إذا كان الاستثمار في السلام يعني بناء الظروف التي تجعل الاستقرار قابلاً للاستمرار، فإن الاستثمار في الإنترنت والمهارات الرقمية والعمل الحر وريادة الأعمال والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي يمكن أن يدخل ضمن هذه المعادلة، ليس لأن التكنولوجيا قادرة وحدها على معالجة إرث الحروب أو البطالة أو الانقسامات الاجتماعية، وإنما لأنها تستطيع أن تمنح الشباب مساحات جديدة...
في بلد اعتادت أجياله أن تقيس الأمان بعدد الحواجز والمسافة عن مناطق الاشتباك، ينشأ جيل عراقي جديد وهو يحمل خريطة مختلفة في جيبه، خريطة لا تقاس المسافات فيها بالكيلومترات بقدر ما تقاس بسرعة الإنترنت، ولا تحدد الفرص فيها دائماً المدينة أو الحي أو الهوية الاجتماعية، بل المهارة والقدرة على الاتصال بسوق ومجتمع يتجاوزان الحدود المحلية. وبين العمل الحر والتجارة الإلكترونية والألعاب الجماعية والبرمجة والذكاء الاصطناعي، تتشكل أمام الجيل Z العراقي مساحات جديدة للعمل والتعارف والتعاون، بما يطرح سؤالاً يتجاوز التكنولوجيا إلى مستقبل الاستقرار نفسه: هل يمكن للاستثمار في الشاشة أن يصبح، في عراق 2026، استثماراً في السلام؟
لوقت طويل، ارتبطت كلمة «الهجرة» في المخيال العراقي بالمطار وجواز السفر والحدود، وبذلك القرار الثقيل الذي يتخذه الفرد حين يرى أن مستقبله يقع في مكان آخر، لكن جيلاً كاملاً بدأ يمارس شكلاً مختلفاً وأقل وضوحاً من عبور الحدود، إذ يستطيع شاب يجلس في غرفة صغيرة داخل بغداد أو الموصل أو البصرة أو النجف أو أربيل أن يعمل مع شخص لم يلتق به قط، وأن يبيع خدمة إلى سوق لا يعرف شوارعه، وأن يتعلم من جامعة تبعد آلاف الكيلومترات، وأن ينضم إلى فريق ألعاب يضم عراقيين من محافظات مختلفة، وأن يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها طالب أو مبرمج أو مصمم في مدينة أخرى من العالم.
إنهم، بهذا المعنى المجازي، «مهاجرون افتراضيون»؛ أجسادهم ما زالت داخل العراق، لكن جزءاً متزايداً من تعليمهم وعلاقاتهم المهنية وفرصهم الاقتصادية وتجاربهم الاجتماعية يتحرك خارج الحدود التي رسمتها الجغرافيا التقليدية، وفي بلد دفعت فيه أجيال ثمناً باهظاً للصراع على المكان والهوية والنفوذ، يفتح هذا التحول سؤالاً يستحق أن يُطرح في اليوم الدولي للسلام لعام 2026: ماذا لو لم تعد بعض أهم استثمارات السلام تبدأ عند الحواجز الأمنية، بل عند كابل ألياف ضوئية وحاسوب ومهارة رقمية وفرصة عمل؟
اختارت الأمم المتحدة لليوم الدولي للسلام في 21 سبتمبر/أيلول 2026 شعار «استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم»، وهو شعار يوسع مفهوم السلام من كونه لحظة تتوقف فيها البنادق إلى عملية يومية تتطلب الاستثمار في الظروف التي تسمح للناس بأن يعيشوا ويتعلموا ويعملوا ويتواصلوا من دون أن تصبح الاختلافات بينهم وقوداً دائماً للصراع، وفي الحالة العراقية يمكن لهذا التعريف أن يفتح نافذة مختلفة تماماً لفهم العلاقة بين التكنولوجيا والسلام.
فإذا كان الاستثمار في السلام يعني بناء الظروف التي تجعل الاستقرار قابلاً للاستمرار، فإن الاستثمار في الإنترنت والمهارات الرقمية والعمل الحر وريادة الأعمال والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي يمكن أن يدخل ضمن هذه المعادلة، ليس لأن التكنولوجيا قادرة وحدها على معالجة إرث الحروب أو البطالة أو الانقسامات الاجتماعية، وإنما لأنها تستطيع أن تمنح الشباب مساحات جديدة للإنتاج والتفاعل والاعتماد على الذات، وأن توسع الخيارات المتاحة أمامهم خارج الاقتصاد والجغرافيا التقليديين.
حين يصبح السلام شبكة
وصل العراق إلى مرحلة أصبح فيها الإنترنت جزءاً من البنية اليومية للحياة، وليس مجرد وسيلة إضافية للاتصال، وتشير بيانات تقرير Digital 2026: Iraq الصادر عن DataReportal إلى وجود نحو 39.6 مليون مستخدم للإنترنت في العراق في أواخر 2025، بما يعادل 83.8% من السكان، إضافة إلى نحو 40.1 مليون هوية مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، وهي أرقام تكشف اتساع المجال الرقمي الذي يعيش فيه العراقيون بالتوازي مع المجال الجغرافي التقليدي.
لكن الرقم الآخر ربما يكون أكثر دلالة، إذ بقي نحو 7.66 ملايين شخص خارج الإنترنت وفق البيانات نفسها، وهو ما يعني أن الحديث عن «جيل رقمي» لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن الوصول إلى هذا العالم ليس متساوياً، وأن السلام الرقمي، إذا أردنا استخدام هذا التعبير، يمكن أن يعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي نفسه إذا أصبحت المهارات والأجهزة والاتصال الجيد امتيازاً لمن يستطيع تحمل تكلفتها.
وتظهر هذه المفارقة بصورة أكثر وضوحاً عندما ننتقل من الاتصال إلى القدرة على استخدامه، فقد أشار تقرير نشرته الأمم المتحدة في العراق واليونيسف عام 2022 إلى أن 59.2% من الشباب العراقيين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً كانوا يفتقرون إلى المهارات الرقمية اللازمة لأداء أنشطة أساسية مرتبطة بالحاسوب، وهو رقم قديم نسبياً ولا ينبغي تقديمه باعتباره قياساً لحالة 2026، لكنه يوفر خط أساس مهماً لفهم حجم الفجوة بين امتلاك هاتف متصل بالشبكة وبين امتلاك المهارات التي تحول هذا الاتصال إلى فرصة اقتصادية أو تعليمية.
وهنا يبدأ الفرق بين الإنترنت بوصفه مساحة استهلاك والإنترنت بوصفه بنية إنتاج، لأن ملايين الشباب يستطيعون مشاهدة الفيديوهات والتواصل عبر المنصات الاجتماعية، لكن الانتقال إلى كتابة الشفرة وتصميم المواقع وإدارة المتاجر الإلكترونية وتحليل البيانات والعمل عبر المنصات الدولية واستخدام الذكاء الاصطناعي بصورة إنتاجية يتطلب أجهزة ومهارات وتعليماً وبيئة دفع وتشريعات واتصالاً مستقراً، أي منظومة كاملة لا مجرد إشارة إنترنت.
العراق خلف الشاشة
إذا أعدنا رسم العراق من زاوية الاتصال بدلاً من الحدود الإدارية، فستظهر أمامنا دولة مختلفة؛ فبحسب بيانات Digital 2026، بلغ عدد الاتصالات الخلوية النشطة نحو 50.8 مليون اتصال، وهو رقم لا يعني وجود العدد نفسه من الأشخاص لأن الفرد الواحد يمكن أن يمتلك أكثر من خط، بينما وصلت سرعة التنزيل الوسيطة عبر الإنترنت المحمول إلى نحو 56.34 ميغابت في الثانية، مقابل نحو 41.52 ميغابت للاتصال الثابت، وهي مؤشرات تعكس اتساع البنية الرقمية لكنها لا تخبرنا وحدها بمن يستطيع تحويلها إلى دخل أو معرفة أو مشروع.
وفي فبراير/شباط 2026، أشارت منظمة العمل الدولية إلى أن الشباب يشكلون نحو 37% من سكان العراق، في وقت ما زالت فيه بطالة الشباب تمثل تحدياً كبيراً، بينما تعمل وزارة الشباب والرياضة بالتعاون مع منظمة العمل الدولية واليونيسف على ترسيخ «نوادي البحث عن عمل» في بغداد ونينوى وغيرها، في محاولة لتقليص المسافة بين التعليم وسوق العمل.
لكن واحدة من أكثر الصور دلالة على الفجوة الرقمية جاءت من مقابلة نشرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع مستشار رئيس الوزراء حسن الخطيب، الذي قدّر أن ما بين 10 و15% فقط من طلبة الجامعات يمتلكون حواسيب محمولة، وهو تقدير لا يمثل مسحاً وطنياً شاملاً، لكنه يكشف مفارقة تستحق الانتباه: قد يكون الهاتف الذكي واسع الانتشار، بينما تبقى أداة الإنتاج الأساسية في قطاعات البرمجة والتصميم وتحليل البيانات والعمل الحر بعيدة عن أيدي عدد كبير من الشباب.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كم عراقياً يستطيع الدخول إلى الإنترنت، وإنما كم عراقياً يستطيع تحويل هذا الدخول إلى قدرة، وكم منهم يستطيع الانتقال من مستخدم للمنصة إلى منتج داخلها، ومن مستهلك للمحتوى إلى مصمم أو مبرمج أو بائع أو صاحب مشروع أو عامل مستقل يتقاضى دخلاً من سوق يتجاوز محافظته.
الهروب نحو اقتصاد لا يسأل عن المحافظة
إذا كان السلام في صورته التقليدية يُقاس بتراجع العنف وقدرة الناس على الحركة من دون خوف، فإن السلام في حياة جيل رقمي يمكن أن يمتلك وجهاً اقتصادياً أقل ظهوراً، يبدأ من قدرة الشاب على العثور على فرصة لا تتوقف بالكامل على مكان إقامته أو شبكة علاقاته المحلية، وهو ما يجعل العمل الحر والتجارة الإلكترونية وريادة الأعمال الرقمية أكثر من مجرد أدوات لكسب الدخل، لأنها تفتح، ولو بدرجات متفاوتة، نافذة إلى سوق تتجاوز حدود المدينة والمحافظة، وتمنح المهارة وزناً أكبر في تحديد قيمة الفرد الاقتصادية.
وفي الموصل، على سبيل المثال، دعمت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية خلال 2025 برامج لتدريب الشباب على البرمجة والروبوتات وريادة الأعمال، كما شهدت المدينة برامج أخرى جمعت بين شبكات الحاسوب والأمن السيبراني والمهارات الريادية، بينما عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عبر برامج الابتكار والقيادات الشبابية ومختبرات التسريع على بناء مساحات تساعد الشباب على الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى استخدامها في تطوير المشاريع والحلول، في حين تقول مبادرة Five One Labs إنها دعمت مئات الشركات الناشئة ورواد الأعمال، وبين المشاركين في برامجها نسبة من المتأثرين بالنزاعات والنزوح.
لا تعني هذه المبادرات أن الاقتصاد الرقمي أصبح بديلاً عن الاقتصاد العراقي التقليدي، كما لا توجد حتى الآن أدلة عراقية كافية تسمح بالقول إن العمل الحر أو إنشاء شركة ناشئة يمنعان بصورة مباشرة انخراط الشباب في العنف أو يقللان الطائفية، لكن الأدلة المتوافرة تسمح بطرح علاقة أكثر حذراً وأهمية بين الفرصة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي، إذ أظهرت دراسات للمنظمة الدولية للهجرة، استندت إلى أكثر من ستة آلاف مقابلة في مجتمعات متأثرة بالنزاع والنزوح في الأنبار وديالى وصلاح الدين ونينوى، ارتباط وجود العمل داخل الأسرة بانخفاض بعض مشاعر المنافسة والمظلومية وارتفاع مستويات الثقة والمشاركة المدنية والاتصال الاجتماعي، وهي علاقة ارتباطية لا تثبت السببية، لكنها تضيء المساحة التي يمكن أن تعمل فيها الفرصة الاقتصادية بوصفها أحد عناصر القدرة المجتمعية على الصمود.
وبهذا المعنى، ينتقل شعار اليوم الدولي للسلام لعام 2026، «استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم»، من اللغة الأممية العامة إلى سؤال اقتصادي عراقي شديد الواقعية: هل يمكن للفرصة نفسها أن تصبح جزءاً من الوقاية من الهشاشة، وهل يمكن للاستثمار في المهارة والحاسوب والاتصال بالسوق أن يؤدي وظيفة اجتماعية تتجاوز زيادة الدخل إلى توسيع المساحة التي يشعر فيها الشاب بأن لديه مستقبلاً يمكن بناؤه بدلاً من انتظار مستقبل تصنعه عنه الأزمات؟
الكرامة بوصفها جزءاً من الأمن
العمل لا يوفر المال فقط، بل يعيد ترتيب علاقة الفرد بالوقت والمستقبل والمجتمع، ولذلك يمكن لفرصة رقمية صغيرة أن تحمل معنى أكبر من قيمتها المالية، لأنها تمنح الشاب جدولاً ومهمة وعميلًا وموعد تسليم ونتيجة يمكن قياسها، وتحوله من شخص ينتظر أن تأتيه الفرصة إلى شخص يستطيع، ولو جزئياً، البحث عنها خارج الحدود الاقتصادية المحيطة به.
وهذا لا يعني تحويل العمل الحر إلى وصفة سحرية لمشكلة البطالة العراقية، فالعمل عبر الإنترنت نفسه هش ومتقلب وتنافسي، ويتطلب مهارات لغوية وتقنية وأنظمة دفع موثوقة وأجهزة مناسبة واتصالاً مستقراً، كما أن الوصول إلى العملاء الدوليين ليس متساوياً بين الشباب، لكن قيمته الاجتماعية تكمن في أنه يضيف باباً إلى الأبواب الموجودة بدلاً من أن يبقي الشاب رهينة باب واحد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنسبة إلى النساء، إذ أشارت مواد للبنك الدولي حول الاقتصاد الرقمي في العراق إلى أن التكنولوجيا والعمل المرن يمكن أن يفتحا فرصاً جديدة للنساء، خصوصاً عندما تعيق ظروف النقل أو المسؤوليات الأسرية أو طبيعة سوق العمل التقليدي المشاركة الاقتصادية، لكن هذه الإمكانية تبقى مرتبطة بتجاوز حواجز المهارات والكلفة والسلامة والوصول إلى الإنترنت.
كما أن اعتماد العراق في أبريل/نيسان 2025 إطاراً تنظيمياً جديداً للتجارة الإلكترونية بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يمثل خطوة في اتجاه تحويل النشاط الرقمي من ممارسة هامشية إلى جزء أكثر تنظيماً من الاقتصاد، وهو تحول يمكن أن تتسع آثاره إذا اقترن بأنظمة دفع أكثر سهولة وحماية للمستهلك ودعم للمشروعات الصغيرة وتدريب للشباب على كيفية تحويل المنصات إلى أسواق.
ببجي.. حين يصبح الفريق أهم من الخريطة
قد يبدو إدخال الألعاب الإلكترونية في تقرير عن السلام أمراً غريباً، خصوصاً عندما تكون اللعبة نفسها قائمة على المنافسة والقتال الافتراضي، لكن أهمية الألعاب الجماعية في هذا السياق لا تأتي من محتواها، وإنما من البنية الاجتماعية التي تصنعها حولها، إذ يمكن لشباب من مدن ومحافظات وخلفيات مختلفة أن يجدوا أنفسهم داخل فريق واحد، يتحدثون يومياً ويخططون ويتنافسون ويضحكون ويتبادلون المعرفة، بينما تصبح هوية اللاعب ومهارته وقدرته على التعاون أكثر حضوراً داخل المجموعة من المكان الذي جاء منه.
وقد وثقت تقارير صحفية عن انتشار PUBG بين الشباب العراقيين كيف أتاحت اللعبة لبعض اللاعبين التعرف إلى عراقيين من مدن لم يسبق لهم زيارتها، وهو مثال صغير لكنه كاشف للطريقة التي تستطيع بها المساحات الرقمية إعادة ترتيب العلاقات الاجتماعية، لأن شاباً من البصرة قد يتعاون مع آخر من الأنبار وثالث من أربيل ورابع من بغداد قبل أن يعرف كثيراً عن خلفياتهم الاجتماعية أو المذهبية أو القومية.
ولا توجد دراسة عراقية واسعة تسمح بالقول إن الألعاب الإلكترونية تقلل الطائفية أو تمنع العنف، ولذلك سيكون من المبالغة تقديمها بهذه الصورة، لكن ما يمكن قوله هو أنها توفر ظروفاً لاتصال متكرر وعابر للجغرافيا، وفي أدبيات التماسك الاجتماعي يمثل الاتصال والتعاون حول هدف مشترك أحد المسارات التي يمكن أن تسمح للناس بإعادة النظر في الصور المسبقة عن بعضهم بعضاً.
السلام هنا لا يأتي لأن اللعبة تعلم اللاعبين السلام، بل لأن التجربة اليومية قد تجعل التعاون مع «الآخر» أمراً عادياً، وحين يصبح المختلف جغرافياً زميلاً يحتاجه الفريق، فإن العلاقة تبدأ من الوظيفة المشتركة لا من السؤال عن الهوية.
الذكاء الاصطناعي وهوية «ماذا تستطيع أن تصنع؟»
إذا كان الإنترنت قد سمح للشباب بعبور المسافة، فإن الذكاء الاصطناعي بدأ يخفض بعض حواجز المعرفة والإنتاج، إذ يستطيع طالب اليوم أن يستخدم أدوات تساعده على تعلم البرمجة واللغة وتحليل البيانات والبحث وصناعة المحتوى وتطوير الأفكار، وهو تحول جعل الأمم المتحدة تركز في اليوم العالمي لمهارات الشباب لعام 2025 على أهمية المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي وعلى ضرورة ألا تتحول الفجوة التقنية إلى مصدر جديد للإقصاء.
وفي العراق، عمل مختبر التسريع التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي على إدخال أدوات الابتكار والذكاء الاصطناعي في مبادرات تتعلق بريادة الأعمال والابتكار الحكومي، وهي خطوات ما تزال محدودة قياساً بحجم السكان والتحديات، لكنها تشير إلى أن السؤال المتعلق بمستقبل الشباب لم يعد يقتصر على «هل لديك وظيفة؟»، وإنما يتوسع إلى «هل تمتلك المهارات التي تسمح لك بالمنافسة في اقتصاد يتغير بسرعة؟».
وتحمل هذه النقلة بعداً اجتماعياً لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي، لأن الهوية المهنية الجديدة التي تتشكل حول سؤال «ماذا تستطيع أن تصنع؟» يمكن أن تنافس، من دون أن تلغي، الهويات الموروثة التي كثيراً ما عرّفت الفرد من خلال مدينته أو جماعته أو بيئته، فيصبح الشاب مصمماً أو مطوراً أو مسوقاً أو صاحب متجر أو صانع محتوى أو محلل بيانات قبل أن يكون، في بعض العلاقات المهنية على الأقل، ممثلاً لخلفيته المحلية.
سلام بلا اسم
ربما تكون أكثر أشكال السلام الرقمي إثارة للاهتمام هي تلك التي لا يسميها أصحابها سلاماً، لأن أربعة شباب يعملون على مشروع برمجي مشترك لا يجلسون عادة لمناقشة المصالحة الوطنية، وفريقاً في لعبة إلكترونية لا يرفع شعار التعايش قبل بدء المباراة، وصاحب متجر إلكتروني لا يسأل زبونه عن طائفته قبل إتمام الطلب، ومع ذلك فإن هذه العلاقات اليومية الصغيرة تبني أنماطاً من الاعتماد المتبادل تتجاوز بعض الحدود التي تبدو أكثر صلابة في المجال السياسي.
ومن هنا يمكن فهم العمل الذي دعمته برامج أممية في العراق لتدريب شبكات من الإعلاميين والصحفيين الشباب من محافظات متعددة على مواجهة خطاب الكراهية وصحافة المواطن والتماسك الاجتماعي، إذ يصبح المجال الرقمي نفسه ساحة للصراع على شكل العلاقة بين العراقيين: هل سيكون مساحة لإعادة إنتاج الصور النمطية والخوف، أم مساحة لاختبار أشكال مختلفة من التعاون والحديث والعمل؟
السلام في هذا المستوى لا يظهر في مؤتمر كبير أو اتفاق رسمي، وإنما في آلاف التفاعلات الصغيرة التي لا يلاحظها أحد، عندما يصبح النجاح مرتبطاً بقدرة مجموعة مختلفة من الناس على إنجاز مهمة مشتركة، وعندما يكتشف الفرد عملياً أن التعاون مع شخص لا يشبهه يمكن أن يكون مفيداً وممتعاً وطبيعياً.
حين تتحول الشاشة إلى ساحة حرب
لكن بناء هذه الحجة لا يكتمل إذا جرى التعامل مع الشاشة باعتبارها مساحة سلام بطبيعتها، لأن التكنولوجيا التي تخفض كلفة التعاون تخفض في الوقت نفسه كلفة نشر الكراهية والشائعة والتحريض والمعلومات المضللة، ويمكن للخوارزميات والمجموعات المغلقة أن تعيد إنتاج الحدود الاجتماعية القديمة في صورة جديدة، بحيث ينتقل الاستقطاب من الحي والشارع والمنبر التقليدي إلى فضاءات رقمية أسرع انتشاراً وأصعب احتواءً.
وفي أبريل/نيسان 2026، تحدثت اليونسكو عن زيادة ملحوظة في السرديات الضارة وخطاب الكراهية وحملات التضليل والمضايقات الموجهة داخل البيئة الرقمية العراقية عقب التصعيد الإقليمي الذي بدأ أواخر فبراير/شباط، وهو ما دفع منظمات مجتمع مدني عراقية إلى العمل ضمن مبادرات للرصد المنسق في إطار مشروع Social Media 4 Peace، في مؤشر على أن المساحة الرقمية التي يمكن أن تجمع شاباً من البصرة بآخر من الأنبار أو أربيل أو الموصل تستطيع أيضاً أن تفصل بينهم إذا تحولت إلى غرف صدى تعيد إنتاج المخاوف والانقسامات والهويات المغلقة.
ويضيف الذكاء الاصطناعي طبقة أخرى إلى هذا التحدي، لأنه يمنح الشباب أدوات جديدة للتعلم والإنتاج والابتكار، لكنه في الوقت نفسه يجعل إنتاج المحتوى المضلل والصور والنصوص المزيفة أكثر سهولة وقابلية للتوسع، ولذلك لا يمكن الحديث عن الاستثمار في الاقتصاد الرقمي بوصفه استثماراً في السلام من دون استثمار موازٍ في التربية الإعلامية والقدرة على التحقق وحماية الخصوصية ومواجهة الاحتيال وبناء آليات واضحة للتعامل مع خطاب الكراهية من دون تحويل مكافحته إلى ذريعة لتقييد التعبير المشروع.
كما تكشف عمليات قطع الإنترنت خلال الامتحانات عن مفارقة إضافية في العلاقة بين الدولة والاقتصاد الرقمي، إذ أعلن وزير الاتصالات العراقي في مايو/أيار 2026 قطع الخدمة لمدة ساعة ونصف صباحاً خلال فترة الامتحانات الوزارية، وبينما قد يُنظر إلى القرار من زاوية منع الغش، فإن العامل المستقل الذي يرتبط بموعد مع عميل خارج العراق، أو صاحب متجر إلكتروني، أو فريق يعمل عبر منصة دولية، يمكن أن يرى في الساعة المقطوعة موعداً ضائعاً أو دخلاً مهدداً، وهو ما يجعل موثوقية الاتصال جزءاً من بيئة العمل وليس مجرد مسألة ترفيه أو استخدام اجتماعي.
ويضع تقرير Freedom on the Net 2025 العراق ضمن فئة «حر جزئياً» بدرجة 41 من مئة، مشيراً إلى مجموعة من التحديات المرتبطة بالوصول إلى الشبكة والقيود والحقوق الرقمية وعمليات قطع الإنترنت، وهو ما يوضح أن اتساع الاستخدام لا يعني بالضرورة اكتمال البيئة الرقمية التي تسمح بتحويل الإنترنت إلى مساحة مستقرة للإنتاج
والتعبير.
وهنا تحديداً يخضع شعار «من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم» لاختباره الأصعب، لأن الفضاء الرقمي الذي يُفترض أن يوسع دوائر الفرصة والتعارف والتعاون يستطيع، إذا تُرك بلا حوكمة رشيدة ومهارات نقدية وضمانات للحقوق، أن يوسع دوائر الاستقطاب أيضاً، وبذلك لا يصبح الاستثمار في السلام الرقمي مجرد زيادة سرعة الإنترنت أو عدد المشتركين، وإنما بناء بيئة تجعل الاتصال أكثر قدرة على إنتاج الثقة والمعرفة والفرصة وأقل قابلية للتحول إلى أداة للعزل والتحريض والتضليل.
الشاشة ليست وطناً بديلاً
مع ذلك، سيكون من الخطأ تحويل «الهجرة الافتراضية» إلى قصة نجاح رومانسية، لأن الشاشة لا تستطيع إصلاح الكهرباء ولا بناء مدرسة ولا توفير الماء ولا استبدال المؤسسات ولا معالجة البطالة البنيوية، كما أن الاقتصاد الرقمي نفسه قد ينتج أشكالاً جديدة من عدم المساواة، إذ يمتلك بعض الشباب حاسوباً سريعاً واتصالاً مستقراً ولغة إنجليزية وتعليماً جيداً، بينما يدخل آخرون إلى العالم نفسه عبر هاتف محدود واتصال متقطع ومهارات لم تتح لهم فرصة اكتسابها.
وهذا تحديداً ما يجعل تقرير التقييم الرقمي للعراق الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مهماً، لأنه يتعامل مع التحول الرقمي بوصفه منظومة تتطلب خارطة طريق ومؤسسات وقدرات وأمناً رقمياً وتبادلاً آمناً للبيانات وهوية وتوقيعاً رقميين، وليس مجرد زيادة عدد الأبراج أو المشتركين.
ومن دون معالجة هذه الفجوات يمكن أن تنشأ «طبقة رقمية» قادرة على الوصول إلى الفرص العالمية، مقابل ملايين يبقون محصورين في الاستخدام الاستهلاكي، وعندها تتحول التكنولوجيا من جسر محتمل إلى مصدر جديد للشعور بالتفاوت، وهو ما يجعل العدالة في الوصول جزءاً أساسياً من أي حديث جاد عن الاستثمار في السلام.
السؤال الذي لم تجب عنه الموازنة: كم يستثمر العراق في السلام الرقمي؟
عند هذه النقطة تنتقل القضية من حياة الشباب اليومية إلى مستوى السياسة العامة، لأن الحديث عن «الاستثمار في السلام» يفقد جزءاً من معناه إذا لم يكن ممكناً قياس الاستثمار نفسه، وقد أظهرت مراجعة الوثائق العامة المتاحة أن الوصول إلى رقم اتحادي واحد لعام 2026 يسمح بإجراء مقارنة نظيفة ومباشرة بين ما ينفقه العراق على البنية الرقمية والمهارات من جهة وما ينفقه على الأمن والدفاع من جهة أخرى ليس أمراً متاحاً بالبساطة التي قد توحي بها مثل هذه المقارنة، بسبب اختلاف أبواب الإنفاق وطبيعة المشاريع وتوزعها بين المؤسسات والسنوات.
ولهذا فإن الأكثر مهنية ليس اختراع مقارنة رقمية تبدو جذابة، وإنما تحويل غياب الرقم القابل للمقارنة إلى سؤال مساءلة بحد ذاته، خصوصاً أن خطة التنمية الوطنية العراقية 2024–2028 تتحدث عن التحول الرقمي وأتمتة الأنظمة، وأن العراق اعتمد إطاراً تنظيمياً جديداً للتجارة الإلكترونية في 2025، كما شهد سبتمبر/أيلول 2026 نقاشات بين جهات عراقية ومنظمة العمل الدولية واليونيسف ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول الشهادات المصغرة والمرنة وربط المهارات باحتياجات سوق العمل.
وهنا يتحول اليوم الدولي للسلام من مناسبة رمزية تتكرر في التقويم إلى سؤال قابل للمساءلة أمام المؤسسات العراقية: إذا كانت الأمم المتحدة تدعو في 2026 إلى «الاستثمار في السلام»، فأين يظهر هذا الاستثمار في أولويات العراق الرقمية، وكم يصل منه إلى الشباب فعلياً، وكيف تقاس نتائجه بعد انتهاء الدورات وإطلاق المنصات ومد كابلات الاتصال، وهل يُحسب النجاح بعدد المتدربين والمشتركين والمشاريع أم بعدد الوظائف التي نشأت، والدخول التي استمرت، والأسواق التي أصبح الوصول إليها ممكناً، والمسافات الاجتماعية التي استطاع الشباب عبورها؟
ومن هنا يمكن أن تتوزع الأسئلة بين مؤسسات متعددة: ما حجم الإنفاق الفعلي على البنية الرقمية والتحول الحكومي والمهارات؟ وما نسبة السكان الذين يحصلون على اتصال سريع وميسور الكلفة في كل محافظة؟ وما الفجوة بين الريف والمدينة؟ وكم شاباً ممن تلقوا التدريب استطاع تحويل المهارة بعد ستة أشهر أو سنة إلى وظيفة أو دخل مستدام؟ وما حجم الفجوة بين امتلاك الهاتف الذكي وامتلاك أدوات الإنتاج مثل الحاسوب؟ وهل توجد دراسات معلنة تقيس الكلفة الاقتصادية لقطع الإنترنت على العاملين والشركات والخدمات الرقمية؟
ولا ينبغي أن يقود هذا السؤال إلى ثنائية مبسطة تضع الأمن في مواجهة التكنولوجيا، لأن العراق الذي عاش عقوداً من الحروب والعنف يحتاج بطبيعة الحال إلى مؤسسات قادرة على حماية مواطنيه، لكن توسيع مفهوم الأمن يسمح برؤية جانب آخر من المعادلة، حيث تصبح الوظيفة والمهارة والوصول إلى المعرفة والسوق والقدرة على تأسيس مشروع عناصر من الأمن الاجتماعي والاقتصادي، ويصبح الاستثمار في الإنسان جزءاً من البنية التي تجعل السلام أكثر قابلية للاستمرار.
من الثكنة إلى الألياف الضوئية
حل العراق في المرتبة 140 عالمياً في مؤشر السلام العالمي لعام 2026 بدرجة 2.662، وفق معهد الاقتصاد والسلام، وهو ترتيب يذكّر بأن البلاد، رغم التحولات التي شهدتها مقارنة بسنوات الصراع المفتوح، ما تزال تواجه تحديات ثقيلة في طريق بناء سلام مستدام.
لكن قراءة السلام فقط من خلال المؤشرات الأمنية قد لا تكشف التحولات الصامتة التي تجري تحت السطح، إذ إن جيلاً لم يعش جميع المراحل التي عاشتها الأجيال السابقة بالطريقة نفسها يدخل سوقاً ومجالاً عاماً مختلفين، ويحمل معه أدوات لم تكن متاحة بهذا الحجم قبل عقدين، من الهاتف الذكي إلى العمل عن بعد والذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية والمجتمعات العابرة للمدن.
ومن هذه الزاوية، يمكن إعادة تعريف جزء من «البنية التحتية للسلام»؛ فكما يحتاج المجتمع إلى الطرق والمدارس والمستشفيات والمؤسسات الأمنية والقضائية، يحتاج أيضاً إلى إنترنت موثوق وميسور الكلفة، وحواسيب يمكن للطلاب استخدامها للإنتاج، ومراكز تدريب تصل إلى المناطق الأقل حظاً، وحاضنات أعمال، ومدفوعات رقمية فعالة، وتشريعات تحمي المتعاملين، ومدارس وجامعات تعلم الشباب كيف يصنعون بالتكنولوجيا لا كيف يستهلكونها فقط.
ويمكن اختصار هذا الاستثمار في أربعة مستويات مترابطة: عدالة في الاتصال بحيث لا تحدد المحافظة أو القرية جودة الوصول إلى الشبكة، وعدالة في المهارات بحيث لا يبقى التدريب حكراً على من يستطيع دفع تكلفته، وعدالة في الوصول إلى السوق بحيث يستطيع الشاب تحويل المهارة إلى دخل، وعدالة في الحوكمة الرقمية بحيث لا تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة للإقصاء أو التضليل أو الاعتداء على الحقوق.
الجيل الذي لا يحتاج إلى مغادرة العراق كي يعبر حدوده
لأجيال عراقية كثيرة، كان تجاوز الحدود يعني الرحيل، وكان الوصول إلى سوق عالمي أو مؤسسة تعليمية أجنبية أو شبكة مهنية دولية يتطلب السفر الفعلي، لكن الإنترنت فكك جزءاً من هذه المعادلة، وأصبح ممكناً للفرد أن يبقى في مدينته بينما يتحرك جزء من حياته الاقتصادية والمعرفية خارجها.
هذه «الهجرة الافتراضية» لا تعالج مشكلة الهجرة الحقيقية ولا تلغي رغبة كثير من الشباب في البحث عن فرص خارج البلاد، لكنها تخلق احتمالاً ثالثاً بين البقاء المحصور والرحيل الكامل، حيث يستطيع الشاب أن يكون موجوداً محلياً ومتصلًا عالمياً في الوقت نفسه، وأن يحصل على جزء من المعرفة أو الدخل أو العلاقات من خارج الحدود من دون أن يقطع علاقته بمحيطه.
ومن منظور السلام، قد تكون قيمة هذا النموذج في أنه يزيد عدد الخيارات المتاحة، لأن المجتمعات الأكثر قدرة على منح شبابها طرقاً متعددة لبناء المستقبل تكون أقل اعتماداً على مسار اقتصادي أو اجتماعي واحد، وكلما تعددت مصادر المعنى والدخل والانتماء المهني أصبحت حياة الفرد أكثر تعقيداً من أن تختزل في هوية واحدة.
العراق بعد يونامي
دخل العراق عام 2026 مرحلة رمزية ومؤسساتية جديدة بعد انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، بينما استمر حضور الأمم المتحدة من خلال المنسق المقيم وفريق الأمم المتحدة القطري وإطار التعاون للتنمية المستدامة 2025–2029، وهو تحول ينقل جزءاً من التركيز من إدارة آثار الصراع والعملية السياسية إلى التنمية والمؤسسات والاقتصاد والقدرات الوطنية.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال عن السلام أكثر التصاقاً بالحياة اليومية، لأن الدولة التي تتجاوز مرحلة البعثة السياسية الأممية تحتاج إلى أن تثبت أن الاستقرار يمكن أن يتحول إلى تعليم وفرصة واقتصاد ومؤسسات وخدمات، وأن السلام ليس فقط غياب الحرب وإنما قدرة المجتمع على إنتاج أسباب استمرار هذا الغياب.
وهنا يمكن للاقتصاد الرقمي أن يؤدي دوراً لا باعتباره بديلاً عن الإصلاح السياسي والاقتصادي، وإنما باعتباره واحداً من المجالات التي تختبر قدرة العراق على تحويل الاستقرار النسبي إلى فرصة لجيل جديد، فإذا بقي ملايين الشباب متصلين بالعالم لكن غير قادرين على المشاركة في اقتصاده، فإن الاتصال نفسه يمكن أن يزيد شعورهم بالفجوة، أما إذا تحول إلى مهارة ودخل وشبكة مهنية وقدرة على إنشاء مشروع، فإنه يصبح جزءاً من رأس المال الاجتماعي والاقتصادي الذي يحتاجه السلام.
مهندسو السلام الذين لا يعرفون أنهم كذلك
ربما لا يصف الشاب الذي يعمل على تصميم شعار لعميل خارج العراق نفسه بأنه «صانع سلام»، ولا ترى الطالبة التي تتعلم البرمجة أو تستخدم أداة ذكاء اصطناعي لتحسين مهاراتها أنها تشارك في مشروع اجتماعي، كما أن مجموعة اللاعبين من محافظات مختلفة لن تنهي مباراتها ببيان عن التعايش، لكن السلام في صورته اليومية لا يحتاج دائماً إلى أن يحمل اسمه.
فحين يكتشف شابان من مدينتين مختلفتين أن نجاحهما المهني يعتمد على التعاون، وحين يجد صاحب مشروع أن زبائنه وشركاءه موزعون بين محافظات لا تجمعهم هوية واحدة، وحين تصبح المهارة أساس العلاقة بدلاً من السؤال عن الأصل، فإن شيئاً صغيراً يتغير في الطريقة التي يُرى بها المجتمع، وربما تكون هذه التغيرات الصغيرة أقل وضوحاً من الاتفاقات السياسية، لكنها تحدث كل يوم وفي أماكن يصعب على الإحصاءات التقليدية أن تراها.
ومع ذلك، لا ينبغي تحميل هذا الجيل أكثر مما يستطيع، فالشباب ليسوا مسؤولين عن إصلاح كل ما أنتجته عقود من الصراعات، والتكنولوجيا ليست علاجاً سحرياً للبطالة والانقسام وضعف المؤسسات، لكن الدولة والمجتمع يستطيعان اختيار نوع البيئة التي يعمل فيها هذا الجيل: هل يبقى الهاتف نافذة للاستهلاك والغضب والشائعات، أم يصبح أيضاً أداة للتعلم والعمل والإنتاج والتواصل مع المختلف؟
في العراق الذي دفع أثماناً هائلة للحروب، قد يبدو الحديث عن «ميغابت في الثانية» بعيداً عن لغة السلام، لكن البنية التحتية التي تمنح شاباً فرصة للتعلم والعمل والتواصل قد تكون جزءاً من البنية الوقائية التي تجعل المجتمع أكثر قدرة على مقاومة الهشاشة، لا بديلاً عن الأمن أو القانون أو العدالة، وإنما طبقة إضافية من الاستقرار تُبنى في الحياة اليومية.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يحمله اليوم الدولي للسلام إلى صانع القرار العراقي في 2026 لا يقتصر على: كم أنفقنا كي نحمي السلام؟ بل يمتد إلى سؤال أكثر اتصالاً بالمستقبل: كم استثمرنا كي يصبح لدى الجيل الجديد سبب اقتصادي واجتماعي ومعرفي للتمسك بهذا السلام؟
وعندها يصبح شعار الأمم المتحدة، «استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم»، أقل تجريداً في الحالة العراقية، لأن الاستثمار قد يبدأ بكابل إنترنت وحاسوب ومهارة وفرصة ونظام دفع وقانون عادل، لكنه يمكن أن ينتهي بما هو أكبر بكثير: جيل يكتشف في حياته اليومية أن التعاون أكثر نفعاً من الصراع، وأن عبور الحدود الرقمية أسهل وأجدى من إعادة بناء الحدود التي خلفتها الحروب.



اضف تعليق