يعتبر انتهاك جسد الطفل من القضايا الحسّاسة التي يرفض المجتمع المغربي الاقتراب منها، وذلك من قبيل اعتبارها منطقة شائكة تؤذي النفس الإنسانية، لكن الحقيقة أنّ ظاهرة التحرّش الجنسي بالأطفال أصبحت تنمو للتحوّل إلى مصدر خطورة يهدّد الأطفال الذين هم أمانة في أعناقنا.

وللأسف، فعادة وقوع حادثة التحرش بالأطفال تكون مغلّفة بالسرية والكتمان خوفاً من الفضيحة، وما يصل للإعلام والناس هي حالات نادرة جداً، وذلك يعود للعادات والتقاليد البالية والبنى المتخلفة، والبيئات المزدحمة التي تنشأ فيها طبقة اجتماعية بسيطة لا تعلم أنها تستطيع أن تلجأ إلى القضاء والشرطة لحمايتها وحماية أطفالها في حال تعرّضوا للتحرش، إضافة للتخلف والفقر والجهل، وعدم توفر بنى مؤسساتية واجتماعية كلها تشكّل أرضية مناسبة للمتحرش ليمارس فعلته.

التحرش الجنسي بالأطفال يهدد المجتمع:

لقد كشفت دراسة جديدة عبارة عن تقرير وطني للبرنامج الدولي "PISA 2018"، الذي أعده المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بتعاون مع الوكالة الأمريكية لتحدي الألفية، أن 44 في المائة من التلاميذ المغاربة صرحوا أنهم كانوا ضحايا تحرش جسدي أو لفظي أو علائقي، مرة واحدة في الشهر على الأقل. هذه دراسة حديثة شارك فيها 7 آلاف و218 تلميذة وتلميذا، يبلغون 15 سنة، وموزعين على 180 مؤسسة تعليمية. وبرغم أنّ هذه الحالات التي جرت وتجري هي حالات فردية إلاّ أنّها سبّبت للمجتمع القلق والتوتّر والرعب للآباء والأمهات.

وبرغم أنّ 10 في المائة فقط من الحالات التي يقوم أولياء الأمور بالإبلاغ عنها، فهذه الجرائم كما أكّدت البحوث الاجتماعية فمسؤوليتها تقع على عدّة جهات منها وزارة التربية والتعليم وافتقاد الوعي في الأسرة وغياب الأمن الداخلي بالمدارس وعدم الانضباط وغياب الرقابة في معظم المدارس الحكومية، فضلا عن أنّ هذه الجريمة كما يقول الأطباء الخبراء قد تختفي علاماتها ويصعب إثباتها في حالة عدم وجود شاهد إثبات حيث يتنوّع وقوعها، وقد لا تحدث أيّ آثار خارجية مادية أو ظاهرة، وقد تحدث من الخارج وبالملامسة فقط وهو الأمر الذي قد أفلت منه العديد من المتهمّين في هذه القضايا، حيث لا تعدّ قضايا اغتصاب مثل التي تقع للأنثى.

العنف الجنسي يقضي على أمان الأطفال:

وإذا كنّا ما زلنا نعاني من هذا الزلزال الذي يهزّ كيان المجتمع المغربي، من هنا لابد من تشديد الرقابة والتواصل بين الأسرة والمدرسة من منطلق المبادئ والقيم الأخلاقية التي ستظلّ عنوان الأسرة المغربية مصدر الفضيلة والأمن والحماية للأطفال. وبخصوص الأحكام الصادرة في حق مرتكبي العنف ضد الأطفال، تفيد دراسة إلى أنه تجري إدانة تسعة أعشار من مرتكبي العنف المفترضين، ولا يبرأ سوى 12 في المائة منهم، وحوكم 51 في المائة منهم بأحكام مقيدة للحرية، وتأتي أحكام الحبس الموقوفة التنفيذ في مقدمة هذه الأحكام، بنسبة 24 في المائة، تليها أحكام الحبس مع الغرامة بنسبة 15 في المائة، وأحكام الحبس فقط بنسبة 12 في المائة.

وتوضح دراسة استناداً إلى وزارة العدل، أن 68 في المائة من أشكال العنف خارج الأسرة مرتبطة بالعنف الجسدي، مقابل 29 في المائة للعنف الجنسي. ولكننا هنا ندقّ ناقوس الخطر من بعض الأفراد وهم الفئة الضالّة الشاردة والمريضة التي تحتاج إلى علاج نفسي واجتماعي، ونفتح عيوننا وصدورنا للأطفال حتّى لا يتعرّضوا لمثل هذه الفاجعة التي إذا ما تمّ الإسراف في تعنيفهم جنسيا، فإنّنا نقضي بذلك على مصدر الأمان للأطفال، وهو ما يتطلب البحث في هذا الملف شديد الحساسية بلا حياء لعلنا نصل إلى إجابة عن بعض الأسئلة التي أصبحت تتصدّر صفحات الصحف والمجلات من تحرّش جنسي للأطفال... فعلى من تقع مسؤولية التحرّش الجنسي بالأطفال؟

مواجهة ظاهرة التحرش الجنسي بالأطفال ومعالجته:

يؤكّد أحد أساتذة علم الاجتماع، أنّ الظاهرة أصبحت تحتاج لمواجهة وسط زيادة ارتفاع عدد الضحايا بالأطفال الذين يعانون من صدمات نفسية شديدة، وغالبا ما يكون الجاني قد أسيء إليه بنفس الطريقة سواء كانت إساءة جسدية أو جنسية أو عاطفية أو ربّما عانى من الإهمال وهو طفل، لأنّ أقلّ تحرّش بالطفل يخلق لديه حالة من الرّغبة في الانتقام بنفس الأسلوب لما يصيبه من عاهة مستديمة طوال حياته، كما أنّ الطفل المعتدى عليه يكون مستسلماً دون إرادته، شاعراً بالخوف والعجز عن مجرّد البوح بما يحدث له للآخرين خوفا من العقاب الذي سيناله، والنتيجة هو أن يعمّم هذا التحرش والرعب الذي يصيبه على جميع مواقف حياته.

وتفعل ذلك الفتاة أيضا عندما تعمّم الصورة على الرّجال فيما بعد عندما يتحرّش بها أحد جنسياً وهي طفلة... ففي مثل هذه الحالات يحتاج الأطفال بالضرورة لبرنامج تأهيل نفسي يمكّنهم من العودة للاندماج في المجتمع، فمعظم الدراسات تؤكد أن الطفل الذي تعرّض في صغره للتحرش سيقوم عندما يكبر بالتحرش بأطفال صغار، وهذا ما يؤكده أطباء علم النفس، حيث أن الأشخاص غير المرتبطين بالواقع، والذين لا يمتلكون فهماً للمنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمع، قد يرتكبون هذا الفعل، فهم يعانون من الاضطرابات الشخصية كالشخصية السيكوباتية والاندفاعية، فقد يكون التحرش بحد ذاته الذي حصل مع الشخص هو الدافع ليعيد التجربة لاحقاً، بحيث يكون هو من يأخذ دور المتحكم بالسلوك وليس المتحكم به، وبالتالي هو نوع من إعادة السيطرة على حياته من خلال دور المعتدي بدلاً من المعتدى عليه.

التحرش الجنسي بالأطفال ومسؤولية المدرسة والأسرة:

ينبغي أن نتفق أنّ هناك تغيّرات في المنظومة الاجتماعية واختلال للقيم وغياب للضمير عند البعض، كما ينبغي أن نتفق على أنّ هذه القضية وهو الاعتداء على الأطفال والتحرّش بهم أو محاولة هتك أعراضهم يعدّ سلوكاً شاذاً ومخالفاً للطبيعة الإنسانية والاجتماعية بخاصّة عندما توجّه ضدّ طفل بريء أو طفلة بريئة وتصدر عن شخص بالغ عاقل يعمل موظفاً أو مدرساً أو عاملاً أو غير ذلك. فالمسؤولية هنا مشتركة، تقع على عاتق المدرسة والوزارة الوصيّة التي تختار وتؤهل المدرس والموظف والحارس... وتبتعد بمناهجها عن أسلوب الديموقراطية التي تمنح الطفل إبداء رأيه وحريته في النقد والمصارحة فينشأ الطفل مفتقداً لحرية الرأي يَرهب الإفصاح عمّا بداخله وقد يصاب بالخجل والانطواء.

الطفل منذ الصغر يجب أن يتعلّم أهمية الحفاظ على جسده، وخصوصية هذا الجسد من دون تخويف أو تهويل حتى يعرف حدود جسده، وحدود علاقته مع الآخر، وأهمية الدفاع عن نفسه سواء بالصراخ أو الهرب، ولكن ردة الفعل في مجتمعنا تقوم على تكذيب الطفل من قبل أهله، حتى لو ساورهم الشك بالموضوع خوفاً من الفضيحة، وبالتالي عدم اللجوء إلى الحل الاجتماعي والقضائي والقانوني المناسب الواجب اتخاذه بحق الشخص المعتدي، ما يجعله حراً طليقاً دون محاسبة، فالطفل يخاف من أهله نتيجة المحرمات الزائدة، لذلك يفضل الكثير من الأطفال عدم الحديث بسبب شعورهم بالذنب، وخوفهم من العقاب، لذلك من الضروري أن يشرح الأهل للطفل أن هذه الأمور التي حصلت معه لا علاقة له بها، والأهم التواصل، والاستماع، وإحساس الطفل بالأمان، وإعطاؤه هامشاً من الحرية ليعبّر عما في داخله.

بعض الدول الأوروبية تقوم على تقديم كل المساعدة النفسية للأطفال عن طريق تصديقهم بداية، وتعليم الطفل أن ما حدث معه ليس هو المسؤول عنه، وهنا يبدأ الطفل بالشعور بالراحة والأمان، ويتحدث بشكل صريح وواضح حتى تتجمع المعلومات الكافية عن الشخص الجاني، ومن ثم تتخذ الإجراءات القانونية المناسبة بحقه.

إذاً ثقافة المجتمع والبيئة كلها ثقافة تشجيعية لهذا الأسلوب، لأننا نختبئ وراء أصبعنا، ولا نتخذ أي إجراء، بل أحياناً قد نغيّر سكننا للهروب بدلاً من وضع حد للجاني نفسه! يتوجب علينا اليوم أن نكون أشد صرامة في معالجة هذا الموضوع، لأن من دمر مستقبل طفل، وسلبه حياته الطبيعية ومشاعره، لابد أن ينال أشد العقاب على جريمته، وهذا ما يتطلب تكاتف جميع الوزارات، ومؤسسات المجتمع، والجمعيات التي تعنى بحماية الأطفال من العنف، لنصل إلى حياة نفسية سوية وسليمة لأطفالنا، وبالتالي بناء مجتمع صحي وسوي نفسياً، وعدم الخجل من الاعتراف بهذه الظواهر الشاذة لمعالجتها والحد منها.

* كاتب صحفي من المغرب

اضف تعليق