كل شيء بات يتغير من حولنا في ضوء المتغيرات الكونية، وهو ماينذر بمخاطر يجب التنبه إليها؛ لإنقاذ مايمكن إنقاذه من البشرية المهددة نتيجة تراكم المشكلات التي تتفاعل بشكل سريع دون الوصول للحلول الناجعة. وأكثر هذه المشكلات المستعصية على الحل، هي قضية ادعاء أشياء غير موجودة عند من يدعيها، كقضية الحرية والديمقراطية التي تقول بها الدول المتبنية للمنهج الليبرالي أو العلماني، ونراها تنحدر على كافة المستويات، وكذا بالنسبة لقضية حقوق الإنسان، وهذان المفصلان هما من أكثر الأشياء التي أضرت بالبشرية في حياتنا المعاصرة حيث الازدياد الملحوظ في الانتهاكات، والصراعات الدولية، وفرض منطق القوة والغلبة بين الأطراف المتصارعة، حيث يُقدم الصراع بعدة أشكال وأنماط تزيد زخم التوتر، وتعمل على وأد محاولات الوصول لحلول جذرية عبر الحوار المنتج والتسامح.

ويمثل صراع الهويات وضرب بعضها ببعض وفق منطق التصادم أهم أشكال الصراعات انتعاشاً ؛ وذلك لإطفاء بصيص التواصل والتعايش السلمي رغم ازدهار التكنلوجيا والتقدم الإتصالي، مايعني مفارقة كبيرة، فبدلاً من تعزيز هذا الازدهار للقيم الانسانية وتقليص المسافات وفق عبارة "القرية الكونية المصغرة"؛ نجد أن استراتيجية العداء تمضي قدماً؛ لتبعث الحياة في جسد اللغة المنتمية لشريعة الغاب ومنطق والوحشية، لكن مع تغيير طفيف يتمثل في حرف بوصلة الصراع بعد أن كانت تشير باتجاه التصادم بين القديم والجديد، أو بين الديني واللاديني، أو بين الليبرالي واليساري وبقية العناوين الإيديولوجية الأخرى، لتشير هذه المرة لاتجاه أكثر شراسة وخطورة، وهو اتجاه الاحتراب بين الأديان من جهة، أو بين المذاهب داخل الدين الواحد من جهة ثانية، وأمامنا آثار الدمار الذي خلفته حروب الأديان في الأزمنة القديمة في اوروبا، أو حتى في الأزمنة المتأخرة كما في الحرب الأهلية اللبنانية، او حتى في تجربتنا العراقية المعاصرة..وإن كانت الأحداث مغلفة بالمهيمن السياسي، إلا أن المشكل المذهبي كان أهم دعامات الصراع الذي تأجج بعد حادثة تفجير المرقدين العسكريين في سامراء، وماتلاه من أحداث وتداعيات أدت إلى سقوط أكثرية الجزء الغربي من الخريطة العراقية بيد التنظيمات الإرهابية وأخطرها على الإطلاق مايعرف بـ " تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" والذي يعرف اليوم باسم داعش.

من هنا، تبدو قضية جهل الذات ومعرفتها بالآخر هي المهيمنة في الصراع المُغَيِّب لكل منطق حضاري ينبع من الإنسان ويصب في قيمته العليا. وهذه الهيمنة تنشأ من عدم ثبات واستقرار صورة الآخر في الذات الانسانية، او من النظرة الريبة تجاه المختلف وتجاه طبيعة العلاقة أو التعاطي معه. وقد يرى البعض بأن ماتختزنه الذاكرة الجمعية هو السبب في اشتعال الصراع من جديد انطلاقاً من مقولة (نوم الفتنة) ويجب عدم إيقاظها، خصوصاً فيما يتعلق بالتاريخ الماضوي الملتهب بين الفرق والمذاهب وغالباً مايكون تاريخاً حافلاً بالتصدعات والمناوشات الكلامية، أو السلوكيات العنفية.

وقد تلتبس العلاقة بين الأنا والآخر فتكون بين مد وجزر على صعيد القبول والرفض، أو التعاطي والإقصاء، كما في العلاقة المرتبكة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الأنظمة التي تتخذ الإسلام شعاراً أيام الحرب على المعسكر الشيوعي الاشتراكي، قبل الطلاق الإيديولوجي بين الطرفين بعد خواء أسطورة الإتحاد السوفياتي وتلاشيها، فصار المتحالفون أعداء لتصل العداوة لأوج مراحلها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

إن نموذجي الهيمنة الخاصة بتوتر العلاقة بين الأنا والآخر قد يقودان لمأزق الخلط في تصنيف الصراع بين السياسي الإيديولوجي، وبين الديني المحض، فحين نستدل بالتحالف الأمريكي / "الإسلامي" في مواجهة "العدو" الشيوعي؛ سنجد أن التوتر في شكل العلاقة توتراً سياسياً استخدم فيه الدين لتحقيق غرض أو تفوق سياسي، بينما في الحديث عن مخزون الذاكرة وعن (فتنة نائمة) - والتي ان استيقظت ستلتهم أخضر الوجود البشري ويابسه - في قضية مذهبية سيأخذ الموضوع أو شكل الصراع أبعاداً أخرى تدعونا للتساؤل : هل هذه الفتن نائمة أصلاً ؟ الواقع والأحداث يؤكدان أن التاريخ المظلم والمليء بالتحديات والمناوشات بين طرفي الصراع يشي بعدم نوم هذا الخزين، بل وبيقظته واستعداده لالتهام كل شيء، كل مافي الموضوع أنه ظل حبيساً في بطون المدونات بانتظار الإيديولوجيا التي تزيح عنه غبار الإهمال المؤقت، وإلا فهو حقيقة موجودة، بل هو يقين عند مجموعات بشرية قد تشكل أكثرية دينية في مجمل وجودها الديني، وهو يقين مبني انحرافات هي في الحقيقة مايجعل العلاقة مع الآخر ملتبسة.

أما المراوحة المرحلية بين القبول والرفض، والتعاطي والإقصاء، فتكون في أكثر صورها خاضعة لحسابات سياسية يلعب الظرف الزمني دوراً كبيراً فيها، وهو مالم يتحقق في جزئية الصراع بين المذاهب حتى مع بعض المحاولات الشكلية غير الصريحة، لابد لنا نحن جنس البشر من استيعاب التحولات الكثيرة، وتفهم أبعادها وتأثيراتها في حاضرنا الماثل، أو في مستقبلنا القابل.

وعلينا أيضاً عدم الاكتفاء بتقديم أعذارنا الجاهزة وفي مقدمتها أن التحولات أكبر من استيعابها، فنساهم في ركود فكري يزيد من الخراب الوجودي المخيف. إن الشعور بعدم الجدوى، وفقدان قيمة المعنى، وإطلاق التصنيفات غير الموضوعية لأشكال الصراع البشري؛ سيجعل العالم متهرِّئاً تتبعثر فيه القيم، وتدور المسميات حول مربع قلق تتوزع أضلاعه بين العنف والسلطة والهوية والثقافة، وهذه الأضلاع وفق مأزق الخلط في التصنيف؛ ستمزق النسيج الإنساني، ويزيد مساحة الرماد على خريطة صارت منفضة للصراعات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1