رغم أنَّ تقريراً تفصيلياً صدرَ عن وزارة الاستخبارات الإسرائيليَّة تحدث عن مخاطر الاجتياح الأرضي لقطاع غزة، إلا أنَّ حكومة نتنياهو بدأت بالفعل اعتماد هذا الخيار ولو ببطءٍ شديدٍ وخسائر لا يتمّ الإعلان عنها من جانب إسرائيل. التقرير الذي صدر في الثالث عشر من شهر تشرين الأول، أي بعد ستة أيام من عمليَّة طوفان الأقصى، ذكر أنَّ طول أمد القتال في غزة يزيد من مخاطر انفتاح جبهة الشمال مع لبنان.

أمين عام حزب الله الذي كان الجميع، في الغرب وإسرائيل والمنطقة، ينتظر ظهوره ليعرف منه احتمالات توسيع رقعة الحرب، لم يطمئن الجانب الإسرائيلي بل أبقاه أمام لغز هذا الموقف، عندما قال إنَّ التعامل سيكون ردّاً بالمثل على أي عدوان إسرائيلي، وإنَّ دخول الحزب للحرب مرهونٌ بتطور مجرياتها. هكذا أبقى احتمال الانخراط في هذه الحرب وارداً، وبالتالي استمرار المخاوف الإسرائيليَّة التي تضع ثلث قواتها على هذه الجبهة.

التقرير الأمني الإسرائيلي يرسمُ ثلاثة خيارات لتل أبيب في غزة، الأول: بقاء السكان في غزة وتسليم الحكم الى السلطة الفلسطينيَّة، وهو خيارٌ صعبٌ – حسب التقرير- بسبب رفض أهالي غزة للسلطة الفلسطينيَّة الموجودة في رام الله والتي كانت في غزة وانسحبت منها.

كما أنَّ السلطة الفلسطينيَّة التي يرأسها أبو مازن هي- حسب هذا التقرير- معادية لإسرائيل، وإنَّ القبول الإسرائيلي بها في الضفة الغربيَّة، يأتي بسبب وجود القوات الإسرائيليَّة الى جانبها، ووجود المستوطنات التي تقطع أوصال مناطق السلطة، وهو ما يؤمن للقوات الإسرائيليَّة إمكانيَّة السيطرة على الضفة. ومع ذلك فإنَّ التقرير يصفُ السلطة الفلسطينيَّة بالكيان المعادي والآيل للسقوط، وبالتالي فإنَّ تمكينها من غزة سيعيدُ القوة لها ويمهّد الطريق أمام إقامة الدولة الفلسطينيَّة، خصوصاً أنَّه من الصعب استقطاب اليهود الى مستوطنات تخترق الضفة، التي تختنق بالفلسطينيين أساساً.

هنا سيكون وجود القوات العسكريَّة الإسرائيليَّة في غزة محل إدانة دوليَّة وستتعرض الى ضرباتٍ يمكن للسلطة الفلسطينيَّة التنصل منها.

أما الخيار الثاني الذي يضعه التقرير الإسرائيلي لـ»لمعالجة» قضيَّة غزة، فهو إبقاء السكان في غزة واستحداث سلطة عربيَّة محليَّة من أوساطهم، بعد توغلٍ وحكمٍ عسكريٍ يصفه التقرير بالمؤقت. هذا الخيار يستبعده التقرير لما فيه من مخاطر القتال على الجنود الإسرائيليين وسقوط أعدادٍ كبيرة من المدنيين وهو ما سيقلل من التأييد الخارجي للموقف الإسرائيلي.

ويصلُ التقريرُ الى الخيار الثالث وهو: إخلاء سكان غزة الى سيناء المصريَّة. هذا الخيار نصح به التقرير عندما وصفه بأنَّه «الخيار الذي سيحقق نتائج استراتيجيَّة إيجابيَّة طويلة الأمد بالنسبة الى إسرائيل». ويرى التقرير أنَّ هذا الخيار قابلٌ للتنفيذ بتوفر شرطين هما، «صرامة الحكومة في مقاومة الضغط الدولي»، و»استقطاب دعم الولايات المتحدة والدول المؤيدة  لإسرائيل».

واضحٌ أنَّ الخيار الثالث هو الذي اعتمدته إسرائيل وبدأت بتنفيذه. بعد أسبوعٍ من بدء العمليات بدأ الحديث عن تهجير الغزاويين الى سيناء. هذا الخيار ينسجمُ مع ما تردد عن خطة مرسومة مسبقاً وجدت ظروف تنفيذ مرحلتها الأولى وهي ترحيل فلسطينيي غزة الى سيناء، وبعدها ترحيل سكان الضفة الى الأردن أو صحراء الأنبار العراقيَّة. التقرير الإسرائيلي يتحدث عن إعادة التوطين في سيناء وبناء منطقة عازلة أمنياً داخل الأراضي المصريَّة. في المراحل يتحدث التقرير عن توغلٍ تدريجي داخل غزة بدءاً من الشمال ثم التحرك جنوباً حتى إكمال إخلاء القطاع. الجانب المصري أعلن رفضه فكرة التوطين في سيناء، لكنَّ متحدثين مصريين غير رسميين بدأوا بإعطاء إشارات حول إمكانيَّة حدوث ذلك اعتماداً على الثمن الذي يعطى الى مصر.

يتضحُ جليّاً أنَّ الموضوع ليس القضاء على حماس إنما هو أبعدُ من ذلك، والموقف الغربي داعمٌ حتى الآن لإسرائيل رغم فظائع الانتهاكات في غزة.

...........................................
* الاراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية. 

اضف تعليق