لم تكن الهجمة على الشعائر التي تستذكر فاجعة كربلاء، وتصور المأساة التي لم ولن تشهد الإنسانية مثيلاً لها من جهة، وارتباطها بالقيمة العليا لمثل الشجاعة والأخلاق والتضحية من أجل المبدأ من جهة أخرى، لم تكن هذه الهجمة او الهجمات بالجديدة على محبي الإمام الحسين عليهم السلام، فمنذ استشهاده في عام 61 هجرية ولغاية اليوم، مورس المنع والتضييق على كل فعل يؤدي إلى الإحتفاء بهذه الملحمة، أو يدفع باتجاه التفاعل معها وجدانياً وعاطفياً وفكرياً. هذا المنع معروف بطبيعة الحال من يقف خلفه وهو الخط المعادي لفكر أهل البيت المرتبط بالمنهج المحمدي العظيم في نسخته الحقيقة، وهو الخط الذي مازال للآن منتجاً لجماعات التكفير الخارجة من مفاقس الإرهاب الوهابي.

غير أننا بدأنا نلمس حرباً أخرى يمكن أن نطلق عليها تسمية "الحرب الباردة"، هذه الحرب هي كذلك ليست جديدة، ولها سياقاتها الزمنية وشخوصها، ولسنا بصدد الحديث عنها وعن تفاصيلها وماأفرزته ؛ لأننا معنيون بالموضوعية والحيادية في مناقشة المواضيع بعيداً عن أية شخصنة أو انفعال غير مبرر.

هذه الحرب (الباردة) اتخذت في هذا الموسم من عاشوراء طابعاً هجومياً غير مسبوق، واشتمل على تنظيرات إعلامية وتغريدات ومنشورات في مواقع التواصل الإجتماعي، بعد أن استغل مشعلو هذه الحرب سطحية أكثر مستخدمي هذه المواقع، وراحوا يخلطون الأوراق بشكل عجيب. والغريب في موضوع انتقاد هؤلاء أنهم من الذين يرفعون رايات التحرر ورفض الظلم، وكأن هذه الممارسات الشعائرية تحتفي بشخص عادي، متناسين أنها مرتبطة بأعظم ثائر رافض لمصادرة الإنسان عرفه التأريخ البشري، فضلاً عن أن الشعائر الحسينية هي الوحيدة التي تميزت من بين كل الشعائر التي تمارس في كل أرجاء الكرة الأرضية، وتمارسها شعوب العالم المتعددة، تميزت بانفرادها في الإمتداد لكافة المجالات الحياتية من فن وابداع وثقافة وفكر وتكافل اجتماعي، وقدمت وتقدم أروع الأمثلة في هذه المجالات.

وحتى عندما ننتقد التنظيرات الفكرية كونها تتماهى مع سياقات غربية لاتتفق مع واقعنا في الشرق، فإننا نؤكد ان الذين يصبون الزيت فوق نار الحرب على الشعائر الدينية لايقلدون الغرب في ذلك؛ لأننا لم نسمع بمثقف غربي شاعراً كان أو كاتباً او مفكراً انتقد او انتقص من قيمة شعائر يؤديها الإنسان بهدف تطهير النفس والروح، بل على العكس يتم اعتبار هذه الممارسات بأنها حرية شخصية تساهم في جعل الإنسان مطمئناً، نعم قد تكون هناك جهات خفية لها أجنداتها ومصالحها التي يقلقها استمرار هذه الشعائر، وهنا لانتهم من يعملون على الإنتقاص منها بجمل إنشائية لاقيمة معرفية فيها بأنهم تابعون لهذه الأجندات، بل نحذر من استغلال مواقفهم المتكئة على جدار هش، وندعوهم للتأمل أكثر في تمثلات هذه الشعائر متجردين من كل المؤثرات والأمزجة؛ ليصلوا لنتائج جيدة.

وبعد أن عجز هؤلاء من الحصول على نتيجة مرجوة من حربهم هذه، وجهوا سهام نقدهم إلى تيارات جماهيرية ومؤثرة، ومعروفة بإخلاصها لقضية الحسين وشعائر الحسين عليه السلام، فليس خافياً على عدو أو صديق ارتباط آل الشيرازي بقضية كربلاء ؛ لذلك شهدت هذه السنة هجمة على كل مايمت للخط الشيرازي بصلة، غير أن المهاجمين أوقعوا أنفسهم في مأزق معرفي كبير توضح من خلاله عدم الإطلاع الكافي على رؤى هذا الخط ومتبنياته تجاه قضية الشعائر، او المرور عليها مرور الكرام بدون تفحص وتحليل، لينطبق عليهم قول أمير المؤمنين عليه السلام : " تجري المقادير وقد يكون الحتف في التدبير".

فقد قسّم أحد هؤلاء المتفلسفين بشعائر أبي عبد الله عليه السلام الخط الشيرازي إلى قسمين: الأول: أطلق عليه تسمية (التقدمي) ومثّله بالمجدد الشيرازي الثاني الراحل (قدس سره)، وبأخيه العلامة والمفكر والشاعر الشهيد السيد حسن الشيرازي وكذلك بسماحة المرجع السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) معتبراً - وهو محق في هذه الجزئية - أنَّ هذا الخط تبنّى قضية الإجابة عن التساؤلات الملحة والمعاصرة من قبيل هل الإسلام صالح لكل زمان ومكان ؟ وهل في الإسلام نظام سياسي واقتصادي واجتماعي ؟ وهل له رؤى تجاه الفن ومواكبة العصر ؟ وقال أيضاً أن الشيرازيين نجحوا في تعميم خطاب شيعي حركي.

الثاني : أطلق عليه تسمية (التقليدي)، ويقول أن هذا الخط انبثق من داخل تيار الشيرازيين وهو المعني بما أسماه بـ (طقسنة التشيع) اي ان اهتمامه منصب فقط على الشعائر الحسينية.

وبعيداً عن الخوض في منطق هذا التقسيم وحيثياته ؛ لأننا غير معنيين به ولابتصنيفه، لانعرف كيف فصل ما عبّر عنه بالخطاب الشيعي الحركي الذي تبناه الخط الشيرازي (التقدمي) بحسب تصنيفه عن الشعائر التي اهتم بها الخط (التقليدي) كما أسماه صاحبنا التنظيري هذا !

كأنه يريد إيهام القارئ بأن الخط الأول غير مهتم بالشعائر، والخط الذي يوليها اهتماماً هو تقليدي لاعلاقة له بالمعاصرة، وفي هذا - فضلاً عن خلط الأوراق - تجنٍّ واضح على الحقيقة، وافتراضات قد تشير إلى عقدة معينة ينبغي تجاوزها لكل من يروم البحث والتقصي في شأن فكري ومعرفي.

وحتى لانترك كلامنا بدون أدلة أو قرائن، نجد أنه من الضروري استعراض آراء أعلام الخط الشيرازي في قضية الإلتزام بأداء الشعائر، فهذا المجدد الشيرازي الثاني (قدس سره) يقول في كتاب (ألف كلمة وكلمة) : " لبس السواد وإقامة الشعائر على سيد الشهداء عليه السلام من الضروريات اللازمة على كل محب لأهل البيت عليهم السلام، وهو من الأعمال التي لها فضل ومقام عند الله سبحانه وتعالى، وكما يجب أن نتمسك بمظاهر الحزن وإقامة الشعائر، كذلك يجب أن نفهم حقيقة الشعائر ومضمونها ومحتواها الأصيل ".

وهذا سماحة المرجع السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) يقول في كتاب (القبسات) : " يجب علينا أن لانستسلم وأن لاننسحب من خدمتنا للشعائر الحسينية إذا واجهتنا أدنى صعوبة أو أذى. نحن وأنتم بإقامتنا للشعائر الحسينية وتعظيمها، نكون في الواقع نحن المستفيدين، حيث نبغي بذلك علو الدرجات ؛ ولكي نزداد قرباً إلى الله تعالى وإلى أهل البيت وأن تشملنا رعايتهم ودعاهم صلوات الله عليهم ".

أليس المجدد الثاني (قدس سره)، وسماحة السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) من الخط غير التقليدي بحسب تصنيف صاحبنا هذا؟.

وهما وغيرهم من هذا الخط من الذين ركزوا على تأدية شعائر الحسين وهي قطعاً شعائر الله وشعائر دينه، المشكلة أن هؤلاء لم يعرفوا ان النجاح لاتوقف له، وأن الشعائر المرتبطة بالحسين العظيم وقضيته غير خاضعة للتقسيمات والتصنيفات، مثلما أن الخط الشيرازي خط عقائدي ليس من سبيل أن يركز على جانب من الحق هنا ويغض الطرف عن جانب آخر من الحق هناك. هو خط لايحتكر الفكر، ولايلغي الآخر أو يصادره، بل على العكس فهو ينفتح على كل الآراء المخالفة ويناقشها بهدوء مستنداً على أثمن جوهرتين : كتاب الله وعترة أهل بيت محمد صلوات الله عليهم أجمعين، كما أن كثير من العلماء والفقهاء لهم آراؤهم التي تركز أيضاً على أهمية الشعائر والإستمرار بأدائها، فماهو سر التركيز على خط معين ماعرف عنه سوى الموضوعية في الطرح والأخلاق العالية في مناقشة الآخر؟.

وأخيراً وليس آخراً، متى يكف هؤلاء عن المساس بالقيم التي تجعل من عاشوراء وردة للخلد تفوح على العالم الإنساني؟ ومتى يدركوا أن الإقتراب السلبي من قضية كربلاء ليس له إلا أن يضعهم في مراتب لن يُحسدوا عليها مطلقاً؟.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4