الشعب العراقي يكره الاحزاب، ويستنكر وجودها في البلد، ومن يريد اثبات نزاهته امام الناس يقول لهم ببساطة: انني مستقل ولا اتبع لاي حزب، هذه العبارة مفيدة للتنصل من مسؤولية الازمات المتراكمة في العراق.

تلك هي الصورة الملطخة بالفساد، التصقت بالاحزاب منذ عام ٢٠٠٣ وتراكمت بعد فشل الاحزاب في بناء نظام ديمقراطي قوي، وبدلا من البناء والاعمار راحت الأحزاب تتصارع على تقاسم السلطة والنفوذ وصفقات الفساد التي أنهكت الاقتصاد الوطني لدرجة ان الحكومة لم تستطع دفع رواتب موظفيها في بعض الشهور.

الصورة السطحية للسياسي المستقل الان، هي ان تكون بلا حزب، وهذه نظرة لا تستند الى أي دليل واقعي او علمي، فالاستقلالية تعني ان تكون قراراته مدروسة وليست خاضعة للاهواء الذاتية، ولا اهواء شخصيات مؤثرة عليك.

وبالنسبة للحق في تأسيس الأحزاب فهي نعمة علينا عدم الكفر بها، بشرط استخدامها بالشكل الصحيح، وعدم السماح للأحزاب بالاستيلاء على هذه النعمة بحجة عدم جدواها سياسيا.

وبالعادة صار الأشخاص يتنصلون من الانتماء للأحزاب وهؤلاء على صنفين:

الصنف الأول: سياسي حزبي ويمارس كل الممارسات الحزبية السيئة مثل الفساد والمحاصصة، لكنه يعرف ان المزاج الشعبي يرفض الأحزاب لذلك يسير في ركب الشعب ويتنصل شكليا عن انتمائه الحزبي.

الصنف الثاني: شخص مستقل فعليا قد يكون اكاديميا او أي شخصية لها ثقل اجتماعي تريد ممارسة العمل السياسي من اجل انقاذ البلد من الازمات، لكن هؤلاء قلة ومشتتون، لانه بدون التنظيم والعمل المشترك لا تستطيع اكبر الشخصيات تحقيق شيء كبير لبلد تضربه الازمات منذ سنوات.

وبالعودة للصنف الأول، وهم المتحزبون المنشقون، نجدهم السبب في زيادة عدد الأحزاب في العراق، لأنهم بعد مدة يعرفون انهم لا يستطيعون العمل بدون التنظيم الحزبي، لذا ينشئون أحزابا جديدة، تبدأ بمعارضة الأحزاب الموجودة، وبعد سنوات يندمجون في المنظومة ويصبحون جزءا منها.

ما الذي جنيناه اذا؟

لم نستطع سوى تأسيس أحزاب جديدة لا تختلف عن القديم وزادت من الامر تعقيدا. والحال ذاته ينطبق على الشخصيات المستقلة فعليا، فهي تجد نفسها مضطرة الى تأسيس تنظيم سياسي يتحول الى حزب في البرلمان ويندمج مع المنظومة السياسية كما يفعل الجميع.

ما الحل؟

الحل ليس خطة جاهزة يوفرها كاتب مقالات، ولا حتى فيلسوف متضلع في أمور السياسة، العراق بلد معقد ومن الصعب حل اموره بسطرين او مقال مكون من الف كلمة.

لكننا نضع بعض الإشارات المهمة للتعاطي مع مسألة الخطاب المعارض للنظام الحزبي، ودعم المستقلين:

اولاً: اننا بحاجة الى حزب متحرر من قيود الديكتاتورية، ونقصد هنا ديكتاتورية الزعماء، بمعنى يجب ان لا نذهب الى تدمير فكرة الأحزاب من جذورها لانها فكرة جيدة ومفيدة للبلد.

علينا الدعوة لتحرر الأحزاب من التنظيم الديكتاتوري، وفرض نظام الانتخابات داخل الأحزاب نفسها، فهي ليست شركات خاصة بالزعماء، انما هي مؤسسات سياسية تم تاسيسها لخدمة النظام السياسي الذي بدوره يقدم خدمة للعراق، ومن ثم فهي تخضع للرقابة الشعبية.

اول خطوة في اصلاح النظام السياسي، هو اصلاح الأحزاب ذاتها، وتحوليها الى مؤسسات ديمقراطية، وتفريغها من الزعامات الأبدية والعائلية التي لا تتنحى عنها الا بعد الموت.

ثانيا: نحن نريد سياسيا مستقلا في تفكيره وهذا يتوافر في حزب متحرر، فاذا حققنا الخطوة الأولى وهي فرض نظام الانتخاب داخل الأحزاب وخضوعه للرقابة الشعبية، تاتي الخطوة الثانية وهي وجود السياسي المستقل في تفكيرة وسلوكه داخل الحزب السياسي.

وبما اننا نفتقد للحزب المتحرر والنائب المتحرر، تجد المواطنين ينبذون الأحزاب ويدعون الى سياسيين من خارج المنظومة الحزبية الحالية من اجل الالتفاف عليها وتفكيكها.

وهذه الدعوات غير مجدية لانها لا تتوافق مع أي نظام ديمقراطي في العالم، وكان لسان حال الداعين لها يقول ان الساسة سرقوا حقا من حقوقنا وهو تأسيس الأحزاب السياسية المتحررة فلنترك هذا الحق.

الدعوة الى ترك النظام الحزبي برمته هو تنازل خطير يقدمه الشعب، تمهيدا لتاسيس ديكتاتورية جديدة.

ثالثا: اذا استطعنا تأسيس أحزاب تحررة وديمقراطية، وتخضع للانتخابات الدورية والرقابة الشعبية، فان هذه الأحزاب تكون اكثر خطورة على الفاسدين والديكتاتوريين من النواب المستقلين، والسبب هو ان الحزب الديمقراطي يكون كتلة بشرية كبيرة ومنظمة وتمثل جزءا كبيرا من الشعب، لا يمكن لاي ديكتاتوري او فاسد مواجهتها.

الفاسدون والديكتاتوريون هم من يدعون لفكرة المستقلين، ليس حبا بالشعب ولا رغبة في تحسين الواقع العراقي، بل من اجل تفكيك منظومة الرقابة الشعبية وسلب الشعب احد اهم حقوقه وهو تأسيس الأحزاب القائمة على التنظيم الديمقراطي.

رابعا: المرشح المستقل قد يكون نزيها ويحمل اغلب الصفات الجيدة، لكنه وحيد ولا يستطيع تقيدم شيء مفيد للشعب، بينما مجلس النواب يعتمد على العدد والتكتلات السياسية وليس على النوايا الحسنة فقط.

النوايا الحسنة لا تبني الأوطان، والسياسي المستقل بالمعنى السطحي الذي يتم التسويق اليه الان.

قوتنا من قوة الاحزاب المتحررة القائمة على التنظيم الديمقراطي، واذا اردنا تطوير النظام الديمقراطي علينا المطالب باحزاب ديمقراطية، لا احزاب عائلية ومتوارثة الزعامات.

اضف تعليق