطابقًا للخلاف داخل مؤسسة، كما أن الحديث بين شخصين يختلف عن مواجهة تشمل جماعة كاملة؛ ولهذا لا تقدم المؤلفة طريقة واحدة تصلح لجميع الحالات بصرف النظر عن ظروفها.

وتستند في عرضها إلى خبرتها في تيسير المحادثات الصعبة بين العائلات والفرق والمؤسسات. فالمواجهة، في تصور الكتاب، ليست مجرد لحظة يقرر فيها شخص قول ما يزعجه ثم يترك ما يحدث بعدها للمصادفة. إنها عملية تحتاج إلى تحديد ما يراد من المحادثة، وكيف يمكن إتاحة المجال للأطراف المعنية للتعبير عن مواقفها، وما الطريقة التي تساعد على إبقاء النقاش متصلًا بالمسألة المطروحة.

ولا يفصل الكتاب بين تصميم المحادثة والعناية بالعلاقة. فاختيار طريقة المواجهة لا يهدف إلى جعل الخلاف يبدو لطيفًا في الظاهر مع إخفاء موضوعه، وإنما إلى تمكين الأطراف من التعامل مع الاختلاف من دون إحداث ضرر غير ضروري. وبذلك يصبح التفكير في كيفية خوض المواجهة جزءًا من تحمل مسؤولية الخلاف نفسه، لا مجرد إجراء شكلي يسبق الحديث.

البقاء داخل المحادثة الصعبة

تصف باركر المرحلة الأصعب بأنها خوض المواجهة نفسها والبقاء فيها بعناية. فمعرفة الحاجة الأساسية أو إعداد خطة جيدة لا يلغيان صعوبة الحديث عندما تكون العلاقة مهمة أو يكون الخلاف عميقًا. ولهذا يهتم الكتاب بكيفية استمرار الأطراف في التعامل مع المسألة المختلف عليها، بدل الانتقال سريعًا إلى الإنكار أو التصعيد أو الانسحاب من كل محادثة مزعجة.

وتربط المؤلفة القدرة على خوض الخلاف الصحي بإمكان المحافظة على التواصل خلال الاختلاف. فالمواجهة التي تسعى إلى فهم ما يجري بين الأطراف لا تحتاج إلى إلغاء الفروق بينهم، ولا تفترض أن أحدهم يجب أن يتبنى موقف الآخر. بل تتيح للأشخاص أن يعلنوا اختلافهم وأن يتعاملوا مع ما يكشفه هذا الاختلاف عن العلاقة. وفي هذا السياق، يصبح الاستمرار في المحادثة وسيلة لاستكشاف ما يمكن تغييره وما قد يظل موضع خلاف.

لكن الكتاب لا يساوي بين البقاء في المحادثة والبقاء في كل علاقة إلى الأبد. فالمواجهة مرحلة من مسار أوسع يبدأ بفهم الشرخ، ثم التعامل معه، ثم النظر في ما يترتب عليه. وقد تقود المحادثة إلى تجديد العلاقة، كما قد تكشف حدود استمرارها. ولذلك لا تقدم باركر القدرة على تحمّل النقاش الصعب بوصفها وعدًا بأن جميع الأطراف سيصلون في النهاية إلى النتيجة نفسها.

الاختلاف مصدر للمعلومات

تتضمن الأفكار التي يعرضها الكتاب التعامل مع الاختلاف بوصفه مصدرًا للمعلومات. فعندما يعبّر شخص آخر عن موقف مخالف، لا يكون ذلك مجرد عقبة أمام الوصول إلى القرار الذي يريده أحد الأطراف؛ فقد يكشف أيضًا ما لم يكن واضحًا في فهمهم المشترك للمسألة. ويتيح النظر إلى الخلاف بهذه الطريقة الانتقال من الاكتفاء بملاحظة أن المواقف متعارضة إلى محاولة فهم ما الذي يراه كل طرف بصورة مختلفة.

ويتصل بذلك اهتمام الكتاب بممارسة النظر من منظور مختلف. ولا تعني هذه الممارسة بالضرورة التخلي عن الموقف الشخصي أو قبول موقف الطرف الآخر، وإنما توسيع القدرة على فهم ما يجري في العلاقة أو الجماعة. فعندما تصبح الاختلافات قابلة للتسمية والمناقشة، تتاح للأطراف معلومات أوضح عن احتياجاتهم وتوقعاتهم وحدود ما يستطيعون الاتفاق عليه.

ومن هنا تتضح الصلة بين الخلاف والتغير التي تؤكدها باركر. فالجماعة التي تسمح بظهور اختلافات أفرادها تستطيع التعرف على المسائل التي لم تعد طريقتها السابقة في العمل أو التواصل كافية لمعالجتها. أما الجماعة التي تجعل الاتفاق الظاهري شرطًا دائمًا للانتماء، فقد تعجز عن معرفة ما يتغير داخلها. ولا يعني ذلك أن كل اختلاف يقود إلى حل جديد، بل إن إتاحته للنقاش تجعل فهم المشكلة ممكنًا قبل تقرير ما ينبغي فعله بشأنها.

عندما يتعذر الاتفاق

يخصص الكتاب جزءه الثالث لما يحدث بعد المواجهة، ولا سيما عندما يتبين أن الشرخ لا يمكن تجاوزه بالطريقة التي كان الأطراف يأملونها. ففي هذه المرحلة لا يعود السؤال مقتصرًا على كيفية بدء المحادثة أو استمرارها، بل يتجه إلى مصير العلاقة أو الجماعة بعد أن اتضحت طبيعة الخلاف. وقد يعني ذلك إعادة بناء العلاقة على نحو مختلف، وقد يعني أن على بعض الأطراف أن يفترقوا.

وتوضح باركر أن معالجة الخلاف لا تساوي دائمًا إنهاءه باتفاق. فقد يكشف النقاش اختلافًا لا يستطيع المشاركون تجاوزه، أو حاجة لا يمكن تلبيتها ضمن الشكل السابق للعلاقة. وفي مثل هذه الحالات، يصبح الاعتراف بما اتضح خلال المواجهة جزءًا من التعامل مع الخلاف، بدل إطالة النقاش على افتراض أن الوصول إلى اتفاق أمر مضمون إذا استمر الأطراف في الحديث مدة كافية.

ويهتم الكتاب كذلك بكيفية إنهاء مرحلة من حياة الجماعة أو العلاقة، سواء اختار أفرادها الاستمرار بطريقة جديدة أو الانفصال. فالآثار المترتبة على الخلاف لا تخص من يغادرون وحدهم، بل تشمل أيضًا من يبقون. ولذلك لا تتوقف إدارة المواجهة عند لحظة إعلان القرار، وإنما تمتد إلى ما يحدث بعده، وإلى الطريقة التي يتعامل بها المشاركون مع انتهاء الشكل السابق لعلاقتهم.

الغاية ليست الانتصار في الجدال

تعود أفكار الكتاب، في مجموعها، إلى التمييز بين خوض الخلاف من أجل التغلب على الطرف الآخر وخوضه من أجل التعامل مع ما يهدد العلاقة أو يعوق تطورها. فباركر لا تجعل المواجهة مسابقة لا بد أن يخرج منها منتصر ومهزوم، وإنما تعرضها بوصفها عملية قد تساعد الأشخاص على فهم احتياجاتهم، وتوضيح اختلافاتهم، واتخاذ قرار بشأن ما يمكن أن يستمر بينهم وما يحتاج إلى تغيير.

ولهذا لا تقاس نتيجة المواجهة، في منطق الكتاب، بمجرد ارتفاع حدة النقاش أو انخفاضها، ولا بمجرد الوصول إلى اتفاق سريع. فقد يكون الهدوء الظاهر قائمًا على تجنب المسألة الأساسية، وقد يكون الاتفاق غير ممكن بعد أن تتضح حقيقة الاختلاف. وما تسعى إليه المؤلفة هو أن يصبح الأشخاص أقدر على تحديد الخلافات التي تستحق المواجهة، وخوضها بعناية، والتعامل مع نتائجها حتى عندما لا تأتي على الصورة التي كانوا يرجونها.

خاتمة: ما الذي يريد الكتاب تغييره في فهمنا للخلاف؟

يدعو «فنّ المواجهة» إلى تغيير النظرة التي تجعل العلاقة الجيدة مرادفة لغياب الاختلاف. فالعلاقات والجماعات تتغير، وقد يكشف الخلاف احتياجات لم تكن واضحة أو مسائل لم يعد ممكنًا تركها خارج النقاش. لكن الاعتراف بقيمة المواجهة لا يعني خوض كل معركة، ولا يبرر الإضرار بالآخرين باسم الصراحة. لذلك يبني الكتاب مساره على فهم الشرخ أولًا، ثم تحديد الحاجة الكامنة وراءه، واختيار طريقة التعامل معه، وأخيرًا تقرير ما إذا كان بالإمكان تجديد العلاقة أو أن الخلاف يكشف ضرورة تغييرها أو إنهائها.

وتبقى الفكرة الجامعة لهذه المراحل أن الخلاف ليس ضمانة لتقوية العلاقة، لكنه قد يكون وسيلة ضرورية لفهمها على حقيقتها. فقد تقود المواجهة المدروسة إلى تقارب أعمق، وقد تقود إلى إدراك أن الاستمرار بالشكل السابق لم يعد ممكنًا. وفي الحالتين، يحاول الكتاب نقل الاهتمام من مجرد تجنب الشجار إلى تعلم كيفية اتخاذ قرار واعٍ بشأن الخلاف، وخوض ما يستحق منه بعناية، والتعامل مع نتائجه.

هوية الكتاب
العنوان بالعربية: فنّ المواجهة.. القوة التحويلية للخلاف
العنوان الأصلي: The Art of Fighting: The Transformative Power of Conflict
المؤلفة: بريا باركر (Priya Parker)
الناشر: ريفرهيد بوكس (Riverhead Books)
تاريخ الإصدار: 8 سبتمبر/أيلول 2026
عدد الصفحات: 320 صفحة
اللغة الأصلية: الإنجليزية
التصنيف: العلاقات الإنسانية، إدارة الخلاف، التواصل، وعلم الاجتماع التطبيقي.
موضوع الكتاب: يبحث في كيفية التعامل مع الخلاف داخل العلاقات والجماعات، والتمييز بين تجنب المواجهة والتصعيد المؤذي، وتحديد الخلافات التي تستحق النقاش، وفهم الاحتياجات الكامنة وراءها، والتعامل مع نتائج المواجهة حتى عندما يتعذر الوصول إلى اتفاق.

اضف تعليق