أبدى كرار الذي يبلغ من العمر 25 عامًا، استغرابه حين كان حاضرًا معنا في حوار لي وزميلة في العمل إزاء تنامي ذكر صدام في هذه الأيام من قبل العراقيين في أحاديثهم اليومية، علق قائلًا على هذا الاستغراب "ليس عندي معرفة بما جرى قبل 2003".

يختصر العراقيون سبب أزماتهم المستمرة في الحاكم وشخصه، إذ هو عندهم من يمتلك القدرة على معالجة الخراب والفوضى التي هم فيها، ولكن في الوقت ذاته يخالجهم شعور بأنه سبب رئيسي لتلك الأزمات.

بماذا نفسر هذا التناقض الدائم عند العراقيين؟ قد يكون تحققًا لمعنى الحكمة القائلة "أنت الخصم والحكم"، وهنا الحيرة التي لا تنتهي، بأنك تختصم لحاكم هو في الوقت نفسه الخصم.

العراقيون: النسيان والتذكر

لا ينسى العراقيون من حكمهم، إذ تراهم يستعيدون ذكرهم بين فترة وأخرى ومن خارج سياق مرحلتهم وما حصل فيها، ويضعون لهم صفات هم يختارونها حسب ما يظنون أنه جيد أو سيء منه، ولذلك يستعيدون ذكر الملك فيصل الأول، ونوري سعيد، وعبد الكريم قاسم، وصدام لدورهم فيما شهده العراق من أحداث وأزمات.

يظهر الحكم بالعراق مقيدًا بشخص من يحكم ونزواته وكيف ينظر إلى السلطة والحكم، وبعيدًا عن أي مؤسسة تقيده وتجعله يفكر كثيرًا قبل عمل أي شيء.

يقع تذكر الملك فيصل ضمن مستويين، الأول تاريخي ارتبط بنشوء الدولة وكيانها السياسي ومجيء هذا الملك من خارج السياق الاجتماعي العراقي، ليحقق بعض النجاح طوال توليه لحكم العراق، إذ بدأ نقل العراق من كيان مفتت متلاشي الأطراف بين نزاعات قبلية ودولية إلى بلد أخذ يمتلك وجوده. الملازم لذكر الملك فيصل الأول، بعدم وجود توصيف شخصي يشير إلى نزواته وطغيانه، ولذلك لا نستطيع وصفه بالدكتاتور أو المستبد، كما أنه جمع سمتين وفرتا له قوة وحضورا هما "النسب/ الهاشمي، المذهب/السني"، فهما يتناسبان مع المتخيل التاريخي لأكبر جماعتين في العراق "الشيعة والسنة"، ما تبقى من الملك فيصل الأول نص مذكراته التي أطلقها عام 1923 ليعبر فيها عن معاناته في حكم العراق وما يكتنفه من صعاب وتحديات، ليموت بكمده من هذا الأمر.

وأما الباشا نوري سعيد الذي يحضر كثيرًا في مخيلة العراقيين حديثًا وصورًا، كونه رجل الحكمة والقدرة في فهم تناقضات العراق مجتمعًا وتاريخًا، يكرر بعض العراقيين سرد الحادثة التي وقعت بين نوري السعيد والشيخ محمد رضا الشيبيي الذي كان لا يميل له ويتحسس منه، مضمون هذه الحادثة أن نوري السعيد قال للشيبيي سيأتي يوم تترحم فيه عليَّ، فاستجهن الآخر منه، ودارت الأيام وإذ بالشيخ يتعرض هو وعائلته لاعتداء من الحرس القومي بعد انقلاب 1963، يقال حين خرج من المكان الذي كانوا يحتجزون فيه أحد أفراد عائلته، دعا عامل الخدمات في المكان، لكي يقرؤوا الفاتحة ترحمًا على روح الباشا نوري السعيد.

ما يجمع الملك فيصل الأول بنوري السعيد أنهما كانا يعملان في حال لم يختلفا فيه حول متطلبات العراق الأساسية، وهي تكوين نظام سياسي جديد والحفاظ على توازن العراق داخل إقليم مضطرب بشكل شبه دائم، ومحاولة فهم المتغيرات الدولية وتأثيرها على هذا النظام الجديد، كان هذا واضحًا عند نوري السعيد، حين انتبه لصعود أمريكا دوليًا وضمور القوى العالمية القديمة.

إن ذكرى عبد الكريم قاسم منتشرة بين فئات اجتماعية واسعة من العراقيين، لما قام به من تحولات اقتصادية أثرت على حياتهم ومعيشتهم، إذ يسرد عنه قصص تبين مدى نزاهته وبساطته، ولكنه كان يدير بلدًا ممتلئ بتناقضات إلى درجة غير مفهومة، الغريب أنه جمع السلطات في يده واحتار فيما بعد، حين تصاعدت وتيرة عدم استقرار السلطة، يشترك عبد الكريم قاسم مع الملك فيصل الأول في قضية اختلاط النسب "إذ كان أبو عبد الكريم قاسم سنيًا وأمه شيعية" ولكنه يتباين معه في الوظيفة والدور فهو ضابط، وفيصل سياسي مر بمراحل عملية حين كان مع والده الشريف حسين، درس في إسطنبول وتعلم من تجربته في سوريا حين حكمها لفترة قصيرة، وواجه تمردات حدثت في أثناء حكم والده في الحجاز بمنطقة عسير.

ما يميز صدام عن غيره من الذين حكموا العراق، أنه استطاع البقاء في الحكم لفترة أكثر من غيره، وترك آثارًا كثيرة مادية ومعنوية على المجتمع والدولة، جمع صدام القوة والخوف، ولذلك يستعيد العراقيون بذكره القوة التي فقدوها في الحكم بعد 2003، لكنهم لا يعرفون كيف يمكن منع تحول استعادة القوة إلى مصدر للتسلط والاحتكار، هناك حاجة لفهم محاولة العراقيين استعادة صدام لأنه يعبر عن تناقض لا يمكن الفكاك منه، فهو يحمل صفة المستبد من جانب، والممتلك للقوة التي يحتاجونها في حل أزماتهم من جانب آخر، ولهذا ينطبق عليه معنى التناقض العراقي، إنك تطلب الحل من خصم استبد بك.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1