لا يختلف اثنان على فاعلية المتغيرات التي أحدثتها التكنلوجيا عبر الثورة المعلوماتية على البشرية، وسرعتها في نقل العالم الإنساني من طور إلى آخر. والأكيد أن امتلاك التقنيات الإلكترونية الحديثة؛ يسهم في عملية اختلاط المفاهيم فيما يتعلق بتقييم المنجزات على اختلاف حقولها المعرفية والعلمية؛ لأن هذه التقنيات ستكون من المسببات الرئيسة لنشوء الأطوار الافتراضية الإلكترونية، كمعادل للطور الواقعي في الحياة، فيكون لنا أنموذجان يتصارعان على إثبات الذات والفاعلية الحضارية.

ولأننا اليوم إزاء مشهد اتصالي هائل، يكاد يكون المهيمن على اهتماماتنا الحياتية، بل ويساهم بشكل مخيف في صنع الرأي العام تجاه مختلف القضايا والأحداث، فإننا نلحظ تراجع القيم التي يمكن من خلالها تكوين الرأي، أو بلورة الأفكار، مع تقدم سريع للقيم المُنتجة افتراضياً، الأمر الذي سيترك حتماً آثاره على الثقافة والفكر، منشئاً أنماطاً جديدة بسياقات تستسهل الولوج إلى العلوم الإنسانية المختلفة، وبالتالي - ومع حالة اختلاط المفاهيم المتعلقة بتقييم المنجز - سنكون أمام حالة ضياع المقاييس التي بذرها الإفتراض الإلكتروني، وصارت أشجاراً واقعية، جميلة الشكل من الخارج، منقطعة الجذور، وبلاثمر فكري أو معرفي.

وهذا هو الذي حصل في الحقيقة، إذ اننا نشاهد اليوم مايقترب من انفلات قيمي في حقول الأدب والفكر وحتى الدين، حيث الإصدارات المجانية لترويج الأفكار التي تساهم في تغليب الرؤى المؤدلجة على الرؤى المتجذرة بالفطرة، ذلك طبعاً تحت اليافطات التجديدية المؤطرة بأطر المعاصرة والحداثة، بحيث أصبح من السهل على شخص سطحي المعرفة، لكنه مغرم بالشهرة وحب الظهور، أن يتجول في بعض المواقع التي يتيحها الطور الإلكتروني، فيأخذ فكرة من هنا، ورأياً من هناك، ومن دون تمحيص فتتجمع له مجموعة من التصورات الجاهزة في عديد من القضايا، حتى نراه قد أصدرها بكتاب ذي طبعة فاخرة، اهتمت الجهة المُصدِّرة له بالحالة المادية المرتفعة (للمؤلف المفترض) على حساب الحقيقة.

وقد يكون الأدب سوقاً رائجاً لهذه المجانية العابثة؛ لأن عملية التعاطي مع الفكر، صارت شبه معدومة في عالمنا المتشظي بين الفيسبوك وتويتر وغيرها. فالعمل الروائي على سبيل المثال، يحتاج - وهذا من البديهيات - إلى مدة من الزمن ؛ لتكتمل الفكرة التي يريد الكاتب أو الروائي الإشتغال عليها ؛ وكذلك ليعالج بها قضية متفاعلة في محيطه زمكانياً، لكننا نلحظ مع ازدياد المواقع الإلكترونية التي تاخذ عنونة الأدب، أنَّ شخصاً واحداً يمكن له أن يصدر ثلاث روايات في سنتين !

وبعد فترة يتم اكتشاف مهارة التجميع التي مارسها (المؤلف)، عبر تجميعه لحدث يتعلق بفضيحة جنسية مثلاً في فرنسا، وحادثة انسلاخ من القيم المجتمعية في المغرب، وترويج للأفكار المتطرفة في الخليج، ثم يربط تلك الأحداث مع بعض ربطاً ساذجاً ومكشوفاً، فينتج عملاً أدبياً هجيناً، لم يكلفه سوى تجوال مريح في أروقة الأطوار الإلكترونية التي اتاحت له (الكوبي بيست) الحضاري بكل سهولة ويسر.

ونفس الحال ينطبق على الواقع الصحفي والإعلامي، إذ لم يكن أشد المتشائمين بانهيار القيم المجتمعية يتصور أن يرأس شيخ عشيرة، او وجه من الوجوه المعروفة على صعيد القرى والأرياف تحرير جريدة أو مجلة تعنى بشؤون المجتمع المدني، بعد أن يستأجر أديباً مغموراً يعاني شظف العيش، ليقوم بمهمة مدير التحرير، والمحرر، والمصحح اللغوي، وكتابة المقالات، و نسخ المواضيع ذات الصلة بطبيعة عمل الجريدة أو المجلة، ثم ترى الشيخ متصدراً لأحد المؤتمرات الصحفية والإعلامية، بل وممثلاً لبلده في فعاليات تقام في الخارج، وهو مايستدعي وقفة جادة لدراسة الأنساق المجتمعية المضمرة التي أدت إلى عملية تبادل الأدوار الغريبة والناتجة عن سرعة الطور الإلكتروني في انتاج حضارة بديلة قد تتأصل بأسرع مما نتصور.

الإلكترونيات والدمج الحضاري

وقد يتبلور في الذهن سؤال: هل يمكن أن تنتج الهيمنة الإلكترونية الإتصالية حضارة بديلة ؟ أو ليكن السؤال بصيغة ثانية: هل يمكن أن يفرض هذا الواقع الإتصالي عملية دمج للحضارات بذريعة القرية الكونية الصغيرة؟

قبل الشروع في البحث عن الإجابة؛ لابد من تحليل مفهوم الحضارة وفق السياقات الغربية من جهة، ووفق الرؤية الإسلامية من جهة أخرى. فالحضارة في الغرب تعتمد على الصناعة والتقنيات وتقديس العقل، نافية أي مظهر آخر وفق النظرية المادية، بينما يوازن المفهوم الإسلامي للحضارة بين مايعتمده الغرب، وما يؤكد عليه الإسلام من ضرورة الحفاظ على السلام الداخلي للإنسان، حيث أن التقنيات بتعدد أشكالها، لابد أن تصب في خدمة الإنسان ورفاهيته، لا أن تكون عاملاً من عوامل تدميره. الأصل - إذن - هو انسجام المستحدثات التقنية والإتصالية مع النظام الكوني والحياتي المُسخر للقيمة الإنسانية العليا، وهو ماأكد عليه القرآن الكريم بقوله : " الله الذي سخَّرَ لكم البحرَ لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وَسَخَّرَ لكم مافي السماوات ومافي الأرض جميعاً منه إنَّ في ذلك لآيات لقومٍ يتفكرون / الجاثية : 12-13 ".

وبالمحصلة، إنَّ عملية دمج الحضارات، أو إنشاء حضارات بديلة ؛ لن تتحقق في ظل هذا الإختلاف في الرؤية تجاه مفهوم الحضارة، وهذه الهوة لن تردمها كثافة الحضور الإتصالي، وإلاّ كيف للتكنلوجيا أن تُدْخِلَ (الوحي الإلكتروني) مثلاً ؟

وليس من المنطقي اعتبار كل هذه التطورات من غير فائدة، فنكون بذلك إقصائيين منحازين للكلاسيكية القديمة في التعامل مع الحاجات الضرورية للإنسان اليوم، وبنفس الوقت ليس لنا إعلان انتهاء مشكلات البشرية لمجرد وجود هذا العالم الإفتراضي.

لابد من رؤية وسطية فاحصة ومحللة، يمكن من خلالها أن نستشف مستقبل الحضارة، في ظل هيمنة التكنلوجيا والإلكترون، إن كان مضيئاً أو معتماً.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1