لعل من البديهي القول: إن العالم يسير من حولنا بخطى سريعة في مضمار التقدم العلمي والتقني. ولهذا لا يمكننا نحن العرب والمسلمين، أن نقف مكتوفي الأيدي أمام عمليات النمو والثورة المعرفية والمعلوماتية، وسيادة الغير على مجريات الأمور في العالم كله.

ولا يمكن في المقابل أيضا من الاعتماد على حركة التطور الطبيعي التلقائي، لأن ذلك يوسع من الهوة، التي تفصلنا عن العالم المتقدم. فلا بد من الإسراع في ترتيب أمورنا بالأسلوب العلمي والحضاري حتى لا نفقد موقعنا الدولي ودورنا الحضاري.

ولعل من أولويات الترتيب يكون طبيعة الخطوات والمعالجات، التي نقترحها لإنهاء الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم.

إذ أن انحباسنا في الطرق أو الأطر التقليدية والجزئية، لا يؤدي إلى تطور نوعي في مسيرتنا وإنما يجعلنا نراوح في ذات المكان.

إذ أن التطور الرهيب الذي يجري في العالم اليوم، يلزمنا جميعا باختيار الطرق والأساليب والمعالجات ذات الطابع الحضاري الذي ينسجم وتطورات العالم المتلاحقة.

والذي يؤكد ضرورة اختيار المعالجات الحضارية لواقعنا العربي والإسلامي حقيقتان هما:

الحقيقة الأولى: أن الأمة (أي أمة) لا يمكنها اليوم أن تنجز تطلعاتها وتحقق طموحاتها بدون البعد الحضاري في عمليات التطوير والنهوض بواقعها. وذلك أن قوة التطوير والنهوض لا تكتمل وتأخذ مداها الحيوي إلا بالعقلية الحضارية والبعد الحضاري في طرق المعالجة واختيارات العمل والتطوير.

الحقيقة الثانية: أن واقعنا العربي والإسلامي يعاني من أزمة حضارية، تأخذ أبعادا متعددة في مختلف الحقول والمجالات. ولهذا نجد أن أغلب الحلول والمعالجات التي انطلقت من وعي منقوص لا يدرك عمق المشكلة الحضارية التي يعانيها الواقع العربي فشلت في استئصال تلك المشكلات. وذلك لأنه لا يمكن معالجة مشكلات ذات طابع حضاري بأساليب ووسائل لا ترقى في مستوى عملها ومدى تأثيرها إلى عمق المشكلة المتوفرة في الواقع. لهذا من الأهمية بمكان إعادة النظر في الأساليب والوسائل التقليدية التي يستخدمها المجتمع العربي والإسلامي، للخروج من محنته وتجاوز المشكلات التي تحول دون سيطرته على مصيره ومستقبله.

فالواقع العربي بتعقيداته المتشابكة، ومشاكله المتعددة يحتم علينا ضرورة إعطاء الأولوية إلى المشروعات الحضارية التي تتجاوز صغائر الأمور، وتوافه القضايا، وتوجه الامكانات والطاقات، نحو تلك المشروعات الحضارية التي ترفع من مستوى الإنسان وتبلور كفاءاته وتصقل مواهبه.

والسؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو ماذا يعني البعد الحضاري في الواقع العربي؟

الإنسان أولا:

فأول ما يعنيه البعد الحضاري في الواقع هو أن تكون كل اهتماماتنا وجهودنا وطاقاتنا متجهة نحو الإنسان وبناء كفاءاته وتطوير مواهبه. فمشروعات التنمية الاقتصادية ينبغي أن تتجه أولا إلى الإنسان لرفع مستوى أدائه ووعيه الاقتصادي، كما أن مشروعات التنمية الثقافية ينبغي أن تعطي الأولوية إلى الإنسان فهو قطب الرحى، ومحور وركيزة كل المشروعات والتطلعات.

والفرق الجوهري في هذا المجال، بين المعالجات التي تنطلق من وعي حضاري عن غيرها من المعالجات أن الأخيرة تستمر في اللهاث وراء المظاهر والشكليات والمعايير الكمية لا تغير إلا ظاهر الأمور. بينما المعالجة الأولى تتفاعل بوعي مع الراهن وتدرس معطياته، وتسعى نحو التأثير فيه بل صنعه، وفي ذات الوقت لا تنسى أبعاد العمل الأخرى، بل تمارسها وتتفاعل معها بنفس المستوى والاهتمام. وذلك لأن الإنسان هو الرأسمال الحقيقي لأي مجتمع ووطن. إذ أن كل مشروعات الوطن بحاجة إلى ذلك الإنسان الكفء والقادر على إدارة ورش العمل ومشروعات التنمية المختلفة.

الاهتمام بمشروعات البناء:

ثمة ميزة أساسية تميز نمط التعاطي مع الشؤون العامة انطلاقا من وعي وإدراك حضاري عن غيرها من الأنماط الكلاسيكية.

وهي أن الوعي الحضاري يعلي من شأن المشروعات ذات الطابع البنائي، وتبتعد بكل إمكاناتها وقدراتها عن تلك المشروعات التي تعطي الأولوية إلى الهدم وتقويض القائم من الأمور والقضايا. وإن حضور البعد الحضاري يعني إعطاء الأولوية إلى تلك المشروعات التي تقدم للإنسان ربحا وتذلل له عقبات في طريقه وتزيل من مساره كل القضايا التي تمنع بناء المؤسسات ومشروعات البناء في المجتمع.

إننا بحاجة أن نولي أهمية قصوى، إلى تلك المشروعات التي تشعل شمعة بدل أن تلعن الظلام، وإلى تلك المشروعات التي تعتني ببلورة البديل أكثر من تلك المشروعات التي تصف الداء فقط، وذلك لأن التقدم لا يتحقق إلا بمشروعات البناء.

وبدون البناء وخلق البدائل، لا يمكن أن ينجز التقدم حتى لو كانت توصيفاتنا وتشخيصاتنا للواقع سليمة.

فمربط الفرس في هذا الإطار هو قدرة المجتمعات العربية والإسلامية، على بلورة وخلق البدائل والانخراط في مشروعات البناء والتطور المنسجمة وخصوصيات هذه المجتمعات.

وإن استمرارنا في لعن الغرب وشتم العدو الخارجي لا ينهي مشاكلنا ولا يوصلنا إلى ما نتطلع إليه.

إننا بحاجة أن نسند رؤيتنا بواقع وحقائق منسجمة وتلك الرؤية، وهذا هو ما نقصده بالعناية بمشروعات البناء.

وحتى نصل إلى هذا المستوى، نحن بحاجة دائما وأبدا أن نعتني بالإنسان ونعتبره على المستوى الفعلي وليس النظري فقط هو محور كل المشروعات وقطب الرحى في كل عمليات التقدم والتطور. فجوهر التقدم يكمن في تقدم الإنسان. فلا يفيدنا شيئا أن نستورد كل أشكال وسلع التقدم، ولكن إنساننا متخلف ولا يمتلك المؤهلات الكافية للتعامل الحضاري مع هذه السلع. فالأولوية دائما تكون للإنسان لأنه هو الوحيد الذي يتمكن من خلق حقائق التقدم في الواقع المجتمعي. والرؤية الحضارية تقتضي تنمية الإنسان وتطوير كفاءاته ومواهبه وكلما تمكن المجتمع عبر مؤسساته ومشاريعه، من تنمية إنسانه كانت فرص تقدمه عظيمة ومواتية.

فحجر الزاوية في كل مشروعات التنمية والبناء، هو الإنسان. لذلك ينبغي أن تتوجه إليه كل الإمكانات والطاقات والقدرات. والمهمة الكبرى والمسؤولية العظمى التي ينبغي أن يشارك في تأديتها الجميع، هي تنمية الإنسان وتأهيله في مختلف المجالات والحقول.

اضف تعليق