أثارت المجزرة التي ارتكبتها السلطات النيجيرية مؤخراً بحق أتباع أهل البيت عليهم السلام جدلاً في مواقع التواصل الإجتماعي حيث لاقت هذه الجريمة استنكاراً واستهجاناً من قبل الناشطين في هذه المواقع، كما أثارت الحادث استغراب الكثيرين من تعمد أكثر وسائل الإعلام والقنوات الفضائية التعتيم على هذه الحادثة كون هذه الوسائل تمثل الأدلجة المقربة من الفكر الذي يعادي الشيعة الإمامية في مشارق الأرض ومغاربها.

وتركز الجدل حول قضية انتشار التشيع في بلدان ما يسمى (أهل السنة والجماعة)، وهذه القضية -كما هو معروف- لها امتداداتها وجذورها وحضورها في الأحداث التي دونها التأريخ الإسلامي وكيف أنها شكلت قديماً وحديثاً مصدر قلق وأرق عند حكام هذه البلدان الذين أدركوا أن تنامي التشيع وانتشاره وما سيحدثه من وعي خصوصاً في اوساط طالبي العلم والمعرفة، واكتشاف الحقائق التي أخفيت عنهم كفيل بأن يطيح بعروشهم وإسقاط أنظمتهم القائمة أصلاً على آليات (التسنن) التي كفلت لهم ولفترات طويلة البقاء في السلطة بل وتوريثها في بعض البلدان انطلاقاً من عدم جواز الخروج على الحاكم وإن كان جائراً باعتباره ولي الامر.

وبالعودة للجذور التأريخية لقضية انتشار التشيع نجد الكثير من الرواة والمحدثين تحدثوا عنها ومنهم مسدد بن مسرهد الذي كتب لاحمد بن حنبل يستفهمه عن الصراعات الفكرية المختلفة وموقف (أهل السنة) منها حيث شهد زمنه انتشاراً واسعاً لأفكار كثيرة وحضور لفئات وعقائد متعددة ومنهم الشيعة الإمامية، وأمام قوة حججهم وفكرهم المستند على إرث أهل البيت عليهم السلام تنازل ابن حنبل قليلاً عن تشدده تجاههم وهو الذي كان يشكل على الشيعة قولهم ان علي بن ابي طالب عليه السلام أفضل من أبي بكر وأن اسلامه كان أقدم من إسلام أبي بكر، واعتبر القائل بهذه الأقوال قد (رد الكتاب والسنة)1.

وفي زمننا الحاضر، وبعد ما شهده العالم من تطور تكنلوجي واتصالي كان لابد من خروج الأفكار التي تم التعتيم عليها سابقاً بإرادات وأجندات عدائية ان تخرج للضوء وتميط اللثام عن الكثير من الحقائق، وليس غريباً ان يصدر مركز للدراسات الإقليمية في السودان دراسة تؤكد تزايد أعداد المتشيعين في السودان أغلبهم من الشباب الجامعي حتى صار عددهم بالآلاف ووصفت الدراسة هذا الموضوع بالخطير جداً.

إن سبب تشيع هذه الأعداد في بلدان يغلب عليها طابع التسنن وهي التي كانت -حتى وقت قريب- تعتبر الروافض أهل بدعة وخارجين عن الدين وغيرها يرجع من وجهة نظرنا لعاملين رئيسيين:

العامل الأول/

ظهور جماعات متشددة تبيح دماء الأبرياء كتنظيم القاعدة وداعش وبوكو حرام وغيرها من الجماعات المسلحة المتطرفة التي ترجع في عقائدها إلى أكثر المذاهب تطرفاً وتشدداً وهو المذهب الوهابي، ولم تستطع الحكومات ولا المؤسسات الدينية التي تدعم هذه التنظيمات مالياً وسياسياً وعقائدياً بالخفاء التغطية على جرائم هذه الجماعات او تبريرها للعامة بأنها أعمال جهادية، لأن جرائم تلك الجماعات لم تقتصر على فئة الشيعة التي تم تكفيرها واستباحة دماء من يتبناها بل امتدت حتى لمن هم خارج التشيع في حوادث كثيرة، أبرزها حادثة إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة وكيف أن حادثة الإحراق هذه ارعبت المجتمعات التي كانت تنظر لهذه الجماعات على أن أفرادها مجاهدون يقاتلون الكفر وإذا بها تشاهد هذا الطيار يحترق بتهمة الارتداد في حادثة تذكر بحادثة احراق الفجاءة الأسلمي2 الذي أحرقه أبو بكر حياً في أول حادثة لحرق الإنسان في الإسلام.

كما أظهرت تجربة تنظم داعش الإرهابي خصوصاً في العراق وسوريا الوجه القبيح لهذا الفكر الإجرامي المتطرف وكيف ان أفراده مجردون من كل ما يمت للإنسانية بصلة، فإن كانت عقيدتهم تبيح لهم قتل الشيعة وتستحل دماءهم فأن الإنسان السني البسيط يسأل مثلاً هل أن الفتيات الأيزيديات اللواتي تم خطفهن واغتصابهن بأبشع الصور شيعيات رافضيات؟!

هل أن المسيحين الذين قُتلوا وهُجروا وصودرت ممتلكاتهم هم شيعة إمامية؟

ماذا عن الآثار الحضارية التي تم تهديمها في الحضر وتدمر فهل هي من آثار الرافضة؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير تدور في رأس الإنسان السني والتي لا يجد لها إجابات من مشايخه الذين يجتهدون في الفرار منه ومن أسئلته تاركيه في دوامة من الشك ما يجعله يبحث عن بوصلة فكرية ترشده لطريق الصواب.

العامل الثاني/

تنامي ظاهرة السجال الإعلامي خصوصاً في وسائل الإعلام المرئية والقنوات التلفزيونية حيث كثر الحديث عن هذه الظاهرة، ولسنا هنا بصدد تأييد أو معارضة هذه الظاهرة السجالية بقدر ما نريد التأكيد على أن المشاهد ذكي جداً لدرجة التمييز بين طرح هذا الطرف وذاك، فبين كثرة القنوات الفضائية التي يشاهدها تدعو لتسقيط المذهب الشيعي بحجج لا حظ لها على الصعيد العلمي والمعرفي وتصف القتلة بالجهاديين المدافعين عن الدين والسنة، يشاهد بالمقابل قنوات بإمكانات بسيطة تطرح أفكارها مستندة على مصادر متنوعة ومعتبرة حتى عند المخالف رغم مايؤخذ عليها من حالة الجهر بسب ولعن شخصيات تعتبر (رموزاً) عند الآخرين، والمشاهد هنا يقارن بين الحالتين خصوصاً عند اكتشافه لحقائق موجودة ومثبتة في مصادره تم التعتيم عليها او انه استمع لتوجيهات بعدم مطالعتها وهكذا.

ولحد هذه اللحظة، لا تريد الحكومات ولا المؤسسات الدينية المتشددة أن تعترف بأن سياسات وآليات القمع الفكري لا فائدة منها بل العكس هو النتيجة الحتمية لهذه الآليات التي لاشك أنها ستولد ردات فعل معاكسة.

ولعل حادثة قتل الشيخ المصري الشهيد حسن شحاتة -رحمه الله- خير دليل على ماذهبنا اليه، فما أن جرت هذه الحادثة الفظيعة التي تعرى فيها الفكر السلفي حتى انتشر التشيع في مصر بسرعة غريبة ارهقت السلطات هناك والتي ذهلت بسبب الإقبال الكبير على شراء كتب ومؤلفات الشيعة الإمامية في معرض القاهرة الدولي للكتاب. كما ان السلطات ضيقت على شيعة مصر في عاشوراء ومنعتهم من أداء طقوسهم وشعائرهم حيث قامت بإغلاق مشهد الإمام الحسين عليه السلام في سابقة جعلت الكثير من الأصوات الإعلامية والأكاديمية ترتفع وتستفهم عن مستقبل الحريات ومنها الدينية في مصر.

كما تعرض الفنانون المصريون الذين قدموا إلى بغداد للمشاركة في مهرجان ثقافي فني للتضامن مع أهالي ضحايا مجزرة سپايكر الدموية لحملة تسقيط واسعة وصلت لدرجة تكفيرهم وإخراجهم عن الإسلام وتهديدهم بالقتل واتهامهم باستغلال جماهيريتهم الواسعة من أجل نشر التشيع في مصر، في الوقت الذي لم يصدر الأزهر أي بيان إدانة لهذه الممارسات الطائفية بل اكتفى بالإشارة لها على استحياء بعد ان شاهد غضب الجماهير التي وقفت إلى جانب الفنانين الذين دافعوا بقوة عن موقفهم في وسائل الإعلام وبينوا للشعب أبعاد هذه القضية وكيف أن الضحايا مسلمون يتشهدون الشهادتين وتم قتلهم بدم بارد من قبل زمر التكفير والإرهاب التي لا تمت للإسلام بأية صلة لينقلب سحر المتشددين عليهم.

واليوم، يحاول الأزهر بكل ما أوتي من إمكانيات وبشتى السبل والوسائل إعاقة قضية انتشار التشيع لدرجة إعلانه عن إقامة مسابقة لطلبته وبمكافآت مالية كبيرة للكتابة في مخاطر انتشار التشيع في بلاد السنة وأسبابه وطرق مكافحته، ما يعكس قلقاً واضحاً في هذه المؤسسة التي كثر الكلام عن هيمنة المؤسسات الدينية المتشددة في السعودية عليها وعلى قراراتها وآليات عملها بعد ان كانت في نظر الكثيرين مؤسسة للوسطية والاعتدال، ولا مشكلة - بطبيعة الحال - من إجراء مسابقة للكتابة والبحث في شأن علمي وثقافي لكن وضع عنوان (مخاطر انتشار التشيع) يوحي للطالب المتقدم للمسابقة بكارثة قادمة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المصادر التي سيعتمدها الطالب في بحثه ودراسته وهي تقطر سماً وغيظاً على التشيع مايجعله يخلص في الأخير إلى ما خلص له الأسلاف من نتائج لم تقدم للمجتمع الإسلامي غير الإنقسام والكراهية واستباحة الدماء المحرمة.

....................
1. طبقات الحنابلة لابن ابي يعلى ج1ص344
2. ينظر تاريخ الطبري ج2 ص493 وتاريخ دمشق لابن عساكر ج30 ص418 و422
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0