يقع العراق في منطقة تجبره على ايجاد التوازن المناسب، في العلاقات التي يقيمها مع من يجاوره من دول الاقليم، اذ يمكن النظر الى موقعه الجغرافي، من زاوية -الدولة الحبيسة-، والتي لا تملك خيارات كثيرة في الخلاص من ضغط أي من دول الجوار، وقدرتها على التدخل بشأنه الداخلي، وما جرى في العراق بعد 2003 دليل ملموس على ذلك.

وهذا ما جعل العراق، بسبب سمة "الدولة الحبيسة"، يواجه بشكل شبه مستمر أزمة العلاقة بدول الاقليم، ولذلك يحتاج في كل مرة تحدث فيها أزمة ما في الاقليم الى ايجاد التوازن المطلوب لكي يتخلص من تبعات وجوده في موقع جغرافي يقيد قدراته، والذي يجنبه الوقوع في شراك محاور إقليمية على حساب الاخرى.

ولهذا قد تكون قضية وضع الحرس الثوري الايراني في قائمة المنظمات الارهابية من قبل ادارة الرئيس الاميركي ترامب، احدى التحديات التي يواجهها العراق لكي يتفادى الوقوع في سياسة المحاور التي اخذت تظهر منذ ازمة الربيع العربي.

تمتلك مؤسسة الحرس الثوري عدة صفات منها داخلية واخرى خارجية، الداخلية تعبر عن دوره العقائدي في حماية النظام وضمان دوامه، وهو بذلك يحمل صفة الحماية والحراسة، وبهذا يقترب من وظيفة الجيش التركي سابقا، قبل مجيء حزب العدالة والتنمية، والتي تقوم على مبدأ حراسة علمنة النظام، وأما الوظيفة الخارجية فهي معقدة ومتشابكة مع عدة توجهات كونها نابعة من مبدأ "تصدير الثورة" والذي ضمر منذ انتهاء الحرب العراقية–الايرانية، ما مهد لتنامي صفة الوظيفة الداخلية وتتكرس بشكل جلي من خلال ازدياد المساهمة الاقتصادية في أعادة الاعمار والبناء.

ومنذ 2003 تغير الحال بالنسبة للحرس الثوري، وبات يستعيد الوظيفة الخارجية تدريجيا من خلال قيامه بدور ملفات في منطقة الشرق الاوسط، اذ أصبح مشتبكا مع أكثر من أزمة، كان لإيران دور فيها، ولهذا أخذت تظهر شخصيات بشكل بارز لها علاقة بمؤسسة الحرس الثوري في ميادين تلك الازمات.

أن العلاقة التي بنيت بين الحرس الثوري والدول التي حضر فيها لم يكن بشكل رسمي ومؤسساتي وانما ميداني تعبوي فرضته سمة الحرس وقدراته العسكرية والايديولوجية، وكأنه بذلك يعيد إشكالية العلاقة بين الدول عن اي طريق يتم تكوينها من خلال المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية التي تتخطى الدولة وكيانها السياسي والدستوري؟

أسهمت أزمة اجتياح داعش للمدن العراقية "الموصل، الانبار، صلاح الدين" في إتاحة المجال امام الحرس الثوري ليكون المساهم الاكبر في دعم وتكوين القوات الشعبية "الحشد" لكي تستطيع امتلاك قدرات قتالية وتعبوية لصد داعش واخراجه من تلك المدن، هذا الدور اوجد شبكة علاقات واسعة بين مؤسسة الحرس الثوري وشخصيات وكيانات ذات سمة عسكرية وسياسية في العراق.

وفي نفس الوقت هناك حضور بشكل واضح للولايات المتحدة الاميركية أثناء قتال داعش العام 2014 ولغاية 2017، وهنا نلمس تداخل واشتباك غير مسبوق من قبل بين الطرفين "ايران–اميركا" في العراق، ما يجعلنا نتساءل كيف تتمكن القوى والمؤسسات السياسية في العراق من امتلاك التوازن المطلوب في علاقتها بين طرفين نقيضين بمعنى واضح وجلي؟ مع ان العراق أصبح نقطة الاشتراك بين ايران واميركا منذ الاطاحة بالنظام السابق، وهذا ما يضع العراق ومؤسساته امام تحدي، حول اكتشاف الممكن والمتاح له، بممارسة علاقته وتفاعله مع الطرفين.

ربما نستطيع مقاربة الوضع العراقي بعد القرار الاميركي بخصوص الحرس الثوري، بمحاولة فهم من يحتاج من؟ ايران تحتاج العراق أو العكس، وهل هذه الحاجة قائمة على معنى اقتصادي يعتمد تعويض عن ما تواجهه من ضغط تجاري يقيد حصولها على مصادر للدخل، او ان الحاجة مرتبطة بمبدأ عقائدي أيديولوجي لاشتراك البلدين في العديد من السمات الاجتماعية والثقافية؟

ان العراق مجبر بالبحث عن مسافة الأمان التي تجنبه من الوقوع في الانحياز لطرف على حساب آخر، وهذه المسافة ممكن انتاجها من خلال استيعاب الفرق بين ما هو اقتصادي سياسي وعقائدي ايديولوجي لكي يحدد مستوى التفاعل ونوعه، لان الخلط بينهما يضر العراق أكثر من غيره، وهذا مرهون بما يحمله صانع القرار العراقي وقدرته على انتاج مسافة الامان.

قد يكون ما قامت به الولايات المتحدة الاميركية إختبارا غير مقصود للسلطة العراقية وصناع القرار فيها يكشف إمكانياتهم ويضعهم امام تحدي لفترة طويلة حاولوا تجنبه، وبذلك يكتسب النظام السياسي بعد 2003 حصانة تمنع انزلاقه في مسار تبعية تكلفه الكثير.

ربما تكشف الازمة الحاصلة بين ايران واميركا، عن نقاط القوة والضعف التي تكتنف المشروع العراقي الجديد، منذ لحظة التأسيس العام 2003 ولغاية الآن، والا بماذا نفسر في كل مرة تحدث أزمة إقليمية يجد العراق حاله في تحدي ايجاد الموقع الذي يجنبه التأثر بها والبحث عن الخلاص من تبعاتها الاقتصادية والسياسية، وهذا يدفعنا نحو وضع سؤال حول طبيعة العلاقات التي يريد اقامتها مع دول الجوار الاقليمي على اي مبدأ هي؟

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0