كثيرة هي القضايا التي ينقسم بشأنها العراقيون ويتمايزون بسببها ايديولوجيا، صارت لعبة الانقسام جزء من سلوكنا السياسي اليومي، فثمة من يريد جعل هذا الانقسام هوية فكرية-سياسية، يحدد في ضوئها (الاخر) المقابل أو المخالف أو المتناقض معه.

أختلافاتنا العديدة التي تزداد تعقيدا، لم تكن وليدة السنوات المنصرمة فحسب، بل بعضها ورثناه من اسلافنا يوم تمايز العراقيون في كيفية ادارة الدولة ودمج المجتمع وتحديد اولويات التنمية السياسية والثقافية والاقتصادية، علاوة على هوية الدولة وطبيعة نظامها السياسي وقضايا المجتمع الاساسية.

منذ ولادة الدولة الحديثة عام 1921 كان هناك اختلاف وجدل تبلور لاحقا في تيارات سياسية ذات طبيعة ايديولوجية، كلها تنادي بالعدالة الاجتماعية وحقوق الشعب ومقاومة الاستعمار وتحقيق الوحدة، وقد انفردت التيارات القومية، خصوصا بعد صعود الناصرية، بالمناداة بالوحدة العربية وجعل فلسطين قضية مركزية للنضال العربي.

واصبح شعار كل شيء من اجل المعركة حجر الزاوية في الايديولوجية العربية المعاصرة، بانتكاسة المشروع القومي بعد هزيمة 1967 وتبدل الاهتمامات نحو المشروع القطري كانت المنطقة على موعد مع صعود الاحيائية الاسلامية على انقاض المشاريع القومية والماركسية وذهبت تنظيرات القوميين ادراج الرياح بتحول اعتى الاحزاب القومية التي استولت على السلطة الى احزاب ضد الوحدة القومية عمليا وتحول الطريق الى القدس نحو وجهات طائفية او قطرية بائسة.

في هذه الاثناء عادت لغة الخطاب الاسلامية تسترجع مفاهيم الصراع الحضاري بين المشروع الغربي والمشروع الاسلامي، وساهمت تنظيرات المرحوم الدكتور فتحي الشقاقي (1951-1995،اغتاله الموساد الاسرائيلي في مالطا ) مؤسس وزعيم حركة الجهاد الاسلامي الفلسطينية في اشاعة مفهوم القضية الفسلطينية، قضية مركزية للعرب والمسلمين بمختلف توجهاتهم القومية والدينية، املا في ان يكون ذلك دافعا للمسلمين نحو النهوض العلمي والثقافي والاقتصادي والعسكري لموازاة التحدي الذي فرضته الحركة الصهيونية باعتبارها ربيبة المشروع الاستعماري الغربي في المنطقة.

وكان لصعود الاسلام الشيعي وتحديد يوم للقدس في اخر جمعة من رمضان على يد مؤسس الجمهورية الاسلامية، وتاليا توحيد حزب الله اللبناني بين شعار تحرير الجنوب اللبناني المحتل ومقاومة التوسعية الإسرائيلية.

كل ذلك ساهم في بلورة مشروع المقاومة العابر للحدود، لتستجيب قوى اسلامية شيعية عراقية بحكم الايديولوجيا والولاء لهذا المشروع انخراطا في هوية ايديولوجية اسلامية تقاتل الغرب واسرائيل وتضع القدس بوصلة نهائية دون ان تنسى توظيف هذا الشعار في معاركها الداخلية في لعبة السيطرة على السلطة، وفرض أولوياتها وتصوراتها في بلدان التأزم والاضطراب، ما بعد انهيار الدول القطرية والفشل في اعادة بنائها.

اليوم يجيء الصراع الذي حركته عدوانية اسرائيل ضد سكان حي الشيخ جراح في القدس، ليتيح فرصة لعبور خطوط الانقسام الطائفي والقومي وصراعات المصالح اعلاميا وتعبويا، وليكون جيل الصواريخ ذات المصدر الايراني عنوانا لمرحلة جديدة غير مرحلة جيل الحجارة وانتفاضة القبضات الخالية غير المسلحة التي جلبت التعاطف الدولي.

لكن كيف نتفادى توظيف الشعارات العابرة للحدود في لعبة صراع النفوذ السياسي الاممي، واستجلاب القوة والمكاسب في بلدان يتصاعد فيها حجم الخراب الداخلي بسبب صراع التيارات المؤدلجة وتفشل في بناء الحد الادنى من مقومات الصمود للدخول في معركة اشمل واكبر من معركة بناء وطن؟

اي المقومات والامكانات التي يمكن اعتمادها كمشتركات للتغلب على مفاعيل التنازع والانقسام الايديولوجي بين تيارات الاسلام السياسي، والتيارات التي تصارعها في معركة بناء الدولة القطرية؟ وهل استعادة شعار تحرير القدس واثارة المشاعر الدينية والقومية والوطنية كافيا لعبور حواجز الصراعات الداخلية على السلطة وتأجيل اسئلة هوية الدولة وعلاقاتها بمحيطها الاقليمي والدولي واولويات علاقاتها الدولية !؟

تعودنا الهروب من المشكلات المحلية بتعويمها، والانخراط بمشاريع كبرى نحشد لها عاطفيا وننظّر لها استراتيجيا بحكم العواطف الدينية والمشاعر الانسانية وننسى انها معركة الكون وبؤرة الصراع الحضاري كما يسميها منير شفيق (مفكر فلسطيني)، ثم هل حقا اننا قادرون فعلا على تجاوز الهم الوطني والمحلي لننخرط في المعركة الاكبر ليكون حسم المعركة الحضارية الكبرى مقدمة لبناء الدولة القطرية؟، اشك اننا استوعبنا مرحلة الشعاراتية القومية التي انتجت اجيال الضياع واليأس والإحباط، لنؤسس على انقاضها مرحلة الانسان القادر على خوض التحديات الكبرى بحجم تحدي الدولة اليهودية في المنطقة، ولذلك لن تكون فلسطين والقدس عراقيا سوى اداة من ادوات الصراع على السلطة محليا وتغليب رؤية على اخرى مشتبكة معها في صراع وجود ومشروعية وحقانية، ضحية هذا الاضطراب والاندفاع هو الوطن والانسان اللذان يوشكان على الضياع كما ضاعت فلسطين، وصارت الاجيال العربية تنهزم معرفيا ونفسيا امام زحف الانسان الاخر المتفوق عليها في كل شيء.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق