الملوك والطغاة المستبدين فإن همهم في المنجز والعمل يكاد أن يكون محصورا في دائرة الأنا المفرطة في الذاتية النرجسية، والتي تصنع أيضا شرط داخلي فيها وهو إزاحة أو إزالة الأخر الخصم أو المنافس من قائمة الوجود في الحياة وفي التاريخ، وهو ما يفسر الى حد كبير تلك الحروب التي...
يتشكل المعنى اللغوي في لفظ "الخلد" في دلالة البقاء ودوام الحال وهو أول معنى تضعه معاجم اللغة في دلالة هذا اللفظ والمعنى البكر فيه ويشتمل في كل اشتقاقاته على ذلك المعنى.
وفي لسان العرب (خَلَدَ يَخْلُدُ خُلْداً وخُلوداً: بقي وأَقام، ( وقبل ذلك كان يقرنه بشرط الدار فيقول (الخُلْد: دوام البقاء في دار لا يخرج منها)، وفي دلالة البقاء والدوام يذكر أن المخلد من الرجال هو (الذي أَسن ولم يَشِب كأَنه مُخَلَّد لذلك)، أو المخلد هو (أَبطأَ عنه الشيب كأَنما خلق لِيَخْلُد)، ويقال لمن بقى سواد شعره مخلد، ويقال لمن لم تسقط أسنانه وتبقى على حالها مخلد، ويقال للأثافي خوالد لأنها تبقى بعد درس الأطلال، ويقال للجبال والحجارة خوالد لطول بقائها.
وأسهمت لغة العرب في تقسيم البقاء الى أصناف في فعل الوجود وحال الوجود، فمن البقاء الدوام ومن البقاء الأحقاب ومن البقاء الأبد أو هي من متلازمات الخلود، وقد جاءت التصنيفات بمختلف الصياغات اللغوية في القرآن الكريم وكل صياغة لها معنى ينضم الى المعنى العام في السياق.
وقد وردت مشتقات كلمة الخلد 86 مرة في القرآن الكريم وهي تؤشر دلالة التصنيف في الزمان الذي هو في وظيفة الفعل الإلهي فالزمان هو التاريخ الكوني للفعل الإلهي، والخلود في الفعل الإلهي هو مشتق من الشأن الإلهي في الخلود الأبدي والبقاء السرمدي، ويبدو أن النفخة الإلهية في الروح البشري هي التي اصطحبت ومهدت الى ذلك النزوع في الرغبة في الخلود عند الإنسان، وقد جاشت نفسه بتلك الرغبة في المحاورة مع النفس حول الشجرة في الجنة قال تعالى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) الأعراف:20-.
وهكذا كان النزوع نحو الخلود عنصر الإثم الأول في التاريخ المبكر للإنسان لكنه الخلود الجامح نحو التمرد والطغيان أو الجامح عن التمرد والطغيان، والخلود نقيض الزوال وشرطا الخلود هما الزمان والمكان فإذا أذنوا أو قضوا كان هو الزوال، وهو ما يثير قلق الإنسان وحذره من أن يغادره الزمان والمكان أو يغادرهما هو، وهنا تكمن إشكالية الموت وجوديا فالموت زوال الزمان والمكان بالنسبة للإنسان، وهنا يتحول القلق الى هاجس وجودي يبحث عن سبل الخلاص من الزوال وتغذيه الرغبة في النزوع نحو الخلود ذلك الإرث الكامن في المحتوى البشري للإنسان.
ولكن كل هاجس وجودي يحتوى على عنصر مضاد فالهواجس مجموعة متضادات تعيش الصراعات الداخلية وكل عنصر فيها يستند الى شروطه في البقاء، وقد كشفت صحيفة الإثم الأولى عن هاجس القلق المضاد-الزوال في النزوع نحو الخلود باقترانه بشرط المُلك، وفي صحيفة الإثم الأولى كانت وسوسة الإثم (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) وكان ابن عباس يقرأ : "إلا أن تكونا ملِكين " بكسر " اللام" وفيها يكون طموح المُلك أو الملِك نزوع نحو البحث عن الخلود، وهو متلازم السير المَلكية وسلوك الطغاة من الملوك المستبدين الأوائل في التاريخ البشري، ولذا نقشوا صورهم وخلدوا أسماءهم على الحجر وليس في الورق لأن الحجر من الخوالد في طول الزمان بعد دروس الأثار، وأما الورق ومثيلاته من الجلد والكتف واللخاف واللباب وما يكتب فيه بأقلام الحبر وما يحبر فيه بألوان الزهو فإنه في معرض المحو والزوال.
وكان ذلك هو دأب الملوك والطغاة المستبدين فقد انبسطت لهم معالم القوة شرط الملك وشرط الخلود وإغواء المعنى فيه، ولم تكن المجتمعات البشرية تعني بفكرة الخلود بالقدر الذي تعني به بمتطلبات الحياة وضرورات العيش البشري، إذ لا تشير مخلفاتها الثقافية الى اهتمامها بفكرة الخلود باستثناء مخلفات الملوك وأقوال الحكماء الذين كانوا ينطلقون من عوالمهم الخاصة في التفكير والتأمل، وإذا كان أولئك الحكماء يؤسسون للبقاء الإنساني كأحد صيغ الخلود من خلال انجازات العمل لا سيما صيغ الخير فيه كما يستشف في الكثير من أثارهم الحكمية، فإن المجتمعات البشرية كانت تؤسس لفكرة العمل كأحد عناصر البقاء الضروري للحياة البشرية، أي أن المجتمعات البشرية كانت تنطلق من فكرة الضرورة في العمل بينما يفكر الحكماء بأثار هذا العمل على مستقبل الإنسان والحياة.
وأما الملوك والطغاة المستبدين فإن همهم في المنجز والعمل يكاد أن يكون محصورا في دائرة الأنا المفرطة في الذاتية النرجسية، والتي تصنع أيضا شرط داخلي فيها وهو إزاحة أو إزالة الأخر الخصم أو المنافس من قائمة الوجود في الحياة وفي التاريخ، وهو ما يفسر الى حد كبير تلك الحروب التي كان يخوضها الملوك والطغاة المستبدين ضد بعضهم البعض والتي هي تشكل خارطة أو مغزى الحروب في التاريخ البشري، وهو ما يفسر أيضا تلك النهايات المأساوية والانتقامية التي تختم بها حياة الأسر الملكية على يدي بعضها البعض من السجن لأفرادها وسمل العيون لأمرائها وحرق الأجساد لرجالها وسبي أميرات القصور الملكية واستحلال كل انتهاك في تلك البيوت، التي كانت في يوم ما حاكمة طاغية مستبدة لأنها تنافس ملك أو طاغ مستبد قد بزغ نجمه واستهل فرعه، فالبحث عن الخلود في عرف الملوك والطغاة المستبدين غير خاضع للمشاع أو متاحا للعموم من الأفراد.
وقد سعت بعض المفاهيم الثقافية الحديثة الى ترويج فكرة أو ثقافة الخلود في تفسير ذلك الميل الفطري أو النزوع الإنساني نحو العمل من أجل الخير وانجاز المعروف رغبة إنسانية أساسية ونزعة ماثلة في النفس البشرية نحو الخلود، ووظفت في ذلك تأويلات أساطير تاريخية قديمة منحتها ذلك التأويل الذي يظل دائما في سيرورته الفكرية يمارس اسقاطات ذاتية–فكرية أو نفسية على النصوص، وقد كانت ملحمة كلكامش في مقدمة الأساطير القديمة التي سعت تلك التأويلات الى دمجها في مفهوم الخلود أو البحث عن الخلود والتعتيم على مفهومه وفكرته كأحد أخطر آثام الملوك والطغاة المستبدين لا سيما أن كلكامش كان أعتى الملوك وأسوء الطغاة المستبدين.
تقول أسطورة كلكامش (لازم أبطال اوروك حجراتهم متذمرين شاكين لم يترك جلجامش ابناً لأبيه، ولم تنقطع مظالمه عن الناس ليل نهار، ولكن جلجامش هو راعي اوروك، السور والحمي، انه راعينا قوي وجميل وحكيم لم يترك جلجامش عذراء لحبيبها ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل واخيراً سمع الآلهة شكواهم فاستدعى الهة السماء رب اوروك وقالوا له: ألم تخلق انت هذا الوحش الجبار؟ الذي لا يضاهي فتك اسلحته سلاح ولم يترك جلجامش ابناً لأبيه او عذراء لحبيبها، وما فتىء يضطهد الناس ليل نهار على أنه هو راعيهم ولكنه يضطهدهم).
ومن أجل استدامة هذا الاضطهاد وخطف ملذات الحياة التي اعتادها كلكامش والخشية من انقضاء تلك الملذات لا سيما مع الصدمة التي تسببت بها نهاية انكيدوا وانقضاء أجله والموت الذي انتهى إليه ليسترد كلكامش من خلال هذا الهاجس المضاد وعيه بأن الحياة فانية وأن لادوام في البقاء إلا للآلهة وهو لا ينتمي كلية الى الآلهة بل نصفه بشري فأراد أن يشارك الآلهة الخلود وأراد أن يتخلص من أثره البشري فيكون بمصاف الآلهة وهو نزوع كل الملوك والطغاة المستبدين، وهنا شرع كلكامش كملك وطاغ مستبد في البحث عن الخلود وسار في سيرة ملحمية من أجل الوصول الى عشبة الخلود، لكن وفي رمزية النهايات الفاشلة والخيبة الوجودية التي تتكلل بها دائما وتنتهي إليها حياة الملوك والطغاة المستبدين فقد تسللت الحية لتسرق كل تاريخ كلكامش وتتغلب عليه وتخطف منه عشبة الخلود ويعود كلكامش خائبا خاسرا.
ولكن التأويلات في أسرار الملحمة تبدو متعاطفة مع كلكامش فتمنحه دفقا من الشعور الإنساني الذي لا يتوافق وطبيعة كلكامش كملك وطاغ مستبد شعورا يتلخص فيه معنى الخلود ودوام الذكر على وجه الأرض بالأعمال الصالحة التي تكفل الخلود للإنسان وتخفي تلك التأويلات أو تتجاهل قيمة الزهد في الخلود في الحياة كشرط أولي وأساسي في الأعمال الصالحة ولكن أرادت أن تمنح تلك التأويلات الخلود معنى دنيويا خالصا وهو المعنى الذي يتشكل فيه البحث عن الخلود كإثم دائم يلازم الملوك والطغاة المستبدين.
لقد كان جنكيزخان طاغية المغول يتحدث عن قتل نصف العالم مع الإبقاء على نصفه الآخر من أجل الخلود في الذاكرة الإنسانية التي يؤدي وظيفتها النصف الناجي من القتل في العالم، فقد سأل عالم مسلم عن الخلود فأجابه هذا العالم أن بقاء الجنس البشري ضروري في تخليد ذكراك فأجابه جنكيزخان أن قتل الألاف والإبقاء على الألاف وهؤلاء هم من يخلدون الذكرى وهي خلاصة حديث ينقله المؤرخ خسروي، وهكذا يتكرس القتل عند الطغاة كوظيفة في البحث عن الخلود وهذا البحث بنفس الوقت يتكرس كإثم يحيط بسيرة الملوك والطغاة المستبدين.



اضف تعليق