أربعة سيناريوهات لإيران ما بعد الحرب

ترامب يريد تغيير النظام ولكنه لا يريد الفوضى التي ستعقبه

إسقاط النظام لن يؤدي بالضرورة إلى الديمقراطية المأمولة بل إلى فراغ فوضوي، مستعرضاً أربعة سيناريوهات لمستقبل البلاد؛ النتيجة الأكثر ترجيحاً ليست الديمقراطية أو عودة الملكية، بل إحكام "الحرس الثوري" سيطرته التامة على السلطة لتأسيس نظام عسكري، قومي، واستبدادي، وهو ما قد يفرض تحديات غير متوقعة ويعيد تشكيل التحالفات الأمنية...

في مقال نُشر عبر مجلة "فورين بوليسي" (Foreign Policy)، يُسلط الكاتب وأستاذ العلوم السياسية مارك لينش الضوء على التداعيات المعقدة لأي حرب أمريكية محتملة ضد إيران في ظل إدارة ترامب. حيث يستبعد سيناريو الغزو البري الشامل، متوقعاً أن تكتفي واشنطن بضربات جوية تستهدف القيادة الإيرانية والمنشآت الحيوية دون وجود خطة واضحة لـ"اليوم التالي". ويُحذر الكاتب من أن إسقاط النظام لن يؤدي بالضرورة إلى الديمقراطية المأمولة بل إلى فراغ فوضوي، مستعرضاً أربعة سيناريوهات لمستقبل البلاد؛ حيث يرى أن النتيجة الأكثر ترجيحاً ليست الديمقراطية أو عودة الملكية، بل إحكام "الحرس الثوري" سيطرته التامة على السلطة لتأسيس نظام عسكري، قومي، واستبدادي، وهو ما قد يفرض تحديات غير متوقعة ويعيد تشكيل التحالفات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

فيما يلي الترجمة الكاملة للمقال:

هناك أمر واحد مؤكد بشأن الحرب الأمريكية المرتقبة على نطاق واسع ضد إيران: إذا حدثت، فلن تتضمن احتلالاً للبلاد. لقد كانت الولايات المتحدة ترسل حاملات طائرات ومعدات دعم إلى الخليج، وليس قوات برية استكشافية للغزو، ولا يوجد أي دليل علني على أي تخطيط لوجود طويل الأمد في إيران. وإذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متسقاً في أمر واحد بالمنطقة، فهو الحاجة إلى تجنب احتلال آخر على غرار ما حدث في العراق، والذي وصفه بأنه "خطأ فادح وكبير". وكما حدث مع القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير، ومقتل قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في عام 2020، والضربة الإسرائيلية التي استهدفت تصفية قيادة حزب الله متمثلة في حسن نصر الله في عام 2024، فمن المرجح أن تستهدف الولايات المتحدة كبار القادة في إيران إلى جانب الأجهزة القمعية للنظام، ثم تترك الأمور لتأخذ مجراها.

إذن، إلى أين ستؤول الأمور؟ بالطبع، يمكن لإيران أن ترى نفس الأشياء التي نراها، ومن غير المرجح أن تؤخذ على حين غرة. تتذكر طهران جيداً كيف استخدمت الولايات المتحدة المفاوضات المجدولة كستار دخاني لإغرائها بخفض حذرها قبل هجوم مفاجئ في يونيو الماضي، ومن غير المرجح أن تنطلي عليها نفس الحيلة مرة أخرى. لقد حصنت مواقعها تحسباً لذلك؛ حيث تم حشد ونشر القوات الأمنية بالكامل بعد القمع الوحشي للاحتجاجات الأخيرة، وقد أمضوا أشهراً في استئصال الأصول الاستخباراتية الإسرائيلية المشتبه بها بجد ومثابرة (ولا شك في أنهم اعتقلوا العديد من الأبرياء في هذه العملية). إن النجاح الملحوظ الذي حققته إسرائيل في استهداف مسؤولين إيرانيين كبار في يونيو الماضي يدل على مدى اختراق المخابرات الإيرانية، ويشير إلى أن المرشد الأعلى للبلاد، آية الله علي خامنئي، وكبار قادتها لا ينبغي أن يناموا قريري العين. قد يُقتلون بالفعل، لكن ذلك لن يكون بسبب نقص الاستعداد.

سواء من خلال صفقة أو حرب، يبدو أن هدف ترامب هو الإنهاء الحاسم لصراع الولايات المتحدة الذي دام عقوداً مع إيران. لكن الانتصارات الحاسمة غالباً ما تكون بعيدة المنال. وإذا حقق القصف نجاحاً دون عواقب كارثية فورية، فسيعلن ترامب النصر وينتقل إلى الخطوة التالية. لكن الشعب الإيراني والشرق الأوسط ككل سيعيشون مع آثار هذا الدمار لسنوات قادمة. وحتى الحملة الجوية الأكثر تدميراً ضد النظام الإيراني لن تثبت أنها انتصار دائم أكثر من إعلان الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن سيئ السمعة بـ "إنجاز المهمة" في العراق.

إن حملة القصف التي لا تقضي على قيادة النظام ستبدو على الأرجح وكأنها تكرار لحرب إسرائيل التي استمرت 12 يوماً مع إيران في الصيف الماضي، حيث دمرت بعض المنشآت النووية الإيرانية وأضعفت القدرة القمعية للنظام بينما قتلت عدداً من القادة. لطالما كان التقييم الاستخباراتي القديم بأن حملة القصف ستؤخر البرنامج النووي الإيراني بضع سنوات في أحسن الأحوال عاملاً مثبطاً رئيسياً في جولات سابقة من "حمى الحرب" ضد إيران. ولا يوجد سبب خاص يدعو للاعتقاد بأن هذه المرة ستكون مختلفة. فيبدو أن قادة إيران يتوقعون مثل هذا الهجوم ويستعدون لاحتواء عواقبه.

قد يثبت أن مثل هذا الهجوم مفيد للنظام؛ إذ من المرجح أن يؤدي بقاء القيادة إلى كبح موجة أخرى من الاحتجاجات المناهضة للنظام، على الرغم من أن الدوافع الكامنة وراء السخط تجعل من غير المرجح أن يدوم هذا التوقف طويلاً. يمكن لإيران بعد ذلك أن تتوقع المزيد من العقوبات الغربية، والتي من شأنها أن تزيد من بؤس المجتمع وتضعف القدرة القمعية للنظام، لكنها لن تفعل الكثير لكبح سياساته الإقليمية أو إعادة بناء برامجه النووية والصاروخية. بعبارة أخرى، فإن الدمار والمخاطرة سيعيدان ضبط الوضع الراهن الذي طال أمده، وهو وضع طالما ازدهر فيه الحرس الثوري الإيراني وحلفاء النظام على حساب الجميع.

ولكن لنفترض أن الولايات المتحدة قتلت خامنئي بالفعل وتسببت في سقوط النظام مع رفضها لعب أي دور في الاحتلال الذي يعقب تغيير النظام. كيف ستبدو إيران في الواقع وكيف قد تؤثر على المنطقة؟ تنتهي معظم التحليلات عند انهيار النظام، على افتراض أن أي شيء سيكون أفضل من الجمهورية الإسلامية أو أن الكارثة ستلتهم الجميع. لكن النتيجة الأكثر ترجيحاً تكمن في "المنتصف الفوضوي".

هناك أربعة سيناريوهات محتملة:

1. ظهور جمهورية ديمقراطية: سيكون هذا ما يفضله العديد من الإيرانيين، لكنه النتيجة الأقل ترجيحاً لتغيير نظام ناتج عن الغارات الجوية وحدها. ستُترك إيران في فراغ مؤسسي، ودمار اقتصادي وفي البنية التحتية، وبدون أي مساعدة مجدية من الخارج. ترامب لا يهتم بالديمقراطية على الإطلاق، والمثال الأبرز على ذلك هو فنزويلا. ليس لديه "خطة لليوم التالي" في إيران، ومعظم موظفي الحكومة الأمريكية الذين ربما صاغوا مثل هذه الخطة في يوم من الأيام قد تم إعفاؤهم من مناصبهم منذ فترة طويلة.

2. استعادة النظام الملكي: قد يفضل بعض الأمريكيين والإسرائيليين وقادة الخليج استعادة الشاه رضا بهلوي، لكن وضعه على العرش وحمايته سيتطلب على الأرجح مساعدة عسكرية خارجية كبيرة. لا أحد يريد تقديم هذه المساعدة، والقليل من الإيرانيين داخل إيران (على عكس الشتات) مهتمون بذلك. سيضغط حلفاء بهلوي الإسرائيليون وجماعات الضغط الأمريكية الصاخبة لمنحه فرصة، لكن استنساخ "المنطقة الخضراء" في بغداد وتطبيقها في طهران لن يحظى بشعبية وسط دمار إيران ما بعد الحرب.

3. فشل الدولة والانهيار نحو حرب أهلية: هي نتيجة أكثر ترجيحاً من الديمقراطية أو استعادة النظام الملكي. هناك تباين مهم في السياسات بين اللاعبين الخارجيين حول هذه المسألة. قد لا تمانع إسرائيل إطلاقاً في رؤية إيران مقسمة وضعيفة ومجزأة ومستنزفة بحرب أهلية وانقسام عرقي. لكن لا يبدو أن الولايات المتحدة تشاركها هذا التوجه. إن تبنيها لنظام أحمد الشرع في سوريا (وترفيعها الساخر لنائب رئيس مادورو في فنزويلا) يشير إلى أنها تفضل الاستقرار في ظل أي نظام متاح. وقبل كل شيء، تريد دول الخليج تجنب زعزعة استقرار أخرى في الشرق الأوسط بأي ثمن، مع كل ما يترتب على ذلك من لاجئين وإرهاب وعدم استقرار. أولويتها القصوى في هذه المرحلة هي تجنب أن تؤدي إيران المنهارة إلى جر بقية المنطقة إلى فوهة الجحيم، مما يزعزع استقرار العراق وسوريا، فضلاً عن احتمال تعطيل شحن النفط.

4. سيطرة الحرس الثوري الإيراني (وهو النتيجة الأكثر ترجيحاً): في حال نجاح تغيير النظام، فإن النتيجة الأقرب هي استيلاء الحرس الثوري الإيراني على السلطة، والذي سيكون القوة الأفضل تسليحاً والأقوى نفوذاً في بيئة انتقالية فوضوية. من المرجح أن يظل هذا النظام العسكري الإيراني خاضعاً للعقوبات وغير مستقر، وقد يستغل الغضب القومي ضد الهجوم الأمريكي لتعزيز سيطرته. والسؤال الرئيسي هنا هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعدل بالفعل استراتيجية الاستهداف الخاصة بها للحفاظ على القدرة القمعية للدولة سليمة لتجنب السيناريو الأسوأ المتمثل في فشل الدولة - حتى لو جاء ذلك على حساب المتظاهرين الذين تعرضوا للقمع الوحشي مؤخراً، والذين يتوقون إلى وضع أفضل.

قد يكون لنظام يقوده الحرس الثوري الإيراني عواقب غير مقصودة. إن التهديد الذي تشكله الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو ما يحافظ على تماسك النظام الذي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وهو تهديد يمكن إدارته، ولكنه يشكل خطراً يكفي لتبرير الحاجة إلى علاقات قوية مع الولايات المتحدة والتعاون مع إسرائيل. وقد لا يكون النظام الإيراني القومي والمؤهل ولكن غير الثوري- مهدداً بما يكفي لاستدامة هذا المنطق، مما قد يسرع من فك ارتباط المملكة العربية السعودية وغيرها من القوى الإقليمية عن الولايات المتحدة التي تتزايد تقلباتها وتقل موثوقيتها.

للمفارقة، قد يصبح مثل هذا النظام شبيهاً بالمملكة العربية السعودية في ظل ولي العهد محمد بن سلمان: قمعي ومستبد بوحشية، ولكنه منفتح اجتماعياً وتواق للاستثمار الدولي. بعبارة أخرى، قد يكون السيناريو الأفضل بعد كل هذا الموت والدمار هو نظام إيراني قومي وسلطوي وأكثر جرأة، ومتحرر من المظاهر غير الشعبية لمرشد أعلى طاعن في السن ومؤسسة دينية. قد يكون قادة الخليج مستعدين للتعايش مع ذلك، ولكن هل تستطيع واشنطن؟

* مارك لينش: أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن ومدير مشروع العلوم السياسية في الشرق الأوسط. أحدث مؤلفاته هو كتاب *"الشرق الأوسط الأمريكي: تدمير منطقة".

اضف تعليق