إن الصراع الذي يشتعل بكبريت الهويات المتعددة، لابد أن يفضي إلى أزمة هوية وانتماء، من المعروف أن الحربين العالميتين الأولى والثانية نشبتا بسبب المشاريع ذات النزعة الشمولية والاستبدادية المعبأة بهواجس التمدد خارج الحدود، لتبدأ ممارساتها في اضطهاد الاثنيات السكانية بدعوى أقليتها.

في العراق، حدث صراع الهويات منذ بدايات تشكيل الدولة العراقية، فضلاً عن ظلال قديمة لها يحدثنا بها التأريخ، وقد ارتدى صراع الهويات ثوباً عنصرياً خاطته بأيادٍ ماهرة الأنظمة الحاكمة بهدف فرض هوية أحادية، ودمج أو مزاوجة -حتى ولو بالقوة المفرطة- بين الهوية الوطنية والقومية، ومثل هذه المغامرة تؤدي بالدول ذات المكونات المتعددة إلى كارثة مؤكدة.

وتطرح أزمة الهوية في العراق تساؤلات تبحث عن إجابت مازالت مؤجلة حتى إشعار آخر، ومنها صلاحية مصطلح (عراقية العراق) كونه يُذوّب الهويات الأخرى في الهوية الوطنية، الأمر الذي ينأى به عن أية تجاذبات عنصرية وقومية متطرفة كما حدث في نظام البعث الذي قام بترحيل عوائل من جنوب العراق إلى كركوك المُختَلف على هويتها قومياً بين كرديتها وتركمانيتها.

سعي البعث هذا كان محاولة لضرب القومية بالمذهب؛ لأن المُرَحّلين العراقيين من الجنوب هم من الشيعة العرب، وحتى بعد سقوط نظام صدام حسين استمر الاشتعال القومي بتناقضات لم تستطع المادة الدستورية المخصصة لها ان تجد علاجاً لمشكلتها التي بدت كمرض مزمن.

ومن التساؤلات التي يمكن أن تثار، سؤال عن مفهوم الأكثرية الذي اعتمده مريدو الفكر القومي، على اعتبار أن أكثرية العراقيين من العرب وهذا المفهوم يمكن أن يعتمد من زاوية أخرى، فإذا كانت الأكثرية العربية تطرح (العراق العربي)، فأن الأكثرية العربية ذاتها يمكن أن تطرح مفهوم (العراق الإمامي الإثني عشري)؛ لأن الأكثرية العربية في العراق هم من الشيعة الإمامية الإثني عشرية، فضلاً عن أن الشيعة في العراق يتواجدون في مكونات قومية أخرى مثل: التركمان والكرد الفيلية، وبذلك يتفوق مصطلح (العراقي الإمامي الإثني عشري) على (العراق العربي)؛ لعبوره المنطق القومي مدعوماً بقول القرآن الكريم : " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا".

فإذا رفض القوميون هذا المنطق بداعي طائفيته فللآخرين رفض منطقهم كذلك بداعي قوميته.

إن محاولة فرض منطق العراق العربي هي محاولة طائفية بامتياز؛ لأن أكثر العرب خارج العراق هم من (السُنّة)، فعملية تعريبه بشكل كامل تمثل ضربة للأكثرية الشيعية فيه، وهو الأمر الذي وضح جلياً في التدخلات السلبية للدول العربية في الواقع العراقي سياسياً وأمنياً، حيث سجلت إحصائيات أن الآلاف من الإنتحاريين قدموا من البلدان العربية لتنفيذ هجمات ارهابية في مناطق العراق ذات الكثافة السكانية الشيعية، مع ستراتيجية تنفيذ هجمات في مناطق السُنّة بهدف إشعال توتر مذهبي وصولاً لحرب أهلية تجهض التجربة السياسية القائمة بعد زوال النظام الذي كان يمثل لتلك البلدان (حامي البوابة الشرقية للوطن العربي) حتى مع مغامراته السياسية تجاه (الأشقاء)، ومنهم الكويت.

الهويات وسوء توزيع الموارد

لا خلاف مطلقاً على أن الإخفاق في إدارة موارد الدولة العراقية خلال فترة مابعد 2003 لغاية اليوم، إخفاق كارثي بامتياز؛ لعدم وجود رؤية واضحة تجاه تنويع مصادر الدخل، وللإعتماد على النفط كمصدر وحيد، وهو ما يشير لخلل واضح في العقلية الإقتصادية التي تدير الشأن الاقتصادي العراقي، خصوصاً بعد الإنخفاض الكبير في أسعار النفط.. والذي كشف عورة الفكر الإقتصادي، حتى هُدرت موارد البلد، بعد أن سيطرت عليها جماعات جاهلة وثبت على السلطة دون تخطيط أو رؤية تساهم في نهوض البلد من تراكماته الموروثة من السياسات السابقة.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم سؤال مفاده:

ما علاقة صراع الهويات بالموارد وسوء إدارتها ؟.

يبدو التساؤل منطقياً، كما أن الإجابة عليه ليست بتلك الصعوبة، وجوابنا هو : إن عدم وجود هوية وطنية تتلاشى فيها الهويات الفرعية من شأنه أن يصل بالبلد إلى حافة الإنهيار، وهذا بالضبط هو الحاصل في التجربة العراقية السياسية بعد 2003، فنظام المحاصصة الطائفية - سيء الصيت -، والذي لازال فاعلاً حتى مع جرعة الإصلاح التخديرية، قسم موارد البلد على هوياته ومكوناته، فلهذا المذهب حصته ولهذه القومية حصتها، وهكذا صارت الموارد حكراً على مافيات جهوية حزبية بغطاء قومي ومذهبي تلعب بها كيف شاءت دون حسيب أو رقيب.. راكلةً المصلحة الوطنية العليا، أو لنقل الهوية الوطنية؛ لأنها في مأمن طالما أن زملاء المكونات الأخرى يلعبون في ذات الملعب، وبنفس الآليات والسياقات، فالتكتل والتحزب ونشر الخطوط وتنويعها وغيرها من الممارسات، تجعل من فقدان الإمتيازات أمراً مستحيلاً مهما بلغت الضغوط.

الهويات وأزمة الخطاب الثقافي

لم يكن من السهل أبداً بلورة خطاب ثقافي معاصر، مالم يتم الحديث عن الإرث الثقيل والمرتبك للمراحل الماضية، كان الخطاب في ذلك الوقت قد ذاب في الأدلجات المتصارعة فيما بينها، متشرباً بالسياسة وتناقضاتها وتداعياتها.

وكان للإنقلابات العسكرية التي عصفت بالواقع السياسي العراقي دور في صياغة خطاب ثقافي ذي هوية مأزومة.. منذ انقلاب عبد الكريم قاسم على النظام الملكي في تموز 1958 وماتلاه من انقلابات عكست صراع الإيديولوجيات. بل أن الإيديولوجيات ذاتها لعبت دوراً في انتاج الخطاب الثقافي بشكل مرعب.. حتى وصلت بعض السلوكيات لدرجة الإنحطاط الذي يجعل مثقفاً مؤدلجاً قريباً من السلطة، يتسبب - بتقرير حزبي - بإعدام مثقف آخر ينتمي لإيديولوجيا مضادة!

هذا الإرث ألقى بظلاله على التجربة العراقية الجديدة، والتي بدت وردية الملامح، حيث حرية التعبير، وتعدد المؤسسات وعدم وجود (فيتو فكري)، قبل أن تكشر المرحلة عن أنيابها، فيختار المثقفون عزلتهم؛ لأن الثقافة والتنمية خارج حسابات أرباب المرحلة الجديدة، إلا إذا توافقت مع توجهاتهم، وكأنهم يستنسخون التجربة الجديدة بكل مآسيها، لكن بثوب جديد ومقاسات مختلفة، فصار الحديث عن دولة مزدهرة تبنى على أسس ديمقراطية ضرباً من الخيال.

وبعد حادثة احتلال تنظيم داعش الإرهابي لمدن الموصل وصلاح الدين والانبار، اتخذ الخطاب الثقافي بعداً مذهبياً بامتياز، فكانت القصائد التي تبشر بالفتح الداعشي وتبشر بممارسات الذبح الذي (سيعيد الحقوق إلى أصحابها) كما في الشعارات التي رُفعت في المناطق المحتلة من داعش، فضلاً عن ترويج اعلامي وصل لدرجة تبشير نائب في البرلمان العراقي يصرح علناً أمام الملايين أن شعور المواطنين في تلك المناطق هو الرضا والقبول والطمأنينة في ظل سيطرة التنظيم الإرهابي!.

وحتى بعد عمليات تحرير هذه المدن، كانت الخطابات والأصوات الإعلامية تصدح بكل ما أوتيت من تعصب مذهبي مستنجدة لإنقاذ (أهل السنة والجماعة) من (البطش الرافضي).

الأسئلة التي تطرح للنقاش في هذا الصدد:

أين المفاهيم التي تشدق بها المثقفون والمفكرون وصدعوا بها رؤوس القراء والمشاهدين حول الأمانة والمصداقية والنقاش والتحليل الموضوعي للأحداث، بعيداً عن التعصب والإنحياز؟، أين رؤاهم غير المهادنة التي بشر بها من قبل ماركس وديكارت وغيرهم؟، مالذي جعلهم يركلونها بحذاء طائفي متطرف؟.

والإجابة أيضاً غير صعبة، فقد صارت مفاهيم اليسار والعلمانية والديمقراطية وغيرها من الإيديولوجيات بضائع كاسدة لا قيمة لها.

وأمام هذه الحقائق، ظل الخطاب مأزوماً بعيداً عن الوطنية بعيدة المنال، الأمر الذي يجعلنا نعترف بإخفاق الخطاب الثقافي في صناعة رأي عام وطني تُبنى فيه الهويات وتحترم على أسس سليمة تبتعد عن الصدام والتنازع، عسى ينهض جيل نقدي يتخلص من رواسب العقليات القديمة ويتماهى مع ممكنات الواقع، فيصوغ خطاباً حضارياً نحن أحوج مايكون إليه في راهننا المتشظي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0