لاشك في أن إيمان بعض المسلمين يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجميع الصحابة، رغم أن صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يرد دليل على عصمتهم، ولم يشهد تاريخهم بذلك أبداً، بل لم يدّع أحد عصمتهم، وبالتالي فإن الخطأ متوقع أن يصدر منهم. كما أن كتاب (صحيح البخاري)، ومعه كتاب (صحيح مسلم) تضمنا عدة أحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تتحدث عن انحراف أو انقلاب أو ارتداد بعض أو كثير من الصحابة، منها قوله (صلى الله عليه وآله): (إنّي فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنّهم منّي! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً، سحقاً، لمن غيّر بعدي). وفي حديث ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله): (ويلكم أو ويحكم، لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). لذلك، فإن الاعتقاد بعدالة جميع الصحابة، فضلاً عن أنه اعتقاد مرفوض قرآنياً، له تداعيات خطيرة، على عموم المسلمين والبشرية جمعاء، فقد برزت قراءات فقهية تستند إلى سيرة بعض الصحابة، أصبحت الأسس التشريعية لفتاوى التكفير التي تعتمدها التنظيمات المتطرفة التي تمارس الإرهاب في العديد من بلدان العالم، وخاصة في العراق وسوريا وغيرها.

الإرهاب الوهابي (الفقهي والتنظيمي) له المئات من المواقع الإلكترونية، فضلاً عن أن كتبهم موجودة في عموم بلاد المسلمين، ومن خلال المضامين التي تنقلها (المواقع والكتب) يتبين أن هذا الفقه يجعل من عناصره ذباحين يلوكون الأكباد، كما أنه فقه يبيح استخدام أسلحة الدمار الشامل، النووية والكيمياوية والبيولوجية، ضد "العدو"، ولو كان ذلك العدو متمترساً بمسلمين من أطفال ونساء، ولو أهلكتهم – تلك الأسلحة – جميعاً.

وتأصيلاً لذلك الفقه وخطورته، فإن من كلام الحنفية، يقول السرخسي نقلاً عن محمد بن الحسن (شرح السير الكبير 4/1467): (ولا بأس للمسلمين أن يحرقوا حصون المشركين بالنار، أو يغرقوها بالماء، وأن ينصبوا عليها المجانيق، وأن يقطعوا عنهم الماء، وأن يجعلوا في مائهم الدم والعذرة والسم حتى يفسدوه عليهم، لأنا أمرنا بقهرهم وكسر شوكتهم). وفي الوقت الذي تتسع (دائرة الشرك) عند هذا الفقه، لتشمل عموم المسلمين، يوضح موغلاً في تعميم الإباحة في القتل: (ولا يمتنع شيء من ذلك ما يكون للمسلمين فيهم من أسرى، أو مستأمنين، صغاراً أو كباراً، أو نساء أو رجالاً، وإنْ علمنا ذلك، لأنه لا طريق للتحرز عن إصابتهم مع امتثال الأمر بقهر المشركين، وما لا يستطاع الامتناع منه فهو عفو).

وذات الرأي عند الشافعية (الأم 4/257): (وإذا تحصن العدو في جبل أو حصن أو خندق أو بحسك أو بما يتحصن به: فلا بأس أن يُرموا بالمجانيق، والعرادات، والنيران، والعقارب، والحيات، وكل ما يكرهونه، وأن يبثقوا عليهم الماء ليغرقوهم، أو يوحلوهم فيه، وسواء كان معهم الأطفال والنساء والرهبان أو لم يكونوا، لأن الدار غير ممنوعة بإسلام ولا عهد، وكذلك لا بأس أن يحرقوا شجرهم المثمر، وغير المثمر، ويخربوا عامرهم، وكل ما لا روح فيه من أموالهم).

وفي نفس السياق، وتبريراً للقتل الجماعي عملاً بما عمله "صحابة"، برأي الحنابلة، قال ابن قدامة (المغني 9 / 230): قال (يعني الخرقي): (أما العدو إذا قدر عليه، فلا يجوز تحريقه بالنار، بغير خلاف نعلمه، وقد كان أبو بكر يأمر بتحريق أهل الردة بالنار، وفعل ذلك خالد بن الوليد بأمره، فأما اليوم فلا أعلم فيه بين الناس خلافا، فأما رميهم قبل أخذهم بالنار، فإن أمكن أخذهم بدونها، لم يجز رميهم به، لأنهم في معنى المقدور عليه، وأما عند العجز عنهم بغيرها، فجائز، في قول أكثر أهل العلم، وبه قال الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم، ليغرقهم، إن قدر عليهم بغيره، لم يجز، إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية، الذين يحرم إتلافهم قصداً، وإنْ لم يقدر عليهم إلا به، جاز، كما يجوز البيات المتضمن لذلك، ويجوز نصب المنجنيق عليهم. وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها).

يبدو واضحاً، إن الفقة الوهابي يتنافى مع القيم الإنسانية التي عليها الأمم والثقافات، وهو فقه على غير ما جاء به الإسلام، يقول الإمام الشيرازي(قده): (بعد أن كان الجاهليون مولعين بالحروب وسفك الدماء، جاء الإسلام وأخذ يدعوهم إلى السلم والوئام ونبذ الحروب والمشاحنات التي لا ينجم عنها سوى الدمار والفساد). ويقول المرجع الشيرازي (دام ظله): (إن التاريخ الذي نسبه جمع من الأصحاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، من وصفهم القرآن الكريم بالمنافقين وأنزل سورة كاملة في ذمّهم، هذا التاريخ ليس التاريخ الحقيقي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل فيه الكذب، والتناقض مع ما وصف القرآن الكريم به نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله)).

وما يشهده العالم اليوم من جرائم وحشية وفتك مريع بالعباد وتدمير فظيع للبلاد على يد عصابات "القاعدة" و"جبهة النصرة" و"بوكو حرام" و"داعش" وغيرها، ما هو إلا من نتائج ذلك الانقلاب والانحراف الذي حدث مع الساعات الأولى لشهادة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي جاء رحمة للعالمين، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر: (إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شيء أدعى لنقمة، ولا أعظم لتبعة، ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها). وهو ما كان عليه الإمام (عليه السلام) حتى مع أعدائه، فعلى الرغم من تحرك الخوارج ضده وتكفيرهم له، كان يقول لهم: (لا نبدأكم بحرب حتى تبدؤونا به).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0