يرى العالم توينبي أن قصة تقبّل الله لقربان هابيل ورفضه قربان أخيه قابيل كانت إشارة إلهية للتفوق الأخلاقي البدوي على أخلاق الحضارة ، وشرارة أولى للصراع بين المفهومين ، وأنَّ البداوة. هي الأقرب أخلاقياً إلى الله ؛ لأنه قبل من الراعي قربانه ورفض قربان أخيه الزارع .

عند هذه النقطة يتوقف عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي معتقداً أن وجهة نظر توينبي مقتبسة من رأي ابن خلدون رغم أن الأخير يفسر البداوة على انها جامعة للمحاسن والمساوئ في آن معاً ، لكنّها أقرب إلى خصال الخير من الحضارة .

ويعتقد ابن خلدون أن مايدعم رأي توينبي وغيره من الذين يقولون بقوله أنَّ للحضارة أمرين أساسيين يجعلان - بحسب الدكتور الوردي - أهلها أسفل أخلاقاً من البدو وهما الترف وظلم الحكام ، فالترف يجعل من الإنسان سالكاً طريق الملذات والشهوات وسبل الفحش ، بينما يؤدي الظلم إلى أزمة مجتمعية تتلخص بالمكر والكذب والنفاق والخداع .

هذه الرؤية الخلدونية لاتخلو في الحقيقة من صحة؛ لأن صفات الكرم والصدق والشجاعة نادرة التواجد في مجتمع الحضارة وإن كانت تشكل بعداً أو جانباً واحداً من القيم البدوية ، فهناك جانب آخر لاينفصل عن الجانب الأول السابق لكنه جانب ذو أبعاد سلبية يتمثل ببعض الأعراف والتقاليد التي تمثل ركائز أخلاقية عند لقيم البداوة متمثلة بالقوة والنهب والغزو والقتل .

ومع التطور الزمني والمرحلي تحول الصراع بين الحضارات إلى " صراع المبادئ والدعايات أكثر مما تعتمد على صراع السيف "1 .

ولعلنا نحصل على أمثلة كثيرة فيما لو أسقطنا هذا الصراع على واقعنا العراقي مستشهدين برؤية ابن خلدون نفسها أو غيرها من الرؤى التي خاضت ومازلت تخوض في هذا الصراع .

فمن الناحيتين التأريخية والجغرافية نجد أن العراق هو الحلقة الرابطة التي تتوسط صراع المفهومين ، فكما هو معلوم أنَّ أول حضارة أنشئت العراق وهي الحضارة البابلية العريقة والتي أنتجت من المعارف والعلوم ماظل مصدر إلهام للدارسين والباحثين في هذه العلوم والابداعات المختلفة .

وبالمقابل ، نجد على الصعيد الجغرافي أن العراق يقع مباشرة على حافة صحراوية ، وبالتالي فأن موقعه الجغرافي يجعله معبراً لدخول كل مايتصل بالبداوة . هذا التناقض التأريخي / الحغرافي خلق ازدواجية مجتمعية عراقية تصل الى الفرادة .

في بعض المناطق نجد الأندية الاجتماعية الترفيهية وأماكن الاختلاط بين الرجال والنساء ، وفي بعض المناطق الأخرى يغلب الطابع العشائري ،وعادات القرى والأرياف تكون هي السائدة ، بل أن هذا التناقض ينعكس بدوياً على سلوك الرجل حضاري ، فنجد مثلا أن شخصاً مثقفاً أديباً أو فناناً أو صحافياً أو طبيباً أو محامياً يكتب ويتحدث عن التمدن والمدنية ويدافع بقوة عن حقوق المرأة ويظهر على شاشات التلفزة منادياً بقيم الحرية والديمقراطية بينما يقيم الدنيا ولايقعدها إن تقدم شاب لخطبة ابنته وعرف أنه زميل لها في الجامعة ، هنا ينتفض المخبوءمن بدوية هذا الرجل المتحضر .

عليه لايمكن الجزم بأننا يمكن أن نتخلص من هذا التذبذب السلوكي ؛ لهيمنة العوامل التأريخية والجغرافية ، والتي ستبقينا في الواقع حضاريين أصحاب أول حضارة للبشرية وبدويين لاتنازل عن أعرافنا وتقاليدنا وعصبيتنا المتوارثة .

ومادمنا بصدد الحديث عن العصبية ، فلابأس من استعراضها وفق المنطق الخلدوني ومقارنتها بالحالة العصبية العراقية .

يعتقد ابن خلدون أن قوة العصبية ومكان تمركزها الحقيقي يكون في البدو المتقوقعين على الحياة الصحراوية البعيدة عن أية تأثيرات حضارية ، ومع هذا الاعتقاد الخلدوني الذي يصل الى حد الجزم ، لاينكر وجود بوادر عصبية في الأماكن التي تنتمي لتمظهرات الحضارة وبذلك يمكن أن تتقهقر سلطة الدولة الحاكمة في المدن ، وفي ذات الوقت يمكن أن تنشأ دولة قوية في الصحراء تدار بآليات العشائرية والعصبية .

يقول ابن خلدون في مقدمته " من البيّن أن الإلتحام والإتصال موجود في طباع البشر ، وإن لم يكونوا أهل نسب واحد ، إلا أنه كما قدمناه أضعف ممايكون في النسب ، وأنه تحصل به. العصبية بعضاً مما تحصل بالنسب . وأهل الأمصار كثير منهم ملتحمون بالصهر ، يجذب بعضهم بعضاً إلى أن يكونوا لُحماً لُحماً وقرابةً قرابة ، وتجد بينهم من العداوة والصداقة مايكون بين القبائل والعشائر مثله ، فيتفرقون شيعاً وعصائب . فإذا نزل الهرم بالدولة وتقلص ظل الدولة عن القاصية ، احتاج أهل أمصارها إلى القيام على أمرهم ، والنظر في حماية بلدهم ورجعوا إلى الشورى وتميز العلية عن السفلة ، والنفوس بطباعها متطاولة إلى الغلب والرئاسة " .

مايريده ان خلدون في هذا النص هو أن الدولة التي تمثل مظهراً حضارياً إذا ماتعرضت للخطر يلجأ الناس فيها إلى العصبية لتدبر الأوضاع التي عجزت عن تدبيرها بإطارها الحضاري .

وعند هذه النقطة يقارن الدكتور علي الوردي حين قارن بين المجتمع العربي والأوروپي في القرون الوسطى خصوصاً بعد سقوط روما عندما اضطر الناس حينها للبحث عن وسائل يحمون بها أنفسهم بعد تقهقر الدولة ، فكان البديل المناسب طبقة النبلاء وقلاعهم التي صارت ملاذاً مشروطاً بتنازل الناس عن بعض استحقاقاتهم مقابل هذه الحماية .

وفي واقعنا العراقي اتخذت العصبية أنماطاً متباينة ومتداخلة ، فصار كل حي بمثابة العشيرة وصار (شقي المنطقة) بمثابة فارس هذه العشيرة والمحامي عن كرامة أهلها .

والإبتعاد عن الحضور الطائفي والمذهبي في أنماط العصبية العراقية يبدو ابتعاداً بعيداً عن المنطق والواقع والأحداث الإجتماعية التي رافقت الدولة العراقية ، حتى وإن مسّت الأحداث أطرافاً لاعلاقة لها بالدين والمذاهب كما حدث في انقلاب 8 شباط 1963 عندما سيطر الانقلابيون الذين أطاحوا بنظام عبد الكريم قاسم على زمام الأمور في مفاصل الدولة ، وشاهدنا على العنصرية الطائفية هو ماحدث لقيادات الحزب الشيوعي الحليف والمعاضد لنظام قاسم ، حيث أعدم البعثيون أمين عام الحزب حسين الراضي وهو نجفي (شيعي) بعد تعذيبه بطريقة بشعة جداً بينما سافر نائبه (السني) عامر عبد الله من مدينة عانة قبل الانقلاب قبل ان يعود ويساند الاجراءات الاشتراكية لحكومة الانقلابيين ، كما ساهم في تفعيل الجبهة الوطنية المثيرة للجدل بين الشيوعيين والبعثيين وصار وزيراً لفترة في حكومة البعث قبل أن يختار لندن كمنفى اختياري له .

في أزمتنا الراهنة اتخذت المظاهرات الجماهيرية أشكالاً وأنماطاً مختلفة ، وتنوعت اتجاهات المتظاهرين ، الا ان الغريب كان في سلوكيات ناشطي التيار الليبرالي ، والتي من المفترض أن تكون مدنية بعيدة عن التعصب ، فإذا بهم يتنازعون على منصة القاء الشعارات واتهام بعضهم البعض بمحاولة الظهور على حساب الآخرين فتتطور الأمور الى التهديد بالمقاضاة العشائرية ! .

ولعل أبلغ صور المنطق البدوي المتداخل بالواقع المعاصر هو أزمة البرلمان العراقي الأخيرة عندما اعتصم مجموعة من النواب احتجاجاً على نظام المحاصصة الذي سبب كل تداعيات الواقع العراقي سياسياً واقتصادياً .

وبغض النظر عن معاضدتنا أو مخالفتنا لهذه الخطوة نقول ان هؤلاء طالبوا بإقالة الرئاسات الثلاث وهذه الأمور تحدث في السياسة وصراعاتها ، هذه المطالبة قوبلت برفض حزبي من الأطراف التي تتبع لها هذه الرئاسات وهذه أيضا تحدث في السياسة وأزماتها المختلف عليها ، لكن الغريب في الأمر وهو المتعلق بموضوعنا هو بيان احتجاجي اقترب من لغة التهديد والوعيد صدر من عشيرة كبيرة ومعروفة أكدت رفضها المساس بهيبة السلطة التشريعية الممثلة برئيس مجلس النواب وهو من أفراد عشيرتها ، هذا البيان العشائري يؤشر حالة التداخل الهائلة في صراع العصبية مع الحضارة ، الأمر الذي يحتاج للمزيد من التأمل والتعمق في دراسة الحالة الاجتماعية العراقية المتفردة .

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0